كل موت هو مفاجأة، خصوصاً الأصدقاء والزملاء. كأنما فقدت جوهرة ثمينة، أو عمراً من أعماري. هذا ما شعرت به عندما علمت برحيله. المفاجأة لا تخفّفها المعرفة، أو يضعفها التوقع. فعندما التقيته في الكويت، هالَتْني عافيته الذابلة، بسحنته الهشّة، واستناده على عكازين: العصا وزوجته الفنانة الكبيرة سميرة عبدالعزيز، التي كانت تساعده على النهوض والمشي. لكن هذا الوَهَن لم يدرك وجهه الحي ولا نظرته المنقشعة، ولا روح السخرية التي كان يتمتع بها، ولا ضحكته المعهودة، وعندما سألت زوجته ورفيقته الوفية عن حاله، لم يجب سوى إن شاء الله. فهو قادر على تجاوز عقبات الحياة ووعورة الكتابة، وتراجع صحته، بإرادة قوية. ها هو محفوظ عبدالرحمن كما علمته وخبرته في صداقتي الطويلة معه التي تعود إلى نحو أربعين عاماً.
لكن عندما كان يستقر في كرسيّه، تحسّ أن الحيوية تنبض منه، والأفكار والمشاريع، تنهض، على أمل تحقيقها.
إنه ظاهرة مميّزة في العالم الإبداعي العربي، من صحافة، إلى مسرح، إلى رواية، إلى قصة، إلى سينما، إلى أعمال تلفزيونية. شاهدت مسرحيات عدّة له ومسلسلات تلفزيونية واسترجعت معه اهتماماته الأدبية، والكتابية والإدارية في دار الوثائق التاريخية وفي مشاركته بإصدار مجلات مهمّة مجلة السينما ومجلة المسرح والسينما، ومجلة الفنون. هذا التعدّد في الاهتمامات والكتابات غذّت بعضها، إذ نلمح آثارها بين نوع ونوع، بين فن وفن: استفاد من القصة والرؤية في وضع مسار المسلسلات التلفزيونية، واستفاد من المسرح خصوصاً في بناء الشخصيات والعقدة، والحوار. وهذا الشمول الثقافي قلّما توفر عند الكتّاب الآخرين. يعرف كيف يبلور الشخصيات في ظاهرهم وباطنهم، في نفسياتهم وسلوكهم، في تعابيرهم وحركاتهم. ويعرف كيف يصوغ حواراتهم في بنى مركّبة، ميسّرة من دون سهولة أو تنازل، لهذا المنتج وذاك، أو لهذا الجمهور العريض أو النخبوي.
من هنا، فهو نخبوي بأناقته ولغته ومعالجاته، وإقامته العلاقات العضوية بين تعددية الشخصيات والأدوار وتناقضها. نخبوي يطلّ على الجمهور بأناقة تضفي جديداً على ذائقته، ونغماً لا يعتمد التعقيد، حتى رموزه السياسية أو النفسية في مسرحياته ومسلسلاته، لا تقع في ما تقع فيه الشعارات من أحادية. تلمّس من كتاب القصة معنى الرمز الذي لا يُسقط إسقاطاً للتفسير المبسّط، بل ليوحي بالشخصية أو بالنص، بتعدّدية التأويل، وهذا قلّما نجده عند سواه. حتى اللحظات الشعرية والشعورية عنده، فإنها على توهّجها، لا تقع في المجانية البلاغية التي تعطب المنحى الدرامي. هذا ما لمسناه في مسلسل أم كلثوم الذي قدم فيه هذه القامة الصوتية الساطعة وحياتها بحساسية، وتؤدة، داخل فيها اختلاجاتها، وأزماتها، وعلاقاتها، ومسارها الفني، كإنسانة من لحم ودم، بعيداً عن جعلها تمثالاً جامداً، أو قالباً مغلقاً، أو علوياً، أو قدّيساً، فلا تمجيد ولا هالات، ولا إسقاطات لفظية: اخترق عمق الكائن لدى امرأة عانت ما عانت في دروبها الوعرة للوصول إلى القمّة. لكن القمّة هنا، مرتبطة بالقاعدة وبمساحة الاثنتين، وما بينهما، من علاقة بالجمهور، وما أحاط بها، وما عايشته، وما عانته، مسلسل الدرب الوعرة قدمها لحياة أم كلثوم. وهذا ما قرّبها من الناس العاديين، أي من المعجبين بها، وهم ملايين من الشعب العربي، بل وهذا ما وطّد العلاقة بينها وبينهم. ولهذا فقد نجح المسلسل نجاحاً كبيراً بين الناس، والنخب، والفنانين. ها هي أم كلثوم التي نعرفها ولا نعرفها، أليفتنا، بصوتها التي قال أوجاعنا، وأحلامنا، وهمومنا الإنسانية، والوطنية. فأم كلثوم ليست واحدة، بل متعدّدة، وهذا سرّ النجاح الكاسح لها. وهذا ما لمسناه في فيلم ناصر الذي لم يعرِّ الزعيم الكبير من اسطورته، بل داخلها، بخلفيّاتها ونوازعها وصراعاتها، ومداها في الأحداث الكبيرة التي واجهت ناصر. لكن قارب بوابة الحلواني من مواقع أخرى خارج البطل المطلق. فالبطل المطلق كان الناس، بنوازعهم، وحالاتهم، ومعاناتهم، وإذا كانت أعمال ناصر وأم كلثوم وسليمان الحلبي، تمحورت على شخصية واحدة تاريخية، فإن بوابة الحلواني من مكونات اجتماعية واقعية، عرف محفوظ عبدالرحمن، كيف يواجهها، وينتزعها من هامشيتها، وأحيائها، وزمنيّتها، ويجعل علائقها، وأسبابها، وبواطنها. وهو في هذا الشأن رديف الروائي الكبير نجيب محفوظ أو يحيى حقي، في تصويرهما المجتمعات المجهولة، أو الشخصيات المهمّشة، أو شرائح الواقع، بجوانبه، وأسراره، وحيثياته، فهو يعالج هذه الأدوار (الصغيرة والكبيرة)، باعتبارها حالات اجتماعية وتاريخية ونفسية كي لا أقول انتروبولوجية. وهو يذكّرنا بكبار الروائيين العالميين، كاميل زولا، وفلوبير، ودوستويفسكي، وغوغول. وهذا لا يعني تأثراً أو تماهياً. فالمجتمع مصري وأحوال الناس من جبلة واقعهم، ومجتمعهم، وبيئتهم، وأوضاعهم الثقافية، والاقتصادية. إنه الواقع القوي، الدافع، الظاهر، الملموس، لا الواقعية السحرية لماركيز، الذي تأثر فيه عدد من الروائيين العرب والعالميين. واقعية من واقع البيئة بعريها المكشوف، وبأحداثها الخاصة. ولهذا نجد أن مجمل أعمال محفوظ عبدالرحمن طالعة من خصوصية الزمان والمكان وما بينهما، والشروط المادية والروحية والاجتماعية. لكن اللافت، أن كاتبنا الكبير، يرفع هذه الخصوصية إلى ما يتجاوزها، إلى ما يجعلها عمومية، بمجموعها أو بشخصياتها، تماماً كما فعل نجيب محفوظ ببعض شخصياته كأحمد عبدالجواد في ثلاثيّته، أو يوسف ادريس في مسرحيته الطرطور..
وهذا الأمر من ظاهرة الأعمال الكبرى. أي رفع حالة الشخصيات إلى مستوى الرمز والتمثيل والمماهاة. ونتذكر هنا شخصية السيرك في رواية فرانز كانط التي تحوّلت إلى شخصية رمزية، أو هاملت. شكسبير الذي ارتفع عن مواصفاته الخصوصية إلى ما هو ترميز متعدد التأويل، أو الانتقال من الخاص إلى العام.
وهنا تأخذ الواقعية بُعداً أبعد منها، وأخصب، وأرحب من معطياتها الظاهرة أو اللازبة. ولا بدّ هنا أن نشير إلى أن الواقعية، مهما قويت، فعندما تتحوّل عملاً فنياً أو روائيّاً، أو مسرحيّاً، أو سينمائيّاً، أو تلفزيونيّاً، تلامس المتخيّل. فلا واقعية مطلقة، ولا مخيلة مطلقة. ونقصد هنا أن الكاتب عندما يتوغّل في زوايا النفوس العميقة، ويكشفها، ويمنحها مجازات أخرى، تنتقل من واقعية – الواقع – الفكرة إلى متخيّل لكن طالع من هذا الواقع، وليس من تهويمات أو مجرد تخيلات، وهذا ما فعله محفوظ عبدالرحمن: نقل واقع الشخصيات والمجتمع إلى أقصى ما تستبطنه ويتراكم في داخلها.
لكن كل هذا ما كان ليتم لولا تملّك الكاتب الكبير من أدواته التعبيرية، ومن ملكاته، وخبراته، وثقافته. لا يكتب مثل هذه المضامين والمعطيات ويرفعها إلى تلك المستويات، سوى كاتب أدبي وفني ومسرحي وسينمائي كبير، مسيطراً على لغات هذه الفنون المتنوّعة، وتعابيرها. فالكتابة للمسرح (وقد برع فيها) تختلف عن الكتابة للسينما (وقد أجادها)، وكتابة القصّة والرواية، لهما خصوصياتهما اللغوية، والمجازية، والتحليلية. ومحفوظ عبدالرحمن، ولأنه يتمتّع من جهة بثقافة غنية، متعدّدة، ولأنه أظهر إبداعاً في هذه الكتابات، فقد تمكّن من كتابة هذه الروائع المسرحية، والتلفزيونية. فهو كاتب أصلاً. لكنه لم يحصر نفسه في نوع كالرواية مثلاً، أو بالمسرح، بل تجاوز ذلك إلى الفنون الأخرى (نجيب محفوظ مارس كتابة سيناريوات وحوارات للسينما).
كل ما سقناه يبقى مقصّراً عن الإحاطة بشخصية هذا الرجل الكبير، وبأعماله؛ لكن ما يعوض أن أعماله ما زالت نضرة أمامنا وفي ضمائرنا. لم تعرف شحوباً ولا بهتاناً. ولهذا تبقى أعماله خير ناطق بإبداعاته.
وأخيراً، سلاماً يا صديقي الغالي، سنفتقدك كلّما شاهدنا أو قرأنا، عملاً عظيماً. ذلك أنك موجود فيها كصديق، وكإنسان نبيل وشهم وجريء، وكذلك في كل ما خطت أناملك من كتب ومسرحيات ومسلسلات وأفلام.
*ستنشر في كتاب تكريمي للمخرج الراحل فؤاد الشطي في الكويت








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.