8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ترجمة ديكارت والعقلانية لجنفياف روديس لويس الشك والتفكير

قد يكون ديكارت من أكبر الفلاسفة الذين عرفتهم الفلسفة، كأنه الفاصل بين الوضوح والغموض، بين اليقين والميتافيزيقيا، يمثل برأي كثيرين ولادة الفكر الحديث.

يقول ديكارت الفعل بطبيعته واحد عند الجميع، كأساس المثل الاعلاني للديموقراطية، مع إيمانه العميق بوجود الله، أي للعقلانية الديكارتية سقف حدوده الله. الله والعقل: أي يفسر الآخر؟ أي يعلو الآخر؛ الله فوق العقل. هنا النقطة التي ارتكز عليها العقلانيون الجدد في القرن التاسع عشر والعشرين، بل إن الكوجيتو (الجدلي) الديكارتي قد لقي أيضاً معارضة فلسفية كبيرة حتى وصف فكر ديكارت أحياناً كثيرة بالتبسيطي لكي لا نقول بالسطحي.

مع هذا فديكارت يعتبر أبا الفلسفة الحديثة بإخضاعه الوجود (كما جاء في مقدمة المترجم) لأولوية الكائن المفكر، فتح الطريق لكن هناك من أبدى تنوعاً وتطويراً وصولاً إلى معطيات ونتائج مختلفة مثل كانط وهوسريل، وإن عبّر الأول مكتفياً بالتيار المثالي باعتبار أن مسيرته تقف عند قوله أنا أفكر.

لكن هل يفسر ذلك عدم قدرة ديكارت على أن يكون صاحب نظرية متكاملة؛ لكن كبار الديكارتيين أمثال مالبرانش، وسبينوزا الديكارتيين أمثال مالبرانش، وسبينوزا، ولينيز الذين تجاوزوا العلاقة الثنائية بين العقل والميتافيزيقيا، أي بين المصدر العقلي والمصدر الإلهي، أي بين الأنطولوجية المعرفية الفعلية والرياضية.

لكن إلى ذلك هذا المفهوم، بدا، بعد ذلك قابلاً للشك، فأفضل الديكارتيين؟ ككاليرا حتى الذي ورث الثنائية الديكارتية عارض سلفه باسم العقل. أما سبينوزا ولينيز، فمختلفان في نقاط انطلاقهما، كما نتائجهما، إلى درجة التناقض، إذ حطّما أولوية المصدر المطلق لمصلحة أولوية العقل.

أما في القرن العشرين، فقد لقيت الفلسفة الديكارتية مع فلاسفته نقداً جذرياً، خصوصاً عند غير المؤمنين، أو أصحاب المدارس المادية التاريخية كالماركسية، والوجودية، والاتجاهات المتطرفة في نقد الدين وعلاقته بالعقل.

الكتاب النقدي وضعته جنفياف روديس لويس وترجمه عبده الحلو (صدر عن دار عويدات..).

هنا فصل الشك والتفكير

ب. ش

*********************************************

الشك والتفكير

يبدأ تأمل المعرفة لذاتها بالظهور، في أول كتاب القواعد، حيث وحدة العلوم مرهونة بوحدة المعرفة الإنسانية التي تبقى مساوية لذاتها كالضوء الذي يبقى هو ذاته على الرغم من إضاءته الأشياء المختلفة. ومن هنا كانت المسألة الأساسية، هي البحث عن ماهية المعرفة الإنسانية أو الفحص عن جميع الحقائق التي يقدر عليها العقل البشري، وهو فحص، يجب أن يقوم به ولو مرّة واحدة في العمر، جميع أولئك الذين يكونون جادين في تطبيق مبادئ العقل.

وقد أرجأ ديكارت هذا الفحص حتى الشهور الأولى من إقامته في هولندا حيث كان في جو من السكينة وقد انتظر نضج الثالثة والثلاثين من سنيّه. إن عزمه أن يبني على أساس خاص كان ولا شك، مشروعاً جريئاً وهو يستعمل في ذلك لغة الفارس الفرنسي الذي يتحدث عنه بيغي لأن محاولة التغلب على جميع المصاعب والأخطاء التي تحول بيننا وبين الحقيقة، هي إقدام على معارك حقيقة.

