8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حِصاد الجَّحيم

ثمن بقاء الأسد في السلطة على الرغم من إرادة أكثرية الشعب السوري، قد يكون الأغلى بين أثمان الرؤساء الذين حكموا أو سقطوا.

ولا تتحدد هذه الأثمان بأعداد المهجّرين ولا بالمسجونين (مئات الألوف) ولا بالتدمير المُنظّم لمدن سوريا وقراها ودساكرها وآثارها التي تُقدّر خسائرها بمئات المليارات. كما لا تتحدد هذه الحروب بانتهاء النظام (وبقاء ظلال حاكمه) النظري، وتفتيت سوريا، وتقاسم خمسة بلدان احتلالها: إسرائيل، أميركا، روسيا، إيران، وتركيا وميليشيات ومرتزقة من أفغانستان ولبنان وفرنسا وانكلترا... كما لا تتحدّد فقط بنهاية عروبة هذا البلد العربي، ونزع هوية أهله القومية منه... ولا في القواعد الروسية، والفارسية، ودول التحالف...

كل هذه الأثمان دفعت ثمن بقاء شخص لم يعد له من قرار، أو سيادة، أو استقلال أو شعب، أو أخلاقية، أو إنسانية، أو عاطفة باتجاه وطنه وناسه: يقصفهم بلا رحمة بالأسلحة المحرّمة دولياً، وبالكلور، والبراميل المتفجرة، والطيران، من دون التمييز بين مسلّحين ومدنيين، بين أطفال ونساء وشيوخ ورجال، ومستشفيات.

والكل يعرف أن بقاء الأسد ما كان ليستمر لولا هؤلاء الذين شاركوه في تدمير أجمل البلدان وأعرقها وأكثرها حضارة... لكن استمراره كان مشروطاً بتنحية فعلية عن مقدراته، وباستقالة مموّهة، وبمواقف منذورة لكل هذه الاحتلالات.

فالحرب مستمرة والمفاوضات مستمرة، والتحالفات تنقلب، والقوى الخارجية تتصارع على الأراضي السورية وكأنها تتصارع على أرضها، خارج أي سلطة للرئيس الظل! حرب بين تركيا والأكراد للسيطرة على عفرين، قررت روسيا أنها قد تُشارك فيها بواجهة ميليشيات أسدية. تتفاوض أميركا وتركيا، وإسرائيل وتركيا، والروس والإيرانيون والأتراك، والأميركيون والأتراك، بمعزل عن أي وجود سوري رسمي: تتفاوض على مصير سوريا، وما يسمى الشرعية البعثية في غياب، وفي انعدام قرار أو حتى إبداء وجهة نظر، إلا إذا سمحت لها إيران وروسيا بذلك. كل هذه الأثمان الباهظة تدور حول هل يبقى الأسد وكيفية بقائه ومحاولة ضرب المعارضة وكأنها غير موجودة أيضاً. فلا المعارضة فاعلة، ولا النظام موجود سوى في بعض القضايا التفصيلية التي يحاول عبرها التوسع (بغطائين إيراني وروسي)، والايحاء بأنه قوي على الأرض، قوته في السماء عبر طيرانه.

الطائرة الإسرائيلية

تمَّ إسقاط الطائرة الإسرائيلية، من دون علمه أو (إذنه) أو مشورته، ولهذا سمعنا السجال بين إسرائيل وإيران... من دون أن نسمع، موقفاً من النظام إلاّ بعد أيام، يتهدّد نتنياهو بالويلات من دون أن يذكر الجولان. فالفاعل يرد وليس المفعول به. والاحتلال يجيب ولا من لا تسمع له إجابة.

