23 تموز 2022 | 16:54

عرب وعالم

تونس : الإستفتاء ...حل أو بداية أزمة مفتوحة !؟



ميرنا منيمنة





قبل أيام قليلة على الإستفتاء في تونس تشتد سخونة المشهد تزامناً مع سخونة مناخية وحرائق في المواقف وفي الغابات .

فتصاعدت موجات الإعتراض على الدستور المنوي الإستفتاء عليه وازادت تعديات الرئيس قيس سعيد على القوانين التي " نصها شخصيا " بطريقة مباشرة او غير مباشرة فأتخذ موقفاَ علنياَ واضحاَ منحازاَ لـ"دستوره" مطالباَ الشعب التونسي بالتصويت بـ"نعم "تكاد تكون له أكثر منها للدستور الجديد . ومن جهة أخرى، عادت موجات التخويف من عودة الإسلاميين الى الحكم وهي الأكثر تأثيراَ على شريحة كبيرة من الناس كون التجارب السابقة لا تزال حية ولا مجال لتكرارها مهما كان السبب.

وعليه فإن التحديات كبيرة أمام من ينادون بالمقاطعة ومن ينادون بالمشاركة بـ"لا" فهم يواجهون شعبيوية خطابية وحرف للأنظار عن المشكلة الأساسية التي تعاني منها البلاد.

لكن الأبرز في حالة الغليان تلك هو نص الدستور نفسه . حتى الداعمين لمسار 25 جويلية (تموز) والداعين للتصويت بـ"نعم "يبدون الكثير من الملاحظات أبرزها غياب آلية مساءلة رئيس البلاد . أما المناهضون فيرون في الدستور الجديد محاولة جدية لحصر جميع السلطات في يد رئيس الجمهورية إذ انه يمنحه على سبيل المثال لا الحصر، الحق في الدعوة لإستفتاء دستوري أو قانوني حين يشاء والتشريع خلال العطلة البرلمانية.

والأغرب أنّ الصادق بلعيد الذي عينه قيس سعيّد منسقاَ للهيئة الوطنية الإستشارية من أجل "الجمهورية الثالثة" أو "الجمهورية الجديدة" كما يحلو لـه تسميتها عبّر بوضوح شديد عن الخطر الكبير الذي يهدد تونس جراء نجاح الاستفتاء بعد أن فوجئ بنسخة مختلفة عن الدستور الذي أشرف على صياغته أي نسخة قيس سعيّد منبهاَ أنه يحتوي على فصول يمكن أن تمهد الطريق "لنظام ديكتاتوري مشين".

اتسعت مروحة الإعتراضات وشملت جمعية النساء الديمقراطيات التي احتجت على تفريط الدستور الجديد بالمكاسب التي ناضلت من أجل تضميينها في دستور 2014 . وأبدت جمعيات المجتمع المدني تخوفاَ على مدنية الدولة وحذرت من التلاعب في بيانات المسجلين في السجل الانتخابي واثارت عملية توظيف المؤسسات العمومية في عملية الإستفتاء .

قد يبدو ما ورد أعلاه سرداَ تقنياَ يشبه ما يرافق أي عملية انتخابية من حيث التأييد أوالمعارضة ،جهوزية وحيادية هيئة الانتخابات و ما الى هنالك .إلا أنّ ما يميز هذا الاستفتاء هو أنه قد يفتح باباَ نحو المجهول لأن الجدل السياسي الداخلي يترافق مع أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة دون أي مقاربة جدية وعملية لحلها بالرغم من وجود امكانيات لذلك .

هذا الواقع يشبه الى حد ما واقعنا السياسي اللبناني الذي حول الشعب الى ماكينة انتخابية لمآرب سلطوية ولم يقدم أي حل ملموس لأبسط مشاكله.

ومن أوجه الشبه الاخرى، العرقلة التي واجهها أصحاب الرؤية الاقتصادية والاجتماعية التي ترتكز على الاصلاح وتحديث القوانين وهيكلة القطاع العام للتمكن من جذب الاستثمارات وتحسين ظروف المواطنين و تأمين أدنى متطلباتهم.