1 – الشك الجذري

كان ديكارت يكره الشك الذي يحتفظ به من غير جدوى بسبب مقارنة بعض الآراء غير اليقينية. فالحقيقة هي ما لا يقبل الشك حسب القاعدة الأولى من المنهج. كان يلذ لـ Montaigne أن يتوقف عند السؤال ماذا أعرف؟ وهو يستمر متأرجحاً بين الأجوبة المحتملة. بينما يلقي ديكارت بكل ثقله إلى جانب ما يرتاب منه حتى ينكر عنه كل حقيقة. وقصده من ذلك أن يمتحن مقاومة هذا الأمر للشك. فكان، في مرحلة أولى، يعتبر الأمر المحتمل أمراً باطلاً تقريباً حتى يعرف بصورة يقينية أن ليس في العالم أمر يقيني. ومما يميّز شك المتشككين من الشك المنهجي هـو أن الأول ينغلق على نفسه، بينما الثاني ينتهي إلى يقين حتى ولو كأن يقيناً سلبياً. ومثله في ذلك، أننا إذا أردنا أن نتبيّن بعض تفاحات جيدة في سلة نرتاب من أمرها، يجب أولاً أن نفرغ السلةّ بكاملها.

غير أن التقليد التشكيكي أعان ديكارت في بحثه فلم نعد بحاجة إلى التوقف طويلاً عند عدم الثقة بالحسيات، بينما يتوقف بصورة أطول عند احتمال الخلط بين حال اليقظة وحال النوم وهي فرضية كانت شائعة منذ أيام أفلاطون ثم كثر استعمالها في المسرحيات الشعبية آنذاك حيث توصف الحياة بأنها حلم. ومنطق الأحلام هو جنون موقت. وأما ديكارت فهو يقاوم هذا الاتجاه بالفطرة حيث يقول: وكيف ذلك، وهل نحن فعلاً مجانين!

ومعلوم أن المقالة في المنهج تختصر أسباب الشك، حتى من البراهين الرياضية، بحجة أن كثيرين يخطئون فيها. وهو يقول في ذلك. عندما تنبّهت إلى أنني معرّض للخطأ كأي إنسان آخر، اعتبرت جميع الحجج التي ظننتها براهين صحيحة، على أنها أخطاء.وقد كان باستطاعته ان يتساءل إذا كان جميع هؤلاء أغبياء أو مجانين؟ وبذلك كان من الممكن أن يضعف دوافع الشك حتى لا يزرع الفوضى في العقول الضعيفة عبر مصنف كان بمتناول عامة الناس.

يصل الشك إلى ذروته في كتاب التأملات الميتافيزيقة حيث يتعرّض للظواهر الحسيّة وينتقل منها إلى تلك الاشياء الأكثر بساطة وشمولاً أي ما تتكون منه تلك الظواهر كطبيعة الجسم والمقدار بوجه عام، كذلك الأشكال وعظمها. وهذا التمييز بين الكيفيات والأشكال المختلفة التي تتلبسها الكمية، يحضر للمذهب الآلي.

فمنذ عام 1630 كتب ديكارت، إلى Mersenne يقول، إن تأملاته الميتافيزيقة في العام الفائت، سمحت له بأن يجد أساساً للطبيعيات (15 نيسان) ثم كرّر ذلك قبل ظهور التأملات بقليل. وهذا الأساس، لن يكون ثابتاً إلا إذا صمد أمام جميع هجمات الشك. ومن هنا كانت جرأته بأن يهدم موقتاً الأسس العقلية نفسها.

يقول سقراط للعالم الرياضي تيتاتيوس: لن تتجرأ على القول إن المزدوج مفرد حتى ولا في المنام.. وإذا كنا أصحاء أو مجانين فهل نستطيع أن نقنع أنفسنا بأن الإثنين واحد. فمثل هذه الإثباتات القاطعة، لا يمكن أن ينال منها خطأ إنسان عديم الانتباه في عملية حسابية بسيطة. ولذلك، عندما ينتهي ديكارت في القسم الرابع من المقالة إلى القول بأن كل شيء باطل فقد كان في كلامه هذا نوع من المبالغة أعني أن النفي المطلق، تجاوزمجرد الامتناع عن الحكم. فكأنما، يقول ديكارت، إذا أردنا أن نقوّم قضيباً معوجاً يجب أن نحنيه إلى الجهة المعاكسة.

