8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

النساء تعشق القتلة المتسلسلين!

يظهر المخرج لارس فون ترير كأنه متقاعد خجول، شعر طويل يرتدي البرمودا والصندل. بدا في هذه السنوات الأخيرة وكأن هناك تدهوراً في صحته، يده ترتجف، والصوت مبحوح. أجريت معه مقابلة عام 2011 عند بداية عرض ميلاكوليا. فيلمه الجديد، ليس فقط فيلم نوع بلا محاولة فلسفية، وعنوانه بيت جاك بولت. (أو قاتل بالتسلسل)، يدخل فيه بطريقة سيكولوجية إلى أعماق المجرم، وحالاته الاجتماعية والنفسية والعائلية.

هنا الحوار الذي أجرته معه المجلة السينمائية دفاتر سينمائية.

*********************************

* ما كان أصل المشروع؟

- بدأت أفكر بالقتلة المتسلسلين. كثير من النساء اللواتي عشت معهن كنّ مسحورات بهم.. وهذا غريب جداً، لأنهم كانوا شخصيات جيدة وذكية.. الجمهور الذي حضر محاكمة القتَلَة المتسلسلين في الولايات المتحدة كان يملأ القاعة بالفتيات الشابات. لطالما وجدت ذلك غريباً.. كانوا يثيرون السحر ذاته لنجوم البوب. حاولت إذاً الغوص في فكر القاتل المتسلسل، وعلى جاك تحديداً.. لم أكن مسحوراً كما كنّ النساء، لكنني بدأت بجمع الوثائق. كان ذلك مهماً بالنسبة إليّ أن أراه من خلال وجهة نظره. أكيد أن هذا الرجل مريض نفسياً.. لكن لكل القتلة المتسلسلين حياة ونفساً، مثلنا، حاولت معرفة كم يمكن أن يعاني إنسان، وما كان يدور في داخله. كان يجب أن أبين الجرائم والفظائع، وأتمكن من وضع صورة لكائن إنساني. وإنهم في النهاية كائنات إنسانية.

* أنت قمت بجمع الوثائق، حول القتلة المتسلسلين، مثل نيد باندي مثلاً؟

- نعم، قمت ببعض الأبحاث المشاركة بالسيناريو مثل هولاند عملت معها حول المفهوم. فهي التي قالت لي أن أفعل شيئاً عن الجحيم. فكرت إذن، أنه سيكون مهماً وضع صورة لذلك.. هن وجدن هذا التعبير وهذا الشكل النزول إلى الجحيم.

* سبق أن صنعت أفلاماً حول القاتل المتسلسل باعتباره فناناً مثل Seven، لكن هنا ليس بكل بساطة فيلماً من النوع، بل دراسة فلسفية.

- هذا صحيح.

* هل كنت تريد استغلال فكرة العلاقة بين الذكاء والشر؟

- من الصعب أن أجيبك. باختصار أقول إني أردت صنع فيلم لأني راغب في ذلك. الطريقة التي تنظر إليه وماذا تستنتج؛ فهذا حقاً من شأن الجمهور. ولطالما قلت إنه إذا أمكن شيء ما يمكن أن يفعل أو يفكر، فيمكن أن يظهر على الشاشة. لم يخيفني أبداً أن أوضح الجنس أو العنف. واللجوء إلى الترميز، يؤدي إلى إفراغ الموضوع. مثلاً ترى رجلاً يحمل سلاحاً ثم يسقط طفل، ومعه ضجة إطلاق النار.. عال، رأيت هذا المشهد 150 مرة.. تعبت من ذلك لكن في البداية، عليّ أن أقول إن الممثل مات ديمون أدى الدور بشكل ممتاز. وكان ذلك مفاجأة طيبة بالنسبة إليّ.

* لماذا أدخلت مقاطع من أفلامك السابقة؟ أكنت تفكر بالكلام عنك؟

- فكرتي التكلم عن الفن والمقارنة... لو كنت قاتلاً متسلسلاً.. لا أعرف إذا كان الإنسان يولد قاتلاً متسلسلاً. حتى ولو بدا ذلك انحرافاً. طبعاً ليس جاك مَن قاله للمرة الأولى، ولكنه يقول إن الجريمة يمكن أن تكون فنية.. تستطيع أن تفسر الفيلم باعتباره صورة فنان.

* تشتغل في الفيلم كثيراً على النقاط المشتركة بين حركة القاتل وحركة المخرج. خصوصاً عندما ينظر عبر منظار بندقيته، تماماً كما لو أنه يحمل كاميرا. عندما تضع عينيك في المنظار. هل تشعر كأنه سارق انفعالات، أو قاتل عواطف؟

- قاتل عواطف، لا آمل ذلك.

* ربما ليس قتلها، ولكن سرقتها لتقديمها إلى الجمهور.

- هناك بالتأكيد علاقة. وعليك أن تحددها، لكن أحس جيداً أن هناك علاقة. وهناك علاقة بالدكتاتوريين الذين يريدون أن يديروا كل شيء. حقاً إنه عمل صعب، أن تصوّر أفلاماً.

*من أين جاء العنوان؟

- إنها أغنية مدغدغة مشهورة. لم أعد أذكر ما دار في رأسي، عند وجدت هذه العناصر الثلاثة، القاتل المتسلسل، الجحيم وهذه الأغنية The Hous that jaque built كان يمكن اعتبارها بسرعة.

* إنها أغنية للأطفال. كيف أقمت العلاقة مع الجحيم، والقاتل المتسلسل، وكلها متضاربة؟

- ليست أغنية، ولكن تتابع قوافٍ. إذا ذهبت من القصيدة إلى القاتل المتسلسل، فيقودك ذلك إلى الجحيم، وبات ذلك منطقياً بالنسبة إليّ. انتبهت بأنني لم أهتم بإخراج فيلم أخلاقي من قبل.

فهذا الرجل هو الشر، في النهاية، وقد عوقب. هذا كلاسيكي جداً: الجانب الجيد من المجرم – المتسلسل، بأنه سهل للكتابة للسينما لأنه، ما أن تراه وتعرف مَن هو، تنتظر حدوث جريمة: إذن، في كل لحظة يتساءل الجمهور لكن ماذا سيفعل الآن؟ وهذه الآن ربما تسلية: ثم أضفت البعد الأخلاقي والفلسفي في الحوار off..

* هل فيلم نانفون نياك والبيت يشكلان تماهيان؟

- ربما!

* فالإنسان اعترافات، وكلاهما مؤسس على حوار مع المعترف.

- آمل ألا أزج في السجن في كل ما سأقول. هل تتذكر المؤتمر الصحافي في كان قبل سبع سنوات من وجهة نظري، كان تافهاً كله.. هذا انتهى معي إلى القول أوكي! أنا نازي. لكن ذلك قبل بابتسامة ساخرة. طبعاً أنا لست نازياً (صمت)، ولست غبياً. أعرف ما ارتكبه هتلر وهذا مخيف.. إنها نقطة مهمة جداً.. نميل إلى القول إنه الشر لنقول ليس نحن. ذلك لأننا جميعاً كائنات بشرية، بحسب الظروف، هناك شرارة صغيرة من الشر داخل كل واحد منا. قد يكون هتلر الإنسان الذي شاهدناه الأكثر في التلفزيونات. كل العالم متفق على فظائع المعسكرات والإبادة، وفي الوقت ذاته يصبح فرداً من العائلة: يصبح قريباً مثلاً لأنك تراه كل يوم، ويمكن أن تراه حالاً في صالونك، وتسأله كيف حدث كل ذلك. ويمكن أن يجيبك بطريقة تشبه طريقة جاك عندما يتكلم عن الأشياء وسواها. إنه سر، ويبقى كائناً بشرياً.. في كل عملي، عندما تشاهدون معاً، تحسّون أن لديكم شعوراً بتنوّع الكائن البشري.. لكن كنت حقاً غبياً لأنني نسيت أن الفرنسيين عرفوا حكومة فيشي.. وأنا متأكد إذا كنت قلت ذلك في ألمانيا، لما حدث ذلك.

وكأن ذلك بداية توتير لم أتوتر أبداً لكن المبدأ أن تكون مختصراً. لكن الجميع توتروا فون ترير: أنا نازي.. ستوب؟ ثم انتشر ذلك.عندما أقلع الإنترنت، فكرت أنه ليس من أجل أهداف اقتصادية، ثم تحوّل ذلك أمراً ديموقراطياً. كل العالم ظنوا أنه مدهش. لكننا نرى الآن أنه خطر.. صار ما نسميه في الدانمارك برلمان الشارع. أياً كان يمكن أن يقول أي شيء. قيل لي إنه يمكن أن أحكم بالسجن 5 سنوات في مارسيليا من أجل الآراء التي قلتها في كان، وأخاف أن أذهب إلى مارسيليا.. لا أستطيع العيش خمس دقائق في السجن: أصبت بالرعب عندما أظهرت أمة بكاملها عضلاتها.

* واختيار برونو غانز يأتي من هذه الفكرة؟

- نعم! تكوين الطاقم صعب جداً، خصوصاً دور جاك، لم أره في أحد. برونو غانز كان ايحاءً من عامل المونتاج. كانت فكرة جيدة، لأنه كان من أبطال شبابي، وسررت كثيراً بالعمل معه.

* كيف تآلف مات ديمون مع الدور؟ وكيف يتم الوصول إلى لعب شخصية بهذا الانحراف؟

- قلت له أن يؤدي النص: لا تخلق مسافة، كأنك تنتظر أنه يكذب، أن تأتيه فجأة رؤيا. أحبَّ النص! تقدم مع الكلمات! أحبب الفيلم! وهكذا فعل! كان ذلك صعباً، لكنه وثق بي.

* كنت مسحوراً بالحدود بين العبقرية والجنون أو عندما يصبح الذكاء انحرافاً؟

- نعم، فالماركيز دوساد هو أحد أبطالي. وهذا لا يعني أنني سادي.

* هل فؤجئت بردود الفعل؟ أن مشاهدين غادروا الصالة؟

- كلا! إذا لم يغادر أحد الصالة، يعني أن الفيلم فاشل. مع هذا أظن أن ليس هناك 300 شخص غادروا الصالة: لكنه يبقى فيلماً استفزازياً.

* جمالية الفيلم خاصة جداً. واقعية جداً في طريقة التصدي ولكنك أحياناً تقترب من السوريالية.

- مشهد الصيد والدمى، نعم، إنها سوريالية. أعشق هذه الحركة. قرأت بيان اندرة بروتون. الآن هي فصول، لكن عندما عرض فيلم بونويل، كان صعباً. آمل إلى أفلام مثل هذه تصنع من جديد، برغم الرقابة.

* غالباً ما أقمت مقارنة بين الموسيقى والرسم في أفلامك، لماذا أقمت هذه المرة مقارنة بالمعمارية؟

- كل شيء يأتي من والدتي. كانت تعشق المعمارية لأن حبيبها الأول كان مهندساً معمارياً. حكماً كنا نقوم بنزهة في الغابة عندما كنت طفلاً، نمر أمام "منزل المعماري" حيث كان يعيش معمارياً بناه. وكانت أمي تغتبط "هذا هو منزل المعماري".. أمي كانت شيوعية ومناضلة نسوية راديكالية..

* كتبت شخصيات نسائية كثيرة مع ممثلات. فهل مع هذا الفيلم، أردت اتخاذ موقع مضاد؟

- هذا على شيء من الصحة. أحببت حقاً أن أعمل مع الممثلات، لكن في "ميلانكوليا" أحببت الموضوع وبعض المشاهد. خصوصاً مشهد الزواج، هذا جميل جداً.

تقديم وترجمة: ب.ش

كلام الصور

1 - مات ديلون ولارس فون ترير أثناء التصوير

2 - برونو غانز ولارس فون ترير

3 - لقطة من الفيلم

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00