8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لماذا نضيف إلى الحياة الواقعية كائنات خيالية؟

هل تستحق ياسيمنة ريزا (رضى) كل هذا التقدير لمسرحها أو حتى لرواياتها التي تحاول أن تكون فيها خليفة الكاتب المسرحي الروسي الكبير تشيكوف؟

من الصعب الحسم، لكن تحسّ أن هذه الضجة باتت مفتعلة، ومرتبطة بنجاحات ملتبسة بين النخبة وبين الناس. أنا قرأت كل مسرحياتها، ولم أجد غير هذا المنحى في تحديد أطر أعمالها والمركز على البورجوازية، بسهولة توحي ببساطة، أو ببساطة ذات سماكة رفيعة قد لا تصمد أمام قراءة ثانية، أو حتى تحليل لمدارات مقاصدها، وخلفياتها.

وقد تبنت ريزا مفاهيم باتت قديمة، أن المسرح والأدب والرواية لا تقول شيئاً، ولا تحمل أي رسالة أو هدف: إنه بيكيت، صاحب رائعة في انتظار غودو، ونهاية اللعبة.. ويونسكو صاحب المغنية الصلعاء والكراسي... إنها تستعيد لعبة تحرير المسرح في كل مضمون، أو قضية وهذا لا نجده تحديداً عند شيكوف صاحب بستان الكرز.

ونظن أن هذا النجاح الذي حققته في فرنسا وبعض المدن العالمية، قد يكون عائداً إلى أن كبار المسرحيين إما رحلوا أو أنتهوا، وما زال البعض الذين أتوا بعدهم وحدهم يحاولون فك ذلك الفراغ.

في مسرحيتها آرت Art تضع كل آرائها فيها، والتي أشرنا إلى معظمها.

وها هي اليوم تقرع زلاقة فيلسوف اليأس والتشاؤم شوبنهاور في مسرحية زلاقة، آرثر شوبنهاور، التي تعرض حالياً، والتي قد لا تكون مختلفة عن سابقاتها.

هنا ترجمة لحوار معه أجرته معه لوبوان الفرنسية.

ب.ش.

****************************************

* في زلاقة آرثر شوبنهاور تثيرين حروباً في أوروبا. ماذا تمثّل أوروبا لك؟

- ياسمينا ريزا (رضى): تمثل ماضياً، أرضاً صلبة. تاريخاً نمشي عليه بثقافات جدّ مختلفة، طبقات قديمة جداً، الشعوب المترحلة، اليهود، الغجر، شعوب الشمال... نحسّ ذلك بشكل ملتبس. أوروبا هي المنطقة من العالم التي ظهر فيها أسوأ الأسوأ، لكن أجمل الأجمل أيضاً. البندقية، موزارت، شكسبير، أو تشيكوف، لأنني أضع روسيا في أوروبا.

*هل تخافين عليها، وهي مهددة بالشعبويات؟

- أخاف على العالم عموماً. فالكوكب الأرضي يمضي إلى الكارثة على المستوى البيئي. والباقي سيتبع ذلك.

* بمسرحية فن Art هناك سوء فهم، لا سيما عن الفن المعاصر...؟

- لم يعد الفن المعاصر هو الموضوع، كانت فرنسا البلد الوحيد حيث فيها تلك القراءة لمسرحية رجعية. في فن، ليس هناك سوى شخصية واحدة على الثلاث تعارض اللوحة. وهذا يفاجئني دائماً، هذا الالتباس بين ما يقدمونه لك كشخصية وفكر.. بطريقة عامة ففكرتي موجودة في كل الشخصيات بطريقة موزعة، مقطّعة، متشابكة، أو أبداً. يقول كانديرا بشكل رائع الكتابة هي وضع انويين مجرّبين على الخشبة.. وعندما نكتب نجرب أنويات(ego) ليست موجودة في حياتنا. إنها أحد أسباب الفرح ومتعات الكتابة.. واختزال ما، يمكن أن يكون رأيك الشخصي تفاهة.

* لماذا تكتبين مسرحاً؟

- كنت قارئة كبيرة، لكن لم أكن أتجرأ الذهاب إلى الأدب.. اعتقدت أن الأدب أسهل: كنت أقول لنفسي، إذا لم يكن كاملاً في الكتابة فهو أقل خطورة، لأن العمل لا يتوقف عند صيغته المكتوبة. كان نوعاً من التواضع بالنسبة إلى الطموحات الأدبية، مع الوقت، إن كتابة المسرحية أصعب من كتابة الرواية. فليس هناك إرغامات وقواعد داخلية.

* مسرحية، روائية، ممثلة، كيف تحددين نفسك؟

- أحدد نفسي ككاتب بالمذكر العمومي. لأنني لا أحب تأنيث الكلمة، لأنها لا تعني أن أكون رجلاً. أستغرب أنه في الوقت الذي يقال فيه إن النوع لا يجب أن يكون محدداً كثيراً، فيجب تحديده في الوظائف.

* وماذا تمثل بالنسبة إليك أول جملة في كتاب؟

- إنها أساسية. نجد جملة التي، ولسبب غامض تقودك إلى مكان ما، تسحبك بشكل حميم. عندما أبدأ بالكتابة لا أعرف إلى أين تقودني. الكتابة هي ذهاب على طريق مجهولة، ما يخصني انطلاقة الرحيل لا تأتي من قصة - وأنا أصلاً لا أروي لكن من اسم الشخصيات، من وظائفهم الاجتماعية، ومن أعمارهم. الإسم والشهرة، إذا كانا موجودين، فهو الحجم الأول للأشياء. إنه مناخ. أحياناً أبحث عن صوت زمن ما.. وهذا يرتبط أيضاً باللون.. هذا يؤسس العمق. ثم... يأتي الباقي.

* قراءاتك المسرحية موقّعة جداً... موسيقية...؟

- أكتب المسرح كقطعة موسيقية. لكن هذا الحدس الإيقاعي للحوار يأتي، كما أظن، أقل أقل من الموسيقى، منه من طريقة الكلام عن عائلتي وأقربائي. أنا طالعة من بيئة غريبة (من أب روسي - إيراني ومن أم مجرية. سمعت كثيراً من النبرات واللهجة، وبطرق كلام مجازية، حيث نمضي مباشرة إلى الأساس، غالباً ما أخذت على بعض انتاجات مسرحياتي ثرثرتها الكبيرة. فأنا أتعذب من غياب الصمت، عندما يقتصر الأمر على الكلام فقط، يصبح ذلك غير قابل للسمع. نكتب لنترك فراغاً في كل جهة.

* إحدى شخصياتك تقول اعتبار المكان المركزي للكتابة في حياة المرء، هو اعتبار عدم كفاية الواقع؟. هل تؤيّدين هذه الفكرة؟

- عدم كفاية الواقع، نعم. هناك سرّ كبير في الخيال ألا يبدو أنه تدخّل. لماذا نضيف إلى الحياة الواقعية كائنات خيالية؟

*هل نمنح الكاتب أهمية كافية في مجتمعنا؟

- المسألة أنها بطلب من الكاتب، الذي ليس لا ناقداً ولا عالمياً اقتصادياً، أن بوسعه رؤياه عن العالم الملحق لإنتاجه. فيبدو عندها مثل كلير، أو مفكر.. أو خبير.. فالكتّاب هم على عكس كل ذلك. في الجوهر، نحن، نحرّك مفاهيم جد متناقضة. نحاور عوالم متعارضة، نحيي ناساً رهيبين، ضحايا أمزجتهم،.. كل ذلك من دون تراتبية. نحن لا نفعل سوى طرح أسئلة لا نجيب عنها.

الكاتب كل شيء ما عدا أن يكون حكيماً. فهو ليس مثقفاً محترفاً. فيجب إدراج الكاتب إلى جانب الفنان: ولهذا فأفكارنا عن المجتمع بلا أي أهمية. هناك نوع من اللادور للكاتب.. وكم أستغرب، هذه البرامج، حيث يحمل الكتاب بضاعتهم الفكرية مغهم. كأنما يجب أن يرافق العمل خطاب - بُعدي يعزز شرعيته: إنه انحراف حديث أشفق عليه.

* عام 2007، كنت تتّبعين نيكولا ساركوزي لكتابة لروايتك الفجر، مساءً أو ليلاً، عام 2007، ماذا كنت لتختارين؟

- لا أحد.. كل مرشحي 2017 بدوا لي معروفين سلفاً، مارين لوبان يمكن أن تكون شخصية مهمة على المستوى الروائي؛ لكن صعوبات أخرى تأتي، في حال قبول فكرة أنني لم أتبع ساركوزي عام 2007 وأن الفكرة آتتني بعد عشر سنوات فلنقل ماكرون. لكنه أقل من شخصية بالنسبة إليّ. لا أفهمه جيداً. شخصياتي عموماً هشّة. بُنيتهم الداخلية فوضوية: مع ماكرون، أشعر دائماً أن كل شيء عنده مضبوط وجزء من خطة. عام 2007، اخترت ساركوزي لأنه بدا لي من بعيد الأقل أهمية الأكثر كرهاً من الناس، الأكثر تناقضاً...

* في كتاباتك، هناك هذا الذوق من التفصيل وكذلك ماركات: بير فيكتور زارا، فينغرز...

- إنها مواد الحياة نفسها.. حياتنا اليومية مصنوعة من التفاعلات مع حل الأمور الصغيرة. نبدأ يومنا مع فرشاة الأسنان، القهوة... ويكمل اليوم بحقيبة، محفظة نقود... مثلما نستخدم المفاهيم، ولكنها تفاصيل بما عندنا شعرية التمتين..

* هل تعجبك الشهرة؟

- بعض جوانب الشهرة تمنحك الحرية.. خصوصاً المال. في الواقع أن يكون لدي جواب عن اقتراحاتي. إنه ترف.. لكن لا تهمّني الشهرة كدغدغة للأنا.

* غالباً ما تفكّرين في الموت؟

- طفلة، كان لدي دائم هذا الإحساس بهشاشة الحياة. الموت موضوع تماثل في كتاباتي. لأن الموت يقود حيواتنا.. فالكتابة لا تؤخر شيئاً. لكن زمن الكتابة هي لحظة خارج الزمن. الكتابة هي أن تعيش باسترفاع بالنسبة إلى الحياة الواقعية في اللحظة الابداعية، نحن، نوعاً ما، أسياد الحياة، والموت.

تقديم وترجمة: ب.ش

كلام الصور

ياسمينا ريزا تمثل في مسرحيتها الجديدة

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00