ولكي يعطي لهذه الفرضات التشكيكية قيمة أكبر، تخيّل ديكارت في كتاب التأملات، أنه ربما كان ثمّة كائن كلّي القدرة هو الذي أراد أن أخطئ في كل مرة أجمع إثنين إلى ثلاثة، أو أعدّ أضلاع المربع أو أحكم بأي شيء أبسط من هذه الأمور مما يفترض أنني تابع لهذا الكائن. ويذكر ديكارت في هذا الموضع بأن الرأي الديني المألوف لم يخضع بعد للفحص، وهو يقول بإله قادر على كل شيء هو الذي خلقني.. على ما أنا عليه.

وإذا قيل إن هذا الافتراض يتعارض مع الرأفة التي يوصف بها، أجاب فيلسوفنا، إن الواقع يثبت على الأقل، أن الإله التقليدي يسمح بأن أخطئ بعض الأحيان، فعملية تعميم الشك هي نفسها التي اتبعها حيال الحواس. فهذه تخدعنا بعض الأحيان، فلم لا يكون الخداع خداعاً مستمراً فإنه لمن الحكمة، ألا نضع ثقة تامة بأولئك الذين خدعونا مرّة واحدة. وهكذا طرح السؤال التالي: هل ثمّة إله حقيقي هو منبع الحقيقة وفي حال الإيجاب كيف يكون الخطأ ممكناً؟

وهذه الفرضية لن تؤدي إلى نتيجة ثابته إلا إذا فحصنا نقيضها أي وجود إله شرّير (هو شيطان أو جن إذا شئنا التسمية) هو المنبع الأساسي للخطأ. ونذكر أن مثل هذا الجن الشرير الذي لا تقل قدرته عن احتياله وخداعه كان صورة شائعة في المسرح الخرافي. فهل نحن في عالم الأسطورة؟. أوليس من الأفضل أن ننكر وجود أي قوة فوق الإنسان بدل أن نتوهم أن الأشياء الأخرى كلها موضع شك؟.

كان الإلحاد الذي يثق بالعقل البشري واستقلاله، مزدهراً آنذاك. وإذا أخذنا بأقوال الأب Mersenne فإن عدد الملحدين في باريس وحدها كان خمسين ألفاً. ولذلك عندما قرأ التأملات، اعترض على ديكارت بقوله إن الملحد بإمكانه أن يكون مهندساً بارعاً. ولكن ديكارت لم يكن ليكتفي بما هو نسبي للتوصل إلى مبدأ ثابت. ففي الإلحاد يبقى الإنسان تحت رحمة الأقدار والصدف وترابط الأشياء ببعضها. واختبارنا الخطأ يبيّن عدم كمالنا وبمقدار ما يتصف الكائن الأول بالعجز، وهو مصدر وجودنا، يصبح محتملاً أن نتصف بالنقص بحيث نخطئ دائماً.

فإذا تعلق وجود الإنسان بكائن أعلى أو بقدر أعمى، فسد اليقين حتى ما يُعتبر منه نموذجاً وهو الوضوح الرياضي. ولا ريب. في أن هذا الشك مصطنع. إنه شك متافيزيقي كما أحب ديكارت أن يسميه، لا يدخل في أمور الحياة اليومية. وأن الفيلسوف، قبل أن يتورط في هذه المغامرة العقلية التي تشكل خطراً عل المعتقدات وعلى الثقة العفوية التي نوليها للعقل والعالم الخارجي، قد وضع قاعدة السلوك الطبيعي وهي أن يراعي العادات والمواقف الأقرب إلى المعقول. ولذلك يصبح هذا الشك المبالغ فيه، أمراً جدياً عندما نريد أن نصل إلى الحقيقة. وفي محاورته: البحث عن الحقيقة بالنور الطبيعي أجاب Eudoxe وهو يمثل الفطرة السليمة، محدثه الذي يتخوف من خطر المذهب التشكيكي. إن هذا التخوف إنا هو دليل على أن علمك ليس موضع عصمة لأنك، تخاف وجود حجج قادرة على زعزعة أسسه وجعلك متشككاً من كل شيء. إذاً، أنت الآن متشكك، وقد تحقق غرضي، وهو أن أقلب مذهبك رأساً على عقب بأن أثبت لك أنه غير قائم عل أساس متين. فمن واجبك أن تتجاوز هذا الموقف بشجاعة أكبر، وأن تجابه ظلمة الشك وتخيلاته الباطلة فاذا هربت منها تبعك الخوف، لكن إذا اقتربت منها كأنك تريد أن تلمسها بيدك، تبين لك أنها ليست أكثر من هباء وظلال، وعند ذاك، تصبح أكثر ثقة بنفسك في ظروف كهذه.

