8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

معاني معرض بيروت للكتاب

بالرغم من كل الأجواء والأزمات السياسية المتعلقة بتأليف الحكومة، وبرغم التشنجات والخروج على الأعراف والمواثيق، كان معرض الكتاب في بيروت هذا العام، وكأنه الرد المضيء على كل ذلك. بل يمكن القول إنه كان أكثر من معرض بل وأكثر من مهرجان، بل احتفال بالكتاب وبقرائه من شيب وشبان وأطفال وطلاب وكتّاب وبحاثة، حيث يتدفق إلى مساحاته الواسعة، المكتظة بعشرات ألوف الكتب، وبعشرات الدور المشاركة، عشرات الألوف من اللبنانيين وغير اللبنانيين، مصطحبين عائلاتهم، وأصدقائهم وأولادهم. إلى الكتاب، الذي، يبقى برغم كل الظواهر التي تتمثل في وسائل التواصل والإنترنت، وتزاحمه، وتحاول محاصرته، لانتزاع شرعية ثقافية لها. فالكتاب، منذ نشوئه، كان أداة الاتصال، والتواصل، والتفاعل بين الناس وبين الشعوب. نقل المعرفة من أمكنتها الخاصة، إلى العمومية من الورق والحبر والشكل الجميل: ولم يتمكن لا التلفزيون ولا الراديو من خلعه عن عرشه. فقد بقي الكتاب وحتى اليوم، المكان الأرفع. لنقل كل ما يصدر من عقل الإنسان، وقلبه، وأفكاره، ومواقفه، ولواعجه وآلامه من شعر، وعلوم، ورواية، وأبحاث، وسياسة، ونظريات وثورات....

اليوم، كأن بيروت بمعرضها السنوي، التعبير الأوفى والأسطع، عن أن الكتاب ما زال، له الموقع الأهم والراسخ، بين كل أدوات الاتصال الأخرى: الإنترنت، التلفزيون، الصحافة، الفيس بوك، الإنستغرام... وعندما قصدت المعرض في يوم من أيامه، كبُر قلبي بهذه الألوف المؤلّفة، التي تتردّد بين أرجائه، بازدحام شديد حتى ضاقت بهم محطات دور النشر والأروقة والمقهى: من تواقيع كتب، إلى ندوات سياسية ونقدية وفكرية وشعرية وروائية، بحيث تكاملت في حضورها المعرفي الذي ظهر على العيون المتفحّصة العناوين، وأغلفتها ومواضيعها، وألوانها وجمالياتها.

فالكتاب يختلف عن الوسائط الشفاهية وحتى المكتوبة والبصرية، في التلفزيون وسائر الوسائط الجديدة: فهو، بشكله، وغلافه، وورقه وحروفه قطعة فنية، لا تقل روعة عن اللوحة. تقلّب الكتاب، وكأنك تقلّب جماليات من طبيعة الورق، واختيار اللون، والحرف، والمساحات، والفقرات، والبياض.

فللمحتوى مكانه اللائق، يجذب الأنظار ويوحي بالمضامين... أما الوسائط الأخرى، فهي سيالة، بلا شكل، ولا لون، ولا نكهة، تجمع بين الاختلافات في صيغة بصرية واحدة، أو شفوية متعثرة، آنية، لحظوية، لا تستقر على حال من الأحوال. الكتاب هو الاستقرار، والانتظار، والثبات، والمرجعية الجاهزة...

الناس

إن ما أفرحنا في المعرض هذا العام (وقبله)، اكتشافنا بإعجاب، وفجاءة أحياناً، بأن الناس ما زالت متمسّكة به، كموقع ذي صدقية، وجدية، ومسؤولية، وجمالية، برغم المنافسات التي تتبدى بينه وبين الإنترنت: فمحاولات إخراج الكتاب من المكتبات، والمعارض، وحتى الأرصفة، والشوارع، والمنازل والمكاتب، إلى ما يسمى كتاب النت (الإنترنت) الذي تقرأه وحيداً على الشاشة الصغيرة، وكأنك تقرأ عناوين أفلام، ويقول القراء: مكان الكتاب بين أيدينا، نحمله، نرتبه في مكتباتنا، نسحبه، نعود إليه، نقرأه وقوفاً أو جلوساً، في مكتب أو في غرفة، أو في مقهى.. يمكننا جعله رفيقاً دائماً، يصاحبنا، بدفئه، نعود إلى صفحاته، إلى مقاطعه، نفزع إليه كلما احتجنا، أم شدنا الحنين، أو التساؤل، أو إعادة القراءة، ليلبينا، ويلبي الطالب، والعائلة، والكاتب، والصحافي: كلنا يذكر أن المنازل كانت تقاس بطبيعة المكتبات التي تتضمنها: فهي توحي بنزعات أهلها الأدبية والفنية والسياسية: بل كأن المكتبة البيتية أو المدرسية أو الجامعية، هي هوية مَن يقصدها. هويته المعرفية، وانتماءاته الاجتماعية، وحجم انفتاحه، وفضوله، وتوقه إلى اكتشاف ما يعرف وما لا يعرف. إنه ضمير المجتمع، وتاريخ الشعوب والحضارات، منذ قدمها. فهو الناقل، والمُراجع، والناقد، للحضارات البشرية. فحضارة بلا كتاب، ليست بحضارة. حضارة تُحرق الكتاب هي بربرية سافرة.. وكلنا يذكر أن البرابرة، والطغاة، والسياسيين الدكتاتوريين، كانوا يقومون أولاً بإحراق المكتبات (نتذكر مكتبة الإسكندرية) أم بمحاربة الكتاب، أم بمنعه، لأنه إما كان وسيلة المعرفة، أو سيفاً مصلتاً ضد الظلم والاستبداد والأمية. بل لأنه ذاكرتنا. فالكتاب ذاكرة الأفراد والمجموعات وهوياتها وتواريخها، وأرشيف مجتمعاتها، وملفات أحوالهم. وعندما يلغي البرابرة من الغزاة أو الأنظمة، مكتبة، أو يدمرونها، فلكي يمحوا ذاكرتها وما فيها، وأعمالها، ومستقبلها: فشعب بلا ذاكرة هو شعب بلا مستقبل: والكتاب هو العابر عبر فصول لحمايتها والحفاظ عليها.

