كتب الإعلاميّ وسام عبدالله
أكثر من عقدين مضيا على غيابك، أكثر من عشرين عامًا انطوت، وما انطوت صفحة وجهكَ في قلوب محبيك، ولا انطوت ذكرى حضورك في ذاكرة الوطن. يا أيها الشيخ الدائم الحضور المالئ المكان، الساكن الوجدان. إغتالوك ليقتلوا بموتك كل شيء، فنالوا من الجسد وما نالوا من الروح، نالوا من الشخص وما نالوا من المشروع. ظلّت الروح نابضة في جميع محبيك، وظل المشروع حيًّا في روح كل من آمن بفكرك وخطّك وعطائك.
أيها الراحل الكبير، الرئيس الشهيد رفيق الحريري، رئيسنا وشهيدنا ومَثَلنا الأعلى ومِثالنا الدائم، نقف اليوم في الذكرى الواحدة والعشرين لغيابك لنؤكد على العهد من جديد، أننا لن نتنازل عن واحد من خياراتك، ولن نحيد عن أي من أهدافك. سيظلّ لبنان أولاً في القناعة وفي السلوك. ستظل بيروت حبيبتك وحضنك وثرى احتضانك الأخير. وسنظل نحن أبناءك المؤمنين بخطك لا يشوّشه مرور السنوات ولا يغيّره توالي الأزمات.
نكتب لك، لذكراك، نكتب عنك عن إرثك أعمارًا وإعمارًا يملأ المدينة. لكن ليس من السهل أبدًا أن نختصر رجلاً بكلمات أو زمنًا بمفردات، مهما عظمت تبقى عاجزة عن الوفاء بما تستحق، وبما علينا نحن أن نبلغه من مراتب الوفاء لك في كل أمر وكل حين. أنت قلت "ما حدا أكبر من بلده"، لكنك كنت بحق رجلاً بحجم وطن، بحجم أكثر من حلم وأكبر من أمنية.
كيف لنا أن نلخّص مسيرةً امتدّت بين الوعد والتنفيذ وبين التخطيط والإنجاز، وبين الألم والأمل. فالرئيس الشهيد رفيق الحريري لم يكن مجرد رئيس حكومة، بل كان فكرة نهوض، ومشروع دولة، وإرادة حياة في زمن كان فيه اليأس أقرب إلى نفوسنا من الرجاء. وما كاد الرجاء يصير واقعًا حتى حطّ الغدر بحقده على طريق بيروتي توسّمنا فيه أن يوصلنا إلى الأمان فأوصلنا وأوصل الوطن بأسره إلى الأحزان. وها هي كلما اشتدت نستذكرك ونتحسّر ونرتجي من الله أن يمنّ علينا بأمثالك، فنخرج من هذا النفق المظلم الذي ما عدنا نعرف لنهايته بلوغًا.
في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان حللت بيننا كطيف أمنية، حاملاً على كتفيك حلم إعادة الإعمار، فأطلقت ورشة بناء ما دمّرته الحرب، لا في الحجر فحسب، بل في الإنسان أيضًا. فكانت مسارات التعليم توصل شباب الوطن إلى قمم المعرفة فيما كان سواك يدفعهم زمرًا إلى فوّهات الموت. أحببتَ شعبك فوعدتَه بالمستقبل شعارًا لعملك، وأحبّك شعبُك فرأى المستقبل متجسدًا في كلماتك وقراراتك وأفعالك.
حوربت من الأقربين والأبعدين لأنهم رأوا فيك مشروع وطن، وتصميمًا على النهوض مما دمّرته الحرب، فبادروا ليقتلوا فيك ذاك المشروع وذاك التصميم. لكن على الرغم من ذلك، بقيت ثابتًا على قناعاتك بأن لبنان يستحق أن يكون أفضل. آمنت بالدولة والمؤسسات، وبأن الاعتدال هو القوة الحقيقية في مجتمع متعدد، فنهضت المؤسسات وساد الإعتدال. كان الحوار في حضورك ممكنًا، وفي غيابك شعر كثيرون بأن جزءًا من الطمأنينة قد انكسر.
عرفَتْ بيروت قبلك سبعة زلازل، وفي ذلك اليوم المشؤوم في الرابع عشر من شباط 2005 عرفت الزلزال الثامن ورقدت معك تحت أنقاضها تبكي غيابك، وما عادت عرفت بعدك طعم النهوض.
لذلك، ففي ذكرى رحيلك اليوم، نجدد الوعد لك بأننا لن نقف عند الحزن وحده وإن كان ما زال مقيمًا في داخلنا يملأ أرجاء الروح، بل سنمضي بما زرعته فينا من أمل وصراع بقاء. وأن يبقى مشروع الدولة قائمًا، وأن تبقى بيروت مدينة للحياة لا ساحة للخراب. ومهما طال الزمن فإن طريقك هو الحق والحق لا يموت، ونحن لن نسقط في منتصف الطريق لأنك ما عودتنا الهوان، ولأن ما تركه غيابك من مسؤولية كبرى ليس لأيٍّ منا التفريط بها، ليتحقق الحلم وينهض البلد.
فليرحمك الله يا دولة الرئيس الشهيد، وليعطنا من بعدك صبر التحامل على الحزن، ورجاء النهوض من الألم، لبناء لبنان الذي أعطيته عمرك وفديته بدمك.




يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.