يُعرض حالياً فيلم المخرج الكوري الجنوبي لي شانغ - دونغ BURNING، وقد أثار بعمقه وجمالياته وتقنيته ضجة إعلامية كرّست حضوره، ليس في كوريا فقط بل في العالم السينمائي. أجرت معه مجلة دفاتر السينما الفرنسية حواراً، نترجم منه جزءاً.
****************************************
* فيلمك السابق يعود تاريخه إلى 2010. هل كانت عندك مشاريع أخرى قبل Burning؟
- عددتها ذات يوم مع كاتب السيناريو، كان هناك 18 مشروعاً، لكن السيناريوات الكاملة عددها ثلاثة.
* لماذا بقيت على حالة السيناريو؟
- لأنني لم أكن واثقاً من أنني أرغب في صنعها أفلاماً، ولا إذا كانت تستحق ذلك. مع هذا، هناك أناس محيطين أحبّوها وكانوا يحثّونني على تنفيذها، لكن لا أعرف، لم أكن فعلاً منجذباً.
* ما الذي جعلك ترغب في تصوير Burning؟
- ليس لأن السيناريو جيد، وأنه أفضل من سواه، لكن لأنني كنت أرغب فعلاً بتحقيقه. ولا أعرف لماذا..
* Burning مقتبس عن قصة، هل كانت السيناريوات الأخرى مقتبسة أيضاً؟
- كلا، كانت سيناريوات أصلية. لكن بالنسبة إلي ليس هناك فارق: سيناريو أصلي أو اقتباس. لأننا ننطلق دائماً من فكرة. عندما نقرأ رواية أو قصة تطلع فكرة، ثم تتوسع، وهذا يمكن أن يطلع منه سيناريو.
* ما كانت فكرة Burning؟
- هي قصة الإهراءات المحترقة لهاروكي موراكامي، وهي جد قصيرة، بالإنكليزية، وأظن أنها من ست صفحات، يتعلق الأمر بالعلاقات بين امرأة ورجلين. ذات يوم، وبينما كان الرجلان يدخنان قال أحدهما للآخر أنه يتسلى بإحراق الإهراءات. ولا نعرف إذا كان يمزح أو كان جدياً.. هذه هي القصة. لكن هناك سر سينمائي. على كل حال، فكرت بأن نوسعها بطريقة سينمائية.
* الفكرة، ربما هي فكرة الوهم، الاختفاء، التي هي فعلاً فكرة سينمائية. فالفيلم مليء بالموتيفات، نوعاً ما سرّية، تحيل على هذه الفكرة: ألن غير الموجود، الأسماء، الساعة...؟
- نعم، ما هو ظاهر وما هو غير ظاهر، فهذا طبيعي أنه سينما. ومعادلته: أيهما حقيقي، وأيهما مزيّف؟ كل هذا يُشكل محرك السينما، بالسر الذي يحمله. لأن السينما هي رؤيا معكوسة على الشاشة، والتي يمكن أن نفهمها كشيء حقيقي، وفي الوقت ذاته، لا شيء، لا شيء غير خيوط من الضوء على شاشة بيضاء. وفي النهاية، هذا يحيل إلى بناء زجاجي بلاستيكي: عندما نزرع شيئاً في الداخل، فهو مفيد، لكن عندما يهمل، يتولد لدينا شعور، أن له شأن، وأنه يحتوي على شيء ما، بينما، في الواقع هو شفاف، ولا يضم أي حقيقة.
* لماذا استعملت البناء الزجاجي بينما هو في القصة مستودع إهراء؟
- عندما أفكر في مستودع إهراءات، أفكر في فولكنر، إلى إهراءات واسعة. في اليابان، في بلاد موراكامي، إنها أصغر. في الريف الكوري، لا نرى إهراءات، لكن الكثير من الزجاج. وهذا يعني أنه أكثر واقعية.
* تستحضر فولكنر، ونرى في الفيلم شخصاً يقرأ أحد كتبه. أهو كاتب مهم بالنسبة إليك؟
- نعم. إنها روايات عالمية، تنطلق من العالم الذي نعيش فيه ونحاول إنقاذ نفوسنا. هذا ما يصنع قيمته الأدبية بالنسبة إليّ، هدفه.
لموراكامي طريقة أخرى في خوض الأدب، أكثر حرية، أقل انطلاقاً وأبّهة، أقل استبداداً، أكثر انشراحاً، أي ما بعد الحداثة في معنى ما. إنها أكثر تكيفاً مع عالمنا المعاصر، مع نمطه الحياتي الذي نراه في الفيلم، غير آبه، حيث نسوق سيارة البورش، نطبخ المعجنات ونحن نحمل كأساً في يدنا، ونحن نستمع إلى الموسيقى، فولكنر هو موكسو، وموراكامي هو بن..
* آه، لا، هذا ليس لطيفاً لموراكامي!
- أوه، كلا، إطلاقاً، أحب الاثنين.
* لكنك تنحاز إلى فولكنر، فالسينما بالنسبة إليك يجب أن تنقذ العالم؟
- أنا طبعاً من جيل فولكنر. لكن أرى حولي أن الناس يتطلعون الى العيش مثل بن.
* نهاية الفيلم هي ذاتها الموجودة في القصة؟
- كلا، في القصة يرى بن من جديد ويخبره أنه أحرق الإهراءات، ولم يلتقِ أبداً هايمي، وهكذا النهاية. أما في الفيلم، فقد أضفت كثيراً من العناصر، حول حياة الشخصيات، مثلاً السهر، البئر، الساعة... هناك أسرار تتشابك، دفعتني إلى إضافة نهاية ليست موجودة في القصة، أي ترك كل شيء معلقاً، كما عند موراكامي.
* ما هو لافت، هو الضوء، المتغير كثيراً والذي يلعب دوراً ايقاعياً.. أي كلمات كانت عندك لتخيّل إضاءة الفيلم؟
- الإضاءة مهمة جداً، لأن هناك الواقع واللاواقع، المجرد والتصويري، المنظور وغير المنظور. وما كان يهمني هو إظهار الحدود الدقيقة بينهما. عندما نكون في المغيب أو بين الكلب والذئب.. إذاً، لحظة النهار حيث يجري كل مشهد مهم جداً. وتكلمت عن ذلك كثيراً مع مدير التصوير، لأنه لم يكن فيلماً عادياً، حيث نخطط عدد المشاهد، حركات الكاميرا، إلخ. حاولنا الارتجال ما أمكن في التصوير، مفضلين الإضاءة الطبيعية.
* نرى Burning كفيلم أسرار، أو على الأسرار، أيعود إليك أن تقرر أن تكشف هذا السر؟ كيف تتخذ هذا القرار؟
- إنه قرار صعب. إذاً، أنا لست دائماً واثقاً. إذا كان عليّ إعطاء دليل، عليّ أن أعطي معلومة حقيقية؟ في السيناريو هناك إشارات على كل ذلك، لكن أثناء التصوير والمونتاج، أستمر في تغيير الأشياء، أعمد إلى التغييرات. وجدت مشقّة، أثناء التصوير، في تقرير أمور عن بن، الشخص الأكثر غموضاً، لأنه الشخص الذي لا يمكن التقاطه أبداً. إذاً، أقل ابتساماته، أقل تعابيره هي مهمة. وواجهت مشقة لإقرر مع الممثل...
* جيون يونغ سيو، الممثلة التي تلعب دور هايمي، رائعة، تحتفظ دائماً بسرّ، بينما شخصيتها تبدو ساذجة، وتتمتع في الوقت ذاته بمزاج فنانة؟
- إنها مبتدئة، لم يسبق أن مارست السينما. وهي لم تعرض أبداً كموديل، وهو دارج كثيراً في كوريا بالنسبة إلى الفتيات من عمرها اللواتي يتطلعن إلى أن يصبحن ممثلات. وككل ممثل مبتدئ، كانت في مواجهة جدار عندما يجري الحديث عن سيكولوجية شخصيتها. يعني، أني تكلمت معها كثيراً، بما في ذلك أمور ملموسة.
* كنت أريد انتهاز هذه المقابلة لأسألك عن قضية تهز السينما الكورية؛ حول لائحة سوداء، عند كونتيك بطلب من الحكومات السابقة، والتي أدت إلى تجريم عدد من السينمائيين؟
- أنا كنت ضمن هذه اللائحة السوداء، لكن ليس بسبب ذلك لم أصنع أفلامي في السنوات الأخيرة. لو أردت أن أصوّر، لكان في مقدوري ذلك.. في الوسط السينمائي، كنا على علم بوجود هذه اللائحة، وهذا ما كان يجهله الجمهور العريض، وهي قضية خطيرة لأن الحكومة تدخلت، ولأن كل ذلك غير قانوني، قبل كل شيء، فإن واقع بعض الأشخاص الذي نظموا حملات للضغط على بعض الأفلام... أما الآن، فصار كل ذلك من الماضي.
*شغلت مدة قصيرة وزيراً للثقافة عام 2003 و2004، هل ما زالت عندك مسؤوليات سياسية اليوم؟
- لا، فأنا رجل حر.
ترجمة: ب.ش
كلام الصور
1 - المخرج لي شانغ دونغ
2 - من الفيلم
3 - من الفيلم








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.