الإستبداديون

وكلنا يعرف أنه حتى اليوم ما زال الإستبداديون يخافون الكتاب، (كأنه فضيحتهم)، يقمعونه بالرقابة، أو يزجون كتّابه في السجن، أو يمنعونه (كبضاعة مهربة)، أو يغتالون أصحابه: فكم من شاعر أو روائي أو باحث، قد صُفّي، خصوصاً أيام الأنظمة التوتاليتارية أو أيام الأمبراطوريات التعسفية. فالكتاب ليس مجرد سلطة، بل تعبير عن انتماء، وموقف، ودور وصرخة، ووجع، واحتجاج، ومقاومة. كتاب يهز أحياناً عرشاً، أو نظاماً أو حكومة أو دائرة سياسية أو اجتماعية.

التعدّد

بل هو في عمل طبيعته دليل على التنوع، والتعددية والتجريبية، والاختلاف، يوحي ما تنتج المجتمعات من نصوص وآراء ومواقف وأفكار تجافي الأحادية والقطيعية.. فكم من كتاب شكّل ثورة شعرية أو روائية، أو مسرحية، أو فلسفية.. ولهذا فإن فرض نمطية واحدة لكتاب واحد هو كتاب السلطة هو قتل لهذه التعددية بخصبها وقوتها.

ونظن أننا اليوم، أحوج ما نكون إلى الكتاب، في زمن الوسائط الاجتماعية، والإنترنت، والتلفزيون، والطواقم السياسية الأمية. فالوسائط الاجتماعية (الإنترنت) في غلوها، وضيقها، كأنها أصبحت دلالة عن عودة التوتاليتاريات المعممة، وترسيخ الأخبار الملفقة، والكذب، وتشويه الحقائق والوقائع، لأن العقل النقدي مستهدف منها، والمراجعة الموضوعية معدومة. أكثر: إن الفايسبوك وأدوات أخرى، أصبحت بحيرات نرجسية يغرق فيها معظم ممارسيها: ونجد أنها في خلوها من الموضوعية، وسياقها في أشكال التطرف الديني والسياسي والأيديولوجي يجعلها مفروزة قبائل، ومجموعات متجانسة، ومجتمعات افتراضية، تؤيد من يكون من آرائها، وتصد وتدين وتشتم وتقدح وتهزم من يعارضها. إنها لعبة التقسيمات لا التعدديات: ويكفي أن نعود إلى مرحلة الانتخابات الأميركية لنجد الأمثلة الدامغة للمستويات السفلى التي أدركتها اللغة السياسية، ومنها طلعت عبارة Fakeneus. بل ويمكن أن نتوقف عند قضية وهاب، واختلاقاته وتصاريحه المتناقضة، وأكاذيبه التي صدقها مَن يجاريه، لنعرف إلى أي مدى وصلت فيه هذه الوسائل من انحطاط. بل وإذا عدنا إلى قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وكثرة الإشاعات والروايات لتضليل التحقيق، لنقول أنها تجاوزت ما أفرزته الانتخابات الرئاسية، والترامبية من دون أن ننسى الدور الروسي في هذه العملية، وكذلك أساليب الكذب التي مارستها الأحزاب المؤيدة للبركست في بريطانيا. كأن العالم بات اليوم في معظمه، عالم ما بعد الحقيقة.

الكتاب

هنا بالذات يأتي دور الكتاب لنستعيره في وسائط الاتصال، وكذلك في الصحافة، كمكان ما زال (رغم كثير من الكتب البروباغندية)، ملاذاً لإعادة الإعتبار للإبداع، والنقد، والعقلانية والتأمل.. والحقيقة.