2 – الكودجيتو (أنا أفكر)

لم يكتفِ ديكارت، بتعليق الحكم أمام الأمور الداعية إلى الشك. ولو أنه فعل، لبقي مستلقياً عل فراش الشك الوثير، يهرب من الأشباح في أحلامه ولكنه، إذ ينكر كل ما هو غير يقيني كوجود العالم الخارجي، ووجود الآخرين ووجود جسده بالذات، وحتى العمل الطبيعي للعقل، يكتشف فجأة أن هذا الإنكار يتضمن دائماً إثبات وجود الكائن الذي فكر. فإذا كنت أفكر فلأنني موجود. هذه الملاحظة الوجدانية تصمد أمام هجمات الشك المتكررة وتتحدى أي روح شرير لأنه إذا كان يخدعني فلا شك أنني موجود. وهكذا ينبغي أن أستنتج هذه القضية وأن أعتبرها ثابتة، وهي أنني موجود في كل مرة أتلفظ بها أو أتصورها في ذهني. هذه بعض الظلال التي اتخذها في كتاب التأملات ذلك التعبير الشهير الذي نجده في القسم الرابع من المقالة في المنهج. أنا أفكر، إذاً أنا موجود وحيث تشكل الحقيقة الأولى والمبدأ الفلسفي الأول وكذلك في كتاب المبادئ تشكل هذه القضية نهاية المطاف من البحث.

ليست هذه القضية، مجرد ملاحظة لأمر واقع، وإنما هي نوع خاص من الإدراك العقلي الذي يلحظ ترابطاً ضرورياً بين أمرين. ونجد كذلك في كتاب القواعد، أن ديكارت يضع إلى جانب الأمثلة الرياضية البسيطة قوله هذا: إن كل واحد من الناس يستطيع أن يعرف أنه موجود وأنه يفكر. وهذه المعرفة نموذج للمعرفة الحدسية. ولكن لا شيء في نصوص القواعد يوحي بأن ديكارت قد انتبه منذ ذلك الحين إلى سبب القوة الاستثنائية في قوله أنا أفكر، لأن هذه القوة، ليست فقط في وعي الفكر لذاته أو مجرد الشعور بالوجود وهو شعور لا يزيد وضوحه على تصور مثلث ما، وإنما هي قوة تكمن في اكتشاف الصلة الثابتة بين الفكر والوجود، فأنا موجود لأنني أفكر وبمقدار ما أفكر.

بكلام آخر، إن التعبير التالي: ينبغي أن أكون موجوداً حتى أفكر لا يصبح مقدمة كبرى في قياس محتمل: (ومعلوم أنني أفكر إذاً فأنا موجود) إلا لأن قضية واحدة أولى تثبت التفكير في الوجود. وقد عبّر عنها صاحب كتاب البحث عن الحقيقة باقتضاب يلفت النظر حيث قال: أنت تعلم أنك موجود لأنك تشكك. فالشك المطلق يحمل نقيضه في ذاته. ولذلك يذكرنا ديكارت في مستهل التأملات الثانية بكلمة أرخمدس: يكفي أن أجد نقطة ثابتة حتى أرفع الأرض.

إن قول ديكارت أنا أفكر يحمل الصفة الأولى للمبادئ العقلية وهي الوضوح التام الذي يجعل العقل عاجزاً عن التشكك فيها عندما ينصرف إلى تأملها. ولكن، هل يكون لهذا القول الصفة الثانية وهي أن معرفة الأمور الباقية متوقفة عليها، بحيث يمكن ان نعرفها بمعزل عن غيرها ولا يمكن ان نعرف غيرها بمعزل عنها؛ او تكون ميزة التفكير الذي لا مكن إنكاره أنه مقفل على ذاته ؟.

3 – ماهيتي

إن قولنا أنا أفكر هو في الواقع قول صحيح بالضرورة في كل مرة نتصوره. إلا أنه يبدو مقصوراً على حضورنا لذاتنا طالما نحن نركز تفكيرنا على هذا الأمر الذي لا يقبل الشك. ولذلك صرّح ديكارت في تأملاته قائلاً إنني موجود. هذا أمر يقيني، ولكن، كم يدوم هذا الوجود؟ إنه يستمر بمقدار ما يستمر التفكير، ومن الممكن إذا انقطع التفكير أن ينقطع الوجود أيضاً.

يستنتج من ذلك أن الفكر وحده لا يمكن أن ينفصل عن الأنيّة من غير أن تنقطع عن الوجود، ولذلك فالأنيّة شيء مفكر، (res cogitans). إلا أن Kant يعتبرهذا الاستنتاج زائفاً لأن الفيلسوف انتقل من الترابط بين المفاهيم الذهنية إلى إثبات وجود الجوهر، أي الشيء المفكر الذي لا يعرف فقط بتتابع الظاهرات الفكرية وإنما هو وراءها. وفي نظر ديكارت أن الأنا المفكر، يثبت نفسه بصيغة المتكلم ويضع وجود أنيّة واقعية: (Ego Existo) فهذه الأنيّة الموجودة، هي طبيعية خاصة وليست صورة مجردة كالفكرة الكلية. ولئن سلّم Kant بأن التفكير مرتبط بوحدة المعنى: أنا أفكر فإنه يتساءل بأي منطق يسمح الفيلسوف لنفسه بأن ينتقل من الصورة الفارغة إلى محتوى معيّن؟ ومعنى ذلك، أن النظرة النقدية ترفض القضية الاساسية في فلسفة ديكارت وهي أن الفكر يصل إلى الوجود الفعلي انطلاقاً من وجودنا الخاص. ونحن نجد ديكارت لا يتردد في استعمال المصطلحات الانثولوجية التقليدية: فالافعال تفترض فاعلاً اي جوهراً، هذا الجوهر ليس شيئاً لا يدرك بالعقل، بل نحن ندركه بالأفعال الصادرة عنه والتي تعبّر عن طبيعته. فالتفكير هو الإدراك والإرادة والتخيل والإحساس..وقاسمها المشترك، هو أنها لا يمكن أن تكون من غير فكر وشعور أي وجدان ومعرفة. إنها جملة الأفعال التي نسميها الأفعال العقلية. نلاحظ إن ديكارت يعترف بتنوع مضمون الشيء الذي يفكر. فهو يرتاب، ويتصور ويثبت وينكر ويريد ويرفض ويتخيل ويشعر، والشك الذي يمكن أن يتناول هذا المضمون يقف عند اليقين المباشر لإدراكنا ذاتنا لأنني سواء تخيّلت غنزة أو خرافة فهذا لا يغيّر شيئاً من حقيقة التخيل. وعندما يعترض بعض الخصوم بحجة أننا نقول أيضاً: أنا اتنفس إذاً أنا موجود، أو أنا اتنزه إذاً أنا موجود، فإن ديكارت يقبل بهذه التعابير لا بمعنى أن التنفس او التنزه دليل على وجود الجسم الذي يقوم بهذه الأعمال، ولكن بمعنى أن وعي هذه الأفعال هو تفكير. وهذا الوعي، لا يضاف إضافة إلى الأفعال وإنما هو وعي مباشر.

خلاصة القول، لا يمكن أن نعتبر الـ أنا أفكر صورة منفصلة عن محتواها الوجودي إلا على سبيل التجريد. وكل تمييز منطقي على طريقة المدرسة يدخل الغموض على ما هو واضح بذاته كالفكر واليقين والوجود. فكل فكرة، أياً كان نوعها الخاص، هي دليل وجود قاطع لأن الوجدان يثبت ذلك.

ولكن، إلى أي حد يمكن أن نعتبر وعينا لذاتنا إدراكاً لذاتنا؟ المقالة في المنهج، تستنتج مباشرة من أنا أفكر أن هذه الأنيّة، أعني النفس التي صرت ما أنا عليه بسببها، هي شيء متميز عن الجسد تمام التمييز. ويضيف ديكارت في التأملات الثالثة، أن ثمة أمراً واحداً ضرورياً هو أنني شيء مفكر أي روح خالص. وقد فضل ديكارت، لفظ الروح على لفظ النفس استبعاداً لكل فكرة إحيائية، فالشيء المفكر لا يقوم بأي وظيفة حياتية كما أن تعريف الفكر بالوجدان، والوعي الذاتي يقتصر فقط على ما نعنيه بالأفعال الخاصة بالإرادة والإدراك دون ما يترتب عليها. فالحركة الإرادية مثلاً، تنبع، من غير شك، من الإرادة نفسها، ولكنها ليست بذاتها تفكيراً.

إن هذا الطابع الفكري، بمعناه الواسع، الذي نجده في الأجوبة عن الاعتراضات الثالثة مما يؤكد لنا أولوية المدرك، من دون أن يستبعد بعض ما يترتب عليه كالإرادة التي تتعلق به بالضرورة. فالذات المفكرة ليست إدراكاً خالصاً والعقل يفترض نوعاً من القبول بالأحكام العقلية. ومع ذلك فإن الوجدان الذي نصادفه في كل أفق فكري هو أكثر قرباً من طبيعة الفكر الخالص أو العقل، وهو يدرك نفسه كوجود مستمر على الرغم من تباين الحالات النفسية التي يوحّدها في ذاته.

جملة القول: إنني أدرك ذاتي على أنني روح خالص، عندما ألاحظ هذا الرجوع الدائم إلى الأنيّة، أياً كان موضوع التفكير. هذه هي الخلاصة التي ينتهي اليها ديكارت من تحليل قطعة الشمع فى التأملات الثانية، حيث يميّز الأعراض المتغيرة من الجوهر الثابت الذي هو المقدار ويستنتج الفكرة الواضحة عن المادة. وهو يحرص على القول إن هذه الفكرة مدركة بالعقل وحده. فالتأمل العقلي يكتشف تحت تغير الألوان والطعم والصلابة والليونة ضرورة وجود شيء ثابت؛ ويتساءل فيلسوفنا، هل هو الشمع نفسه الذي يبقى غير هذا التغير؟ ثم يجيب قائلاً: يجب الاقرار بأنه هو وليس من أحد يقدر على إنكار ذلك. مثال ذلك: عندما ألاحظ من نافذتي أشكالاً متحركة كالقبعات والمعاطف.. فإني أحكم بأنها أناس بالحقيقة. فأنا أدرك حقيقة ما أراه بعيني، بقوة الإدراك القائمة في ذهني. حتى لو كانت هذه الأشكال مجرد آلات إذ من الممكن أن نصادف بعض الخطأ في أحكامنا، فإن هذا الخطأ، ينبئ بوجود ذهن بشري، هو وحده قادر على تجاوز الانطباعات الحسية المتعاقبة والتي يمكن أن تتعاقب بالشكل نفسه على حواس مطلق حيوان.

إذا حاولنا أن نجرك أمراً ما إدراكاً مباشراً، يبدو أن هذه المحاولة تصل إلى طريق مسدود: فأنا أدرك مثلاً أنني أدرك، وهذا لا يقودني إلى نتيجة مهمة طالما بقي مضمون الإدراك غامضاً. بكلام آخر، ما هي قيمة النتيجة التي ينتهي إليها ديكارت في التأملات الثانية عندما يقول: ألستُ مدركاً أن ذاتي، إدراكاً أكثر واقعية ويقيناً (من أي شيء آخر) بل إدراكاً أكثر وضوحاً وجلاء؟ إن مالبرانش سيضع هذا الكلام موضع الشك، لأنني إذا أدركت بوضوح فكرة المقدار مثلاً، فالفكرة نفسها واضحة جليّة، بينما ذاتي المدركة تبقى في الواقع أمراً غامضاً. فقولنا أنا أفكر يطلعنا على واقع الوجود لا على طبيعة الذهن المدرك. وأما ديكارت فقد أعطى إجابة غامضة عن اعتراض مشابه صاغه أحد معاصريه، فقال في الإجابة الخامسة حول التأملات الثانية: إننا ندرك من الشمع بياضه وصلابته وتحوّله إلى سائل، وندرك بالمقابل صفات ذهنيه بمعنى أن الذهن هو الذي يدرك هذه الصفات. أفلا يعني هذا الجواب أننا جعلنا الذهن عبارة عن تعاقب الانطباعات التي ندركها في وجداننا؟

وثمة صفة أشمل تؤخذ من التحليلات السابقة وهي أن طبيعة الذهن تثبت ذاتها لأن الذهن يرفض مجرد قبول الانطباعات الحسية المتعاقبة، كما هي الحال في الحيوان. فالوجدان المرتبط بالتغير، هو خاصية الذهن البشري لأنه يتمسك بالذات وراء المتحوّل وبالوحدة وراء الكثرة، ولذلك فأنا أدرك ذاتي على أنني عقل. ومع ذلك، فإن هذه الفكرة لا تبدو لنا فكرة عامة تسمح ببناء الحقائق الضرورية. فالأنا، في التعبير أنا أفكر هو واقع زمني ممكن الوجود، يدرك القليل ويجهل الكثير. ولكي نستطيع أن نفسر طموحه الى المطلق، يجب أن نتجاوز حدوده، حتى نصل، شيئاً فشيئاً إلى الطبيعة العقلية عامة أعني إلى الله.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00