دول مرتزقة

نقول ما سبق أن قيل، وما يدور منذ سبع سنوات في سوريا، لنشير إلى أنّ الدول التي دمرت سوريا دعماً للنظام، وأنزلت ببشرها وحجارها الموت، والخراب، بدأت، اليوم، (وربما من قبل)، تتصرف فعلاً كمرتزقة. فإذا شاركت الأسد في عملياته الإجرامية والتدميرية، فلتطالبه بثمن ما دمّرته، من خلال الصراع حول حصصها في إعادة إعمار البلد المنكوب. تريد أثمان جنودها، وطائراتها وأساطيها وميليشياتها، من مردود الإعمار وبناء البنى التحتية، والفوقية، والوسطية. والتكاليف حرزانة: نحو 500 مليار دولار على الأقل. ويبدو أن إيران بدأت تحسّ بأنها طلعت من المولد بلا حمص ولا فول كما يقول المصريون. والروس سيتولون أكل معظم الجبنة وحدهم. وكلنا قرأ ما صرّح به بعض المسؤولين الإيرانيين غاضبين من إخراجهم من هذه المكافآت والأثمان، لظنّهم أنّهم دفعوا ألوف الضحايا من مرتزقتهم (والنظام يتصرف كالمرتزقة)!، من فيلق القدس والحرس الثوري، وحزب الله... وساعدوا النظام بحوالى 100 مليار دولار لكي يستمر ويغطي متوجبات الجيش، والخدمات، وحلفائه، وعملائه. وقد أبدى العديد من المسؤولين الإيرانيين غضبهم من انحياز الأسد في موضوع من يشارك في الإعمار، إلى الروس. أكلوا البيضة والتقشيرة.

فلمن سقطوا من ميليشياتنا ثمن معنوي، وروحي، وسياسي نتكفّله، ولكن لهم ثمن مادي دفعناه لضحايا حزب الله في لبنان، ولميليشيات العراق، من دون نسيان أن الكرامة الإيرانية مرتبطة أيضاً بأثمان مادية باعتبارها جزءاً من انتصار لم يتم، ومشاركة ضعفت أمام سطوة الروس. فالمعنويات لا تتغذى فقط بالشكران وعبارات التقدير، بل تحيا بعنصرها العضوي وهو المال. فلهذه المنازل والمدن والدور التي دمّرت، ثمن يُحال علينا، وليس على غيرنا. وعندها يحدث اختلال بميزان القوى، والإيمان، والدفاع عن ضريح السيدة زينب، وباقي الأماكن الشيعية المقدسة! فالدفاع عن الدين وجوهره وقدسيته لا يتم بالصلوات والتضرعات وتوسل الجنات التي تمشي من تحتها الأنهار، بل بمردوده السياسي وغنائمه الاقتصادية. بل إن قتل مئات ألوف السوريين له قيمة حضارية وبشرية وفقهية، لا يمكن تقديرها بشكل كامل إلا بقبض أثمانها عدّاً ونقداً. فقتل السوري له سعره فما بالك بهذه الأعداد المليونية. ولتدمير البلد أيضاً معنى عمراني، ومدني، ونحن تولينا هذه المهمة المقدسة بأسلحتنا ودباباتنا وعسكرنا وصواريخنا... ولهذا الأدوات احترامها، وصون قيمها السامية، التي لا تترجم إلا بأثمانها وفوائدها ومضاعفة مردودها. إنها لغة الحصاد. فمن يزرع الريح يحصد العاصفة، ومن يزرع القتل والخراب يحصد ما يساوي زرعه وأكثر، والإيرانيون استبقوا الجميع بمواسمهم الدموية.. وفصولهم الجهنمية، وجاءت اللحظة ليحصدوا ما يستحقونه من حسابات وأرقام ومشاريع.

السمسرة

نذكر إيران وروسيا في باب السمسرة، والمقاولات، من دون أن ننسى بعض الدول الغربية التي تطمح أيضاً بإعادة إعمار سوريا، كفرنسا، وإنجلترا، وصولاً إلى بعض الدول العربية كالكويت، والإمارات، ولبنان أيضاً. لكن ليس لهؤلاء الأولوية في قطع قوالب الحلوى وأكلها، باعتبار أن بعضهم لم يساهم في حروب التدمير والقتل والتهجير. فالمكافأة لأبطال هذه العمليات. كأنما توزيع الحصص لا يتم بمن هو أكفأ، أو أجدر، بل بمن تضرجت يداه بالدم.

إنه موسم الحصاد إذن؟ ربما نعم وربما لا! ربما هو قريب، وربما هو بعيد. فالحروب لم تنتهِ والأدوار المتعددة تتراجع هنا، وتتقدم هناك. ومصير الأسد ما زال مجهولاً: يخضع لبورصات الحسابات، وتقلّب الأحوال. ولا يكفي الإعلان عن انتصار هنا أو هناك، للإيحاء بانتصاره أو حتى روسيا وإيران أو تركيا. فالمستنقعات عميقة، والرمال المتحركة عاصفة، هذا يغرق هنا، وذاك هناك. والأفق، على المديَين القريب والبعيد غامض، والمصائر مجهولة: إذا قسمت سوريا فمن يفاوض عن هذا الكانتون أو تلك الدويلة بشأن الإعمار؟ وإذا تمت اتفاقات بين الفاعلين ومنهم أميركا، فالنظام لن يكون كما قبل في عصمة رئيس مُطلق، أو حكومة أحادية. وهنا بالذات، من المرجح أن تكثر أيدي الطباخين، والطامعين، والطامحين في جبنة الاستثمارات أو تتعدّد الحصص والمراتب والأثمان.

حصادات كثيرة

وهذا يعني، أن مَن يحسب حصاده ستواجهه حصادات أخرى. بل تختلف الأولويات، وهنا يمكن اكتشاف لاعبين جدد في حسابات البيدر والحصاد والقمح والمضاربات.

إن كل هذه المقاربات تبقى إلى حد كبير نظرية، لسبب بسيط، أن مسارات التسوية المشوّشة تطاول كل شيء. كأن نقول إن التاريخ لا يسير كما أُعدّ له أن يسير، بل يقفز أيضاً، وينتج المفارقات والمفاجآت.

فعندما يكون بلد ما خاضعاً لخمس أو ست وصايات أو احتلالات، تتقاسمه، وعندما تنقلب النتائج والانتصارات والهزائم، وتتغير الحلول، وتتحول المفاوضات، وتنبري التعارضات، فمن العسير التكهن بتواريخ انتهاء الحرب وإفراز المنتصر والخاسر بشكل نهائي: الغوطة اليوم تعيش أياماً سوداء، وجحيماً من القصف، والقتل، والتدمير، فهل ترى الاستيلاء عليها، يُسرّع ختام الحرب أم يُبطئه؟

وصد تركيا لميليشيات الأسد في عفرين، (بغطاء روسي)، هل يعني اتخاذ المعارك وجهات جديدة، وصراعات مباشرة بين تركيا والنظام وروسيا؟ وهل أن موقف الأميركيين من دعم الأكراد، هو مقدمات لفتح جبهات لم يكن يتوقعها أحد؟

كل ذلك يوحي (وكما قال العديد من خبراء الحروب)، أن الأزمة السورية لن تنتهي قبل عشر سنوات وأكثر. وإن خرائط المواجهات بين الأطراف ليست نهائية. وكلنا رصد تحولات الموقف الإيراني والتركي، وسياسة التقارب أو التباعد بين الحلفاء والأعداء. فروسيا لا تريد مواجهة مباشرة مع الأتراك. ولا تريد صداماً مع الأميركيين. بل ولا تريد حرباً معلنة مع النظام السوري.

إن هذه الارتباكات تعود إلى طول مُدد الحرب، فما بالك إذا امتدت في المستقبل المجهول.

ونظام الملالي

وفي هذا الإطار بالذات، من يضمن أن يلتزم نظام الملالي تعهداته، إذا خلف روحاني خامنئي في ولاية الفقيه؟ بل ماذا لو نشبت ثورة سلمية في إيران وأطاحت الحرس الثوري، والحشد الشعبي، وحزب الله، وتغيّر اللاعبون. أكثر: ماذا لو تعرّض نظام أردوغان لهزات شعبية تعيد خلط أوراقه؟ وماذا لو أطيح الأسد بطريقة مفاجئة لا تقل مفاجأتها عن الثورة السورية عام 2011، بقوى جديدة، مدعومة من هنا وهناك؟

هل هذا يعني أنَّ توقيت تحاصص حصاد إعمار سوريا سيخضع أيضاً، لحسابات جديدة وأثمان جديدة، وممثلين جدد؟

حصة الأسد

صحيح أنّ روسيا (حتى الآن كما يُقال) ستحظى بحصّة الأسد من مشاريع الإعمار (لتعوض خسائرها) وصحيح أن إيران (حتى الآن كما يقول) ستسعى إلى اقتسام ما تستحقه من قطعة الحلوى (المُرّة بطعم الدم)، لكن الصحيح أيضاً أن ترتيبات هؤلاء كلّهم تشبه الخلاف على جلد الدب قبل الحصول عليه.

وحتى ذلك الحين الذي تنجلي فيه كل الوجوه والنتائج، والأرقام... فإن سوريا ستبقى الفريسة التي ينقضّ عليها كل المتاجرين بالدم، وسماسرة القتل، والمهووسون بالتوسع والعدوان...

حتى ذلك الحين، هل يبقى شيء من سوريا يتم التفاوض عليه؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00