الثورات الشمولية لا سيما الأيديولوجية منها، والدينية أو العلمانية، قد لا تعني دائماً تغيير الأنظمة والدساتير، وأشكال الحكم، بل أيضاً تغيير الحضارات وصولاً إلى الإنسان، وأكثر إلى خلق عالم جديد على أنقاض القديم، وإنسان جديد على أنقاض القديم. وقد عرفنا هذه الحقائق والوقائع عبر التاريخ البشري، الماضي منه والحاضر. ومن الطبيعي أن يُرفع عنوان ضخم فوق كل هذه الظواهر باستحداث تاريخ جديد على مختلف المستويات: محو الحضارات، والتقاليد، والجغرافيات، والبشر أنفسهم، لإعادة تركيبها في نماذج مصمّمة جاهزة. هذا ما حاولت فعله الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر (حتى منتصف القرن التاسع عشر)، والثورة الشيوعية، والنازية، والماوية، وصولاً إلى الثورة الخمينية من دون أن ننسى الفاشية.
لكن هذه الثورات لا تكتفي (وخصوصاً بالعنف الأيديولوجي والمادي والغزوات)، بنفي حضارتها العميقة، وذاكرتها الخاصة، بل ومخيلاتها وتصوراتها في حدود جغرافيتها الماضية والراهنة، بل تتوسّع إلى حيث تدفعها طموحاتها، إلى العالم كله؛ ويعني ذلك، عموماً، أن العملية تتلخص بتهديم الذات التاريخية، أولاً، ومن ثم الذوات الأخرى، المختلفة، إلى الامبراطوريات والشعوب، والثقافات القديمة. إنها لعبة تنطلق من حدود معينة خصوصاً إلى حدود لا متناهية أحياناً: تغيير العالم كله الذي بات غير صالح لمفهوم ثوراتها أو انقلاباتها، وغير جدير بالبقاء، لأنها، في منظور هؤلاء الفاتحين، إعادة تكوين (على غرار ما تفعله الآلهة).. فالذات هنا يجب أن تطرح الذات وأولاً تستبد بأخرى من صنفها، وكذلك الآخر الذي يجب أن يصبح على صورة ذاتها المخترعة من هوس الميتافيزيقي أو المادية، أو الأيديولوجية... أو الطائفية... والعنصرية.
(التتمة صفحة 11)
********************








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.