رُفض الاصلاح في لبنان ورُميت الخطط الإصلاحية في مهملات المحاصصة السياسية وجُمّدت الـ 11 مليار دولار التي خصصت لدعم الاقتصاد البناني من مؤتمر "سيدر"سنة 2018 وفرح الفاسدون وانهارت كل قطاعات الدولة تقريباً.

وللمفارقة ، يروي السيد فاضل عبد الكافي ، رئيس حزب آفاق تونس و وزير المالية والتنمية والإستثمار والتعاون الدولي التونسي قصة نجاح مؤتمر "تونس الإستثماري 2020 "الذي حصد 15.4 مليار دولارسنة 2016 وخيبة أمله كون هذه الأموال لاتزال عالقة عند "الحدود الإدارية " للدولة . وهو الذي يرى أن الوضع برمته قابل للتغيير "بجرة قلم" . إنه القلم الذي تحتاجه الشعوب للإنتقال من التسلط السياسي الى فضاء الحوكمة والتطور والانتاج.

يعارض الحزب الذي يملك الخطة الإنقاذية "آفاق تونس" الإستفتاء ويدعو الى التصويت بـ"لا " وحيداً بين 158

طرفاً مسجلا للمشاركة وكان قد ووُجه أعضاءه بالقمع والتهديد الجسدي وتم الغاء نشاطاته الانتخابية بالرغم من قانونيتها .

وبعيداً عن المجريات التقنية لعملية الإستفتاء يتحدت الوزير السابق عبد الكافي لـ"مستقبل ويب" عن رؤيته لمستقبل تونس من الناحية السياسية و الإقتصادية والإجتماعية في ما لو تم اعتماد الدستور الجديد وخريطة الطريق لمواجهة التداعيات .

"إذا حصل الإستفتاء على غالبية "نعم" ، فسيحكم الرئيس قيس سعيّد مسلحاً بـ"دستوره" وسيعمل على إلغاء دور الأحزاب السياسية التي لا يؤمن بها وفق نظريته السياسية . سيمرّر ذلك عبر إصدار مرسوم رئاسي يقرّ من خلاله قانون انتخابي جديد ، وهذا سيشكل بحد ذاته فضيحة سياسيّة.

ويضيف عبد الكافي "أعتقد أن الأزمة الإجتماعية والإقتصادية القادمة ستغرق البلاد وستغرقه . يعاني الرئيس من حالة إنكار وهو ليس لديه إلمام بالمشاكل وكيفية حلّها.

إذا حصد الإستفتاء غالبية "لا" ، سيفقد سعيّد مشروعيته.

ويكمل الوزير السابق "ستستمر معركة حزبنا "آفاق تونس" في الدفاع عن أفكارنا و لكن من الممكن أن تتم مواجهتنا بشراسة."

ويؤكد "سأُكمل معركتي وأنا متأكد أنه في يوم من الأيام سنكون مسموعين أكثر وسيرى المواطنون فينا بديلاً جديّاً وعاقلاً في مواجهة الشعبيوية الرائجة حالياً.

لا شيء يدوم في هذه الحياة وغالباً يميل القادة السياسيون إلى نسيان هذه القاعدة البسيطة للغاية."

ويختم مشدداً على أن "السياسة بالنسبة لي هي فقط كيفية تحسين الحياة اليومية للمواطنين من خلال قرارات معقولة ومدروسة وشجاعة."

تعتبرعودة حكم الإسلاميين هاجساً لدى التونسيين وهم على حق كما تعتبر الحرب الأهلية الطائفية هاجساً عند اللبنانيين ولكن الخوف يعيق التقدم ويصبح حجة لكل كسل وطني في تحمل المسؤولية . لن ينقذ شعوبنا إلا الجرئة على التغيير وتحدي الهواجس النمطية والأفكار المعلبة وقول "لا" عند اللزوم والمقاطعة تعبيراً عن الرفض .

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

23 تموز 2022 16:54