اللغة العربية

لكن هناك مسألة أخرى، لا تقل أهمية عن سابقاتها، تتجلى في الدور السلبي، والمخرب، والعبثي، الذي لعبته هذه الوسائط ومنها التلفزيونات: اللغة العربية المهددة بتاريخها وقواعدها، وصحة تشاكيلها، واستقامة كتاباتها. فبعض التلفزيونات (والاذاعات) تخلت مثلاً عن اللغة الفصحى في بث اخبارها، أو في نبرة ندواتها: العامية تطغى بطريقة أن الكثيرين ممن يتولون مهمة نشر الأخبار بالفصحى، يرتكبون الأخطاء الفاضحة، في تشكيل الحروف، وفي مخارجها، وكأن اللغة العربية، الثرية بالاحتمالات والاشتقاقات والإجازات، والإبداعات، باتت موضة قديمة لمن يحترفها ولمن يحترف العامية. بل كأن الفصحى باتت لغة بلدان وألسنة قد انقرضت، وانقرضت معها حضاراتها اللغوية أولاً. وقد تناسوا أن الحضارة تقاس بلغاتها وبلهجاتها واجتراحاتها اللغوية، التي تتطور مع تطور العلوم والتقنيات والتكنولوجيات. فمن الخطأ الفادح إحلال لغة عامية أو غير عامية، محل الفصحى: كأنما تُحِل حضارة محل حضارة، وتاريخاً محل تاريخ، وشعباً محل شعب. ويكفي أن نقرأ بعض نصوص الفايسبوك بالفصحى أحياناً، لنكتشف مدى الأدراك السفلية التي وصلت إليها اللغة: سهولة، ركاكة، ضعف متون، أخطاء لغة، بل كأن اللالغة وأهلها اليوم يحاولون ابتداع ثقافة اللاثقافة، وقول اللاقول، وكتابة اللاكتابة.. وتقاليد اللاتقاليد، باسم حرية التعبير.

هشاشة التعبير

فالمستويات العلمية والفكرية والسياسية والأدبية الهشة، السائدة تبرز ضعف هشاشات التعبير. ونظن أن العالم العربي لم يعرف مثل هذه الأزمة اللغوية - التعبيرية - الكتابية في كل عصوره (بما فيها عصر الانحطاط). والأخطر أن أهل السياسة بأمية كثيرهم، لا يجيدون فقط التعبير عن آرائهم، بل يتعثرون، ويرتكبون الأخطاء المميتة. ولهذا يلجأ بعضهم إلى العامية. النخبة السياسية جاهلة بقواعد الكتابة واللغة! أمية بتعبيرها التاريخي، أمية في قراءاتها، وثقافتها، تلعب دوراً رئيسياً في انهيار اللغة العربية.

من هنا أهمية الكتاب، من أنه المرجعية التي تحمي الآداب والفلسفة، والعلوم.. إنه المركز ووسائط الاتصال هي الأطراف، هنا انقلبت الأدوار. ونظن أن اللغة العربية التي تكاد تكون يتيمة عصرها، ضحية التربية والتعليم. منذ الطفولة وحتى الكهولة: فسوء أساليب تعليمها تجعل الطلاب يكرهونها، ويشعرون أنها لغة مستعصية عن التعلم وخارج العصر. إذن اللغة العربية محاصرة على امتداد مساراتها الاجتماعية والسياسية والتعليمية.

دور المعرض

لكن من هنا تأتي أهمية معارض الكتاب، صحيح أنها مناسبة احتفالية تجذب الناس، لكن الصحيح أيضاً أنها تجذبهم توقاً إلى الثقافة والمعرفة والتنوع والانفتاح والنقاء الآخر على مساحة ضيقة بجغرفياتها لكن لا محدودة بأثرها. ومعرض الكتاب العربي (مع معرض انطلياس الذي لعب دوراً توفيقياً أثناء حروب التقسيم والعنف والجنون)، الذي صمد رغم كل العواصف ها هو اليوم، يتجلى بأبهى صوره الثقافية والاجتماعية، كموئل أخير (مع المكتبات المتبقية في لبنان)، لإنقاذ الوعي والعلم والمعرفة، التي انحدرت في بعض المدارس والجامعات إلى مستويات غير مسبوقة.

فكل معرض كتاب كأنه دفاع عن القيم وجوهر الحضارة، وتاريخ الشعوب، وتطورها، وتناميها، وتنوعها.

لكن هل يكفي هذا المعرض السنوي، لإصلاح ما هدمته الحروب، ودعوات الجهل، وكراهية المعرفة، واللغة، والتراث العربي والعالمي؟

هل تكفي مناسبة لتعالج مشكلات أكثر من نصف قرن من التدهور المعرفي والاجتماعي والسياسي والتعليمي؟

لا نظن ذلك فهو تحفيز جماعي مستقل عن المؤسسات التربوية اليومية: فالمهم السعي الحثيث في تغيير البرامج وأساليب التعليم، ومواجهة مناحي وسائل الاتصال بأدوارها الخطيرة.. ليس على مصير الثقافة فقط بل على مصير الحضارة، وأكثر: على مصير البلد.

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00