8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

عشتُ ببساطة وسعادة مع زوجي الحبيب

قرأنا عن لسان بعض اليهود الذين كانوا يسكنون في الحي الذي يقطن فيه عبد الناصر، أن هذا الأخير كان يضطهد زوجته، ويهملها، ويعنّفها، ولم يكن يهتم بتربية أولاده... لتدمير صورة الزعيم المربي العائلية المشرقة، والمثالية، والقائمة على احترام متبادل بين الزوجين.

إزاء هذه الأقاويل لا يمكن الاعتماد إلاّ على ما تقوله زوجته تحية، عن علاقتها بزوجها.

وعلى هذا الأساس ننشر جزءاً من مذكرات أم مصرية عاشت مع أسرتها الصغيرة كما تعيش الأمهات من حولها، لم تتعالَ عليهم، وأكلت من طعامهم ومشت في حواريهم، وتبادلت زياراتهم، وعاشت حياة هنيئة مع زوجها، مغرمة به، وبكل التفاتة تصدر منه، وبكل ما يشغفه ويحبّه ويقوم به. دموع تجري على السطور بمشاعر قوية صادقة تفيض بالحنان لرجل وضعها بجانب مصر داخل قلبه.

ب. ش

******************************************

لم أكن رأيت المسكن من قبل ولا الفرش أو الجهاز كما يسمّونه، وكان في الدور الثالث. صعدنا السلالم حتى الدور الثاني ثم حملني حتى الدور الثالث.. مسكننا، وكان طابقاً بأكمله، وله ثلاثة أبواب.. باب على اليمين وباب على اليسار وباب على الصالة. الأول يوصل لحجرة السفرة، والثاني لحجرة الجلوس، والثالث.. وهو باب الصالة في الوسط. وجدنا البيت كله مضاء.. مكوّن من خمس غرف. أمسك جمال بيدي وأدخلني كل حجرات المنزل لأتفرج عليه، وقد أعجبني كل شيء وأنا في غاية السعادة. صرفت في تأثيث المنزل مما ورثته من أبي.. وكان لا يقارن بثراء أخي.

بدأت حياتي بسعادة مع زوجي الحبيب وكنا نعيش ببساطة بمرتّب جمال، وتركت أخي وثراءه ولم أفتقد أي شيء حتى التليفون.. لم أشعر أن هناك شيئاً ناقصاً ونسيته.

أول مرة خرجت كان بعد ثلاثة أيام من زواجنا.. ذهبنا للمصور أرمان لنرى بروفة الصور، وكانتا اثنتين قال لي جمال: اختاري التي تعجبك.. واخترت الصورة التي هي معلقة في صالون المنزل في منشية البكري مع صور أولادنا الآن.

كنا في إجازة طويلة إذ كان جمال يشغل منصب مدرّس في الكلية الحربية.. قال لي إنه سيبدأ المذاكرة في أول نوفمبر ليحضر لامتحان القبول في كلية أركان حرب. مكثنا أسبوعين في القاهرة.. كنا كأي زوجين نخرج ونستقبل الزوار.. أغلبهم من الأقارب يحضرون للتهنئة، ولاحظت أنه يفضّل السينما.. وأنا أيضاً أفضلها. بعد أسبوعين سافرنا إلى الإسكندرية ومكثنا هناك أسبوعين.

كانت الإسكندرية في ذلك الوقت مليئة بالإنجليز إذ لم تكن الحرب قد انتهت بعد.. فكانت الأماكن مزدحمة والشوارع تكاد تكون مظلمة بسبب الحرب والغارات، وأذكر مرة وكنا نمشي على الكورنيش وكان مظلماً وأنا خائفة وأنا أرى الإنجليز يمشون بكثرة.. فكان يضحك ويقول: كيف تخافين؟ رجعنا للقاهرة وكنا ما زلنا في الإجازة نخرج سوياً، وزرنا شقيقاتي، وكانت شقيقتي التي تزوجت قبلي في المستشفى، حيث وضعت طفلة (ليلى).. بعد عشرين عاماً حضر الرئيس والمشير حفلة زواجها، وكانا شاهدي عقد القران.

انتهت الإجازة وابتدأت زيارات الضباط.. وحضر عبد الحكيم عامر من المنيا وزار جمال في البيت. كان رأي جمال في الاختلاط أنه لا يحبه.. بمعنى أن الضباط والأصدقاء يحضرون ومعهم زوجاتهم وأجلس معهم، بل كان إذا حضر أحد ومعه زوجته يقابله بمفرده ويصافحه ثم يصطحب الزوجة إلى الصالة ويدخل لي في الحجرة ويقول: توجد سيدة في الصالة فلتسلمي عليها وتجلسي معها حتى تنتهي زيارة زوجها. وكنت غالباً لا أسلّم على الضيف إذ كان يخرج من باب الصالون وتخرج زوجته وينصرفان.. فإذا أراد جمال أن أزورها يقول لي أن أذهب لزيارتها بمفردي.. فطبعاً إذا زارتني السيدة مرة أخرى تزورني بمفردها، ولا يتكرر حضور الضيف مع زوجته.

اليوزباشي جمال عبدالناصر مدرّس في الكلية الحربية وله نوبتشية.. أي يبيت مرة في الأسبوع في الكلية، وأحياناً مرة في أكثر من أسبوع حسب نوبات المدرسين. عند ذهابه للكلية في الصباح أحياناً يخرج مبكراً جداً لدرجة أنه كان يستعمل بطارية صغيرة عند نزوله السلالم ويضعها في جيبه، ورغم أنه يوجد في السلالم إضاءة إلا أنه كان يستعمل البطارية، وكان يطلب مني ألا أقوم ولا أجهز شيئاً وبإلحاح لدرجة أني كنت أشعر أني إذا قمت سأضايقه.. ويقول: سوف أتناول إفطاري في الكلية، وأحياناً يخرج متأخراً يعني قبل الثامنة بقليل فالكلية قريبة من منزلنا.

كان منظّماً في كل شيء، ولا يحب أن يساعده أحد في لبسه، وكان عند رجوعه البيت يخلع البدلة ويعلقها بنفسه على الشماعة ويضعها في الدولاب، ودائماً في حجرة النوم الشماعة التي هي قطعة من موبيليا الحجرة وما زالت موجودة في حجرته، وهي مصممة بحيث يسهل وضع الملابس عليها، وكنت أبدي رغبتي في مساعدته لكنه كان لا يقبل.

في الفصل الأول من المذكرات تحكي السيدة تحية عن علاقتها بعبد الناصر والظروف التي جمعتها به في بيت واحد وهي لا تعلم بعد أنها ارتبطت برجل سيتغيّر على يديه التاريخ.

فلأتكلم الآن عن ذكريات من حياتي مع جمال عبد الناصر.. كيف عرفني وتزوجني؟

كانت عائلتي على صداقة قديمة مع عائلته، وكان يحضر مع عمه وزوجته التي كانت صديقة لوالدتي، ويقابل شقيقي الثاني، وأحياناً كان يراني ويسلّم عليّ. فعندما أراد أن يتزوج أرسل عمه وزوجته ليخطباني، وكان وقتها برتبة يوزباشي، فقال أخي ــ وكان بعد وفاة أبي يعد نفسه ولي أمري ــ إن شقيقتي التي تكبرني لم تتزوج بعد.

وكان هذا رأي جمال أيضاً، وقال: إنه لا يريد أن يتزوج إلا بعد زواج شقيقتي.. إن شاء الله يتم الزواج، وبعد نحو سنة تزوجت شقيقتي.

بعدها لم يوافق أخي على زواجي.. لقد كانت تقاليد العائلة في نظري أن لي الحق في رفض من لا أريده ولكن ليس لي الحق في أن أتزوج من أريده، وكنت في قرارة نفسي أريد أن أتزوج اليوزباشي جمال عبد الناصر.

بعد شهور قليلة توفيت والدتي فأصبحت أعيش مع أخي وحيدة إذ كان أخي الثاني في الخارج.

كان أخي يتولى إدارة ما تركه أبي الذي كان على جانب من الثراء، وكان أخي مثقفاً إذ كان من خرّيجي كلية التجارة أي يحمل بكالوريوس، ويشتغل في التجارة والأعمال المالية والصفقات في البورصة، وكان شديداً في البيت محافظاً لأقصى حد لكنه في الخارج كانت له حياته الخاصة.

مكثت مع أخي بضعة شهور وأنا وحيدة تزورني شقيقاتي من وقت لآخر، وفي يوم زارتنا شقيقتي وقالت: إن عمّ اليوزباشي جمال عبد الناصر وزوجته زاراها وسألا عنّي، وقالا لها: إن جمال يريد الزواج من تحية، وطلبا أن تبلّغ أخي.. فرحب أخي وقال: إننا أصدقاء قدماء وأكثر من أقارب، وحدد ميعاداً لمقابلتهم، وكان يوم 14 يناير سنة 1944.

قابلت جمال مع أخي، وتم تحديد الخطوبة ولبس الدبل والمهر وكل مقدمات الزواج بعد أسبوع، وطبعاً كان الحديث بعد أن جلست في الصالون فترة وخرجت.

وفي يوم 21 يناير سنة 1944 أقام أخي حفلة عشاء.. دعونا أقاربي، وحضر والده وطبعاً عمّه وزوجته، وألبسني الدبلة وقال لي إنه كتب التاريخ يوم 14 يناير.. وكان يقصد أول يوم أتى لزيارتي، ثم أضاف أنه عندما زارنا لم يحضر لرؤيتي هل أعجبه أم لا ــ كما كانت العادة في ذلك الوقت ـ هذا ما فهمته من كلامه معي.

قال له أخي: إن عقد القران يكون يوم الزفاف بعد إعداد المسكن، على أن يحضر مرة في الأسبوع بحضور شقيقتي أكبرنا أو بحضوره هو، وطبعاً كان وجود أخي في البيت قليلاً فكانت شقيقتي تحضر قبل وصوله. وقبل جمال كل ما أملاه عليه أخي، وقد أبدى رغبة في الخروج معي طبعاً بصحبة شقيقتي وزوجها فلم يمانع أخي.

لاحظت أنه لا يحب الخروج لنذهب لمكان مجرد قعدة أو نتمشى في مكان، بل كان يفضّل السينما وأحياناً المسرح.. وكان الريحاني، وكنت لم أرَ إلا القليل فكل شيء كان بالنسبة لي جديداً.. أي لا يضيع وقتاً هباء بدون عمل شيء، وكل الخروج كان بالتاكسي، والمكان الذي نذهب إليه السينما أو المسرح يكون بنوار أو لوج، وكنا نتناول العشاء في بيتنا بعد رجوعنا. بعد خمسة أشهر ونصف تم زفافي لليوزباشي جمال عبد الناصر.. يوم 29 يونيو سنة 1944. أقام لي أخي حفلة زفاف.. بعد عقد القران مباشرة خرجت مع جمال للذهاب للمصور أرمان، وكان قد حجز موعداً من قبل، كانت أول مرة أخرج معه بدون شقيقتي وزوجها. ملأنا عربة بأكاليل الورد لتظهر في الصورة، وقد نشرت بعد رحيله في السجل الخاص بصور جمال عبدالناصر الذي قدمه الأهرام.

رجعنا البيت لنقضى السهرة، وفي الساعة الواحدة صباحاً انصرف المدعوون وانتهى حفل الزفاف، وكنا جالسين في الصالون ــ هو وأنا ــ فدخل شقيقي ونظر في ساعته وقال: الساعة الآن الواحدة فلتبقوا ساعة أخرى أي حتى الساعة الثانية، ولم يكن هناك أحد حتى أقاربي راحوا، وكان بادياً عليه التأثر فقال له جمال: سنبقى معك حتى تقول لنا روحوا. وفي الساعة الثانية صباحاً قام أخي وبكى، وسلم على وقبلني وقال: فلتذهبا.. أما أنا فانحدرت من عينى دمعة صغيرة تأثر لها جمال.

وأذكر في مرة وكنا جالسين على السفرة وقت الغداء وكل أولادنا كانوا موجودين وجاءت ذكرى أخي فقال الرئيس لأولاده وهو يضحك: الوحيد في العالم الذي أملى علي شروطاً وقبلتها هو عبد الحميد كاظم.. وضحكنا كلنا.

كادر

من رسائل عبد الناصر لزوجته

1

عزيزتي تحية

قبلاتي وأشواقي التي لا يمكن التعبير عنها لك ولهدى ومنى. وصلني جوابك ولا داعي للانشغال. فكل شيء يدعو إلى الاطمئنان. وأي تأخير في الخطابات يكون بواسطة البريد. فالجوابات خاضعة للرقابة وربما تتعطل. وأكرر أنه لا داعي مطلقاً للانشغال. فأنا مبسوط جداً ولا ينقصني إلا أنت والأولاد. