8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

كتاب مهم جديد لعبد الإله بلقزيز: من الإصلاحية إلى المشروع النهضوي

صدر للمفكر والكاتب المغربي عبدالإله بلقزيز من الإصلاحية إلى المشروع النهضوي (عن المركز الثقافي، في بيروت)، يتناول فيه أحد المواضيع الأساسية في تاريخ العرب الحديث: إشكالياته، علاقاته بالنهضة الأوروبية، الفوارق بينهما، والعوامل التي أثرت على النهضة، لتلد وتنمو مبتورة من خلال تغاضيها، عبر كبارها، الافغاني، محمد عبده، الطهطاوي. عن تقديم خطاب علماني (على غرار أوروبا). لكن عبدالإله بلقزيز، المتخصص والمهووس بهذه المرحلة، لم يغلق الأبواب، في احتمالات قيام حركة نهضوية تتصل بالظروف الراهنة، وإشكالياتها، ومستحيلاتها وعوائقها، وحال الأمة العربية اليوم الذي يعاني إشكال الارتداد عن قيم هذه النهضة.

بلقزيز المتعدد، المفكر، والكاتب والروائي، واللاعب باللغة، ومغترفها، جمع في أسلوبه النقدي التحليلي نضارة التعبير العلمي، ورحابة الفكر الحر.

هنا المقدمة

ب.ش.

في استخداماتنا التداولية، العربية، لبعض المفاهيم الحديثة مثل الإصلاح والنهضة ما تستقر به معانٍ آخرى لها غير تلك التي اكتسبتها في التجربة التاريخية الأوروبية، تلك المفاهيم. وليس في ذلك أي تصرف منّا في زحزحة المفاهيم تلك أو إكسابها مضامين مغايرة، وإنما فيه ما يعني أمرين مترابطين: أولهما أن حالتي الإصلاح والنهضة حالتان تاريخيتان نسبيتان، وأنهما لا تعبّران عن قانون في التطور قارّ؛ أي أن كلاً منهما متعلق بخبرة تاريخية واجتماعية محددة، وبإمكانات واقعية: موضوعية وذاتية، هي التي تقرر زمن كل منهما ومداه. وثانيهما أن الاختلاف في التجربة التاريخية وفي الشروط التي تحصل فيها حالة الإصلاح وحالة النهضة يرتّب، بالتبعة، اختلافاً وتفاوتاً في مساحات الدلالات التي ينطوي عليها معنى كل منهما. وعليه، لا مشروعية لأي اعتقاد بأن معاني الإصلاح والنهضة والحداثة في الفكر العربي لم تفِ بالمعاني الأصل - المرجعية في قول البعض - التي تقررت في التجربة الأوروبية، أو حادت عنها من باب سوء الفهم أو التقصير فيه أو ما شاكل؛ فليس في مثل هذا الاعتقاد من وجه حجية ووجاهة لأنه، ببساطة، يتجاهل أحكام التاريخ وما تقضي به من اختلاف في الخبرات والشروط، ولأنه يفكر من داخل معيارية مجرّدة فيفترض التاريخي كونياً، لا محلياً، أو، لا نسبية فيه، ويفترض المفاهيم كائنات معرفية مطلقة، ميتافيزقية، لا حياة تسري فيها فتغتني وتنمو، ولا صلة تشدها إلى الشرط التاريخي! ولذلك، لا غرابة إن كانت المسافة الزمنية بين لحظتي الإصلاح والنهضة في أوروبا غيرها بين اللحظتين في التاريخ العربي الحديث؛ ولا غرابة إن كان معنى الإصلاح ومعنى النهضة في أوروبا غيرهما في الفكر العربي..

من حيث ظروف الوجود والنشأة سبقت النهضة الإصلاح في أوروبا بما لا يقل عن مائة عام (كانت البدايات في القرن الخامس عشر)، وكان مهدها الجغرافي ونطاقها محدوداً (=ايطاليا) قبل أن تشمل اندفاعاتها المجال الأوروبي. ولعلها تكون مهّدت، من طريق غير مباشر، للإصلاح وإن كان الأخير مختلف القضية عنها ومستقل المجال. أما الإصلاح فبدأ في القرن السادس عشر في ألمانيا، لكنه ما لبث أن اتسع نطاقاً فشمل هولندا وانكلترا والنمسا ليمتد تأثيره، في ما بعد، إلى شمال أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. لم تكن تلك (هي عينها) حال النهضة والإصلاح في البلاد العربية الحديثة؛ فلقد تزامنا في النشأة (القرن التاسع عشر) فلم تكن بينهما فواصل في الزمان. لكنهما، كما في أوروبا، انطلقا من مهد جغرافي محدد (=مصر وبلاد الشام)، قبل أن تمتد مفاعيل حركتهما فتشمل قسماً كبيراً من البلاد العربية (تونس، المغرب، العراق، الجزائر...) وفيما تخطت أوروبا تراث النهضة والإصلاح، منذ القرن السابع عشر، مع انطلاق الموجبات العلمية الكبرى في الهندسة، والفلك، والفيزياء وخاصة الميكانيكا، والصعود الظافر للفلسفات العقلانية (في فرنسا وهولندا) والتجريبية (في انكلترا)، وبدايات انبجاس الثورة الصناعية وعصر الأنوار، لم يستطع الفكر العربي أن يخرج بعد، خروجاً كاملاً، من دائرة أسئلة الإصلاح والنهضة، ولا أمكن الواقع العربي (الاجتماعي والسياسي) أن يتجاوز الأفقين الإصلاحي والنهضوي من طريق إنجاز مشروعهما إنجازاً مادياً، وبالتالي، التحرر من إشكاليتهما وابتناء أخرى.

لكنّ الفروق بين أوروبا والعالم العربي، في سيرتهما مع النهضة والإصلاح، ليست فروقاً في أزمنة التكون والتطور والصيرورة فقط، وإنما هي - فوق ذلك - فروق في مضمون كل من الحركتين، أو اللحظتين، وإلى حد ما، فروق في مرجعية كل منهما هنا وهناك؛ انحصر نطاق عملية النهضة الأوروبية في التجديد الهائل الذي خضعت له الآداب والفنون: الشعر، الفن التشكيلي، الموسيقى، العمارة، الذوق الأدبي والفني، الحساسيات الجمالية.. إلخ. كانت النهضة، بهذا المعنى، ثورة ثقافية أو رمزية حررت التغيير الجمالي من التنميط والأقنومية والاجترار، وفتحته على آفاق جديدة احتلت فيها الأبعاد الدنيوية والطبيعية والرومانسية والتجريدية مكاناً مميزاً بدت تعبيراته في المعمار الكلاسيكي، والرسم والمنحوتات (النصب والتماثيل)، في الاوبرا وموسيقى عصر النهضة، في العلاقة الجديدة للأدب والفن بالطبيعة، والجسد واللغة.

لم يكن ما دُعي بالنهضة، في تاريخ الفكر العربي الحديث، يعني المعنى نفسه الذي كانه في أوروبا. نعم، بدأت هنا - كما في أوروبا - من اللغة والآداب، في القرن التاسع عشر، ثم امتدت موجتها إلى الفنون (المسرح، الموسيقى، النحت، السينما، ثم الفن التشيكلي) في القرن العشرين. ولكنها رمزت إلى حركة شفوف طاولت أهدافها ما يقع خارج اللعبة والآداب والفنون، فغدت تعني وجوهاً أخرى من النهضة مثل: النهضة الفكرية، والنهضة الاجتماعية، والنهضة السياسية ثم الاقتصادية، وأصبحت - بهذا الاتساع في استغراقها أبعاداً أخرى - اسماً حركياً للتقدم، هكذا انفصل معنى النهضة عندنا عن معنى النهضة في أوروبا، وخرج من الأقفاص الدلالية الضيقة له. ومن المفارقات في معنى النهضة الأوروبي - وقد يفسر ذلك اختلاف المعنى العربي عنه - أن النهضة الأوروبية Renaissance عنت قطيعة مع العصور الوسطى المسيحية وعودة إلى الميراث اليوناني - الروماني وهو ما تعنيه ترجمتها العربية الحرفية (إعادة الميلاد أو الميلاد من جديد). إن مستقبل النهضة وأوروبا، بهذا المعنى، في ماضيها؛ في ما قبل حقبتها المسيحية. أما في الاستخدام العربي، فالنهضة تعني، اصطلاحاً، الخروج من حال الجمود والانحطاط، والسعي في كسب أسباب التقدم. لذلك سميت، في كتابات عديدة، باليقظة، والخروج من الجمود والانحطاط. ولكن النهوض عند العرب، لم يقترن بالعودة إلى ماض مرجعي والبناء عليه، وإنما يؤتى إليه من اكتساب القيم الثقافية الجديدة. وهكذا ما كان مضمر معنى النهضة، عندنا، العودة إلى ماضٍ وإنما الانفتاح على حاضر المدنية والانتهال منها للعبور إلى مستقبل نهضوي. في هذا، إذن، ما يقوم به الدليل على أن مرجعية النهضة هنا ليست مرجعيتها هناك. وهذا، في ما نزعم، ما وفّر للنهضة العربية أسباب شمولها مجالات وأهداف أخرى أبعد من مجرد التجديد الأدبي والفني.

في معنى الإصلاح عندنا (=العرب) شيء مما في معنى النهضة؛ أعني من حيث ما يضمرانه من شمول. ربما كان اقتران مفهوم الإصلاح بالتيار الإسلامي الإصلاحي للقرن التاسع عشر هو ما أوحى - في قراءات كثيرة له - بأن مسألته التي شغل بها هي المسألة الدينية، أو، قل، الإصلاح الديني وأنه، بالمعنى هذا، نظير حركة الإصلاح الديني في أوروبا القرن السادس عشر. ولم يكن ذلك صحيحاً كله؛ نعم، اهتم مفكرون مسلمون بمسألة الإصلاح الديني منذ محمد عبده. في نهاية القرن التاسع عشر، إلى علال الفاسي في منتصف القرن العشرين، ولكن من قبل محمد عبده من الإصلاحيين: رفاعة رافع الطهطاوي، وخير الدين التونسي، بل وحتى جمال الدين الحسيني (الأفغاني): أستاذ محمد عبده، لم يحفلوا بالموضوع ولم يلامسوه إلا لماماً. وكذلك من أتوا بعده من تلامذته: محمد رشيد رضا، وعبدالرحمن الكواكبي، وقاسم أمين (...)

ويستفاد من هذا أن الإصلاح، في الاستخدام الفكري العربي، كان أوسع مداراً من الإصلاح الديني الأوروبي بحيث لم يكتسب معنى دينياً حصرياً، ومع ذلك فإن بين التجربتين الإصلاحيتين الفكريتين تشابهات: كلتاهما انكفأت إلى ماض مرجعي (سلف، نص مقدس) بنت عليه، وشنّعت على البدع والهرطقات، وعلى الرهبنة والكهنة بما هما مجافيتان لتعاليم الدين؛ وكلاهما دعت إلى الاجتهاد في فهم النص وقراءة مقاصده وتكييف أحكامه مع متغيرات الزمان.

إذا تركنا، جانباً، الفارق الحاسم بين تجربتي النهضة والإصلاح في أوروبا والوطن العربي، والمتمثل في صيرورتهما (=النهضة والإصلاح) واقعاً تاريخياً ومادياً متحققاً في أوروبا، وفي بقائهما مشروعاً فكرياً غير متحقق في الوطن العربي (وليس ذلك أمراً تفصيلياً بل هو أم المسائل في تاريخنا الحديث والمعاصر)، سنلحظ أن بين الفكرتين في التجربتين اختلاف على صعيد ما قام بينهما من صلات، ومآل كل منهما لاحقاً. في أوروبا لم يكن بين النهضة والإصلاح من صلة شبيهة بما كان بينهما في الفكر العربي؛ قد يكون الإصلاح الديني الأوروبي استفاد من النهضة - وهو قطعاً استفاد - ولكنه تجاوزها لأنه فتح افقاً جديداً لتطور أوروبا هو: الرأسمالية والثورة الصناعية ثم قيام الدولة الوطنية الحديثة. أما عربياً فبدا الإصلاح أدنى من النهضة وعوداً وأفقاً وإن لم يقع بينهما انفصال حاسم (..).

ما تجاوزنا الإصلاح بعد ولا تجاوزنا النهضة؛ معنا يعيشان ويفرضان نفسيهما كمشروعين مرغوب تحقيقهما. ولكنهما يبدوان منفصلين متباعدين، مع أن الوشيجة بينهما قوية، أي مع أنهما كانا - وما يزالان - فقرتين ضمن نص أشمل ومشروع أكبر هو مشروع التقدم. لا مهرب، إذن، من إعادة الجمع بينهما ضمن مشروع تركيبي جديد هو ما نسميه المشروع النهضوي الجديد؛ وهو المشروع الذي تتآلف داخله وتنصهر مشاريع جزئية عدة خاضت فيها نخب إصلاحية وليبرالية وقومية واشتراكية، وقدمت في شأنها رؤى وتصورات لم تجد بعد تحقيقاً مادياً لها ندخل به إلى التاريخ الكوني كشركاء في صنع الحضارة وفي بناء المصير الإنساني.

(الرباط: 23 غشت – آب 2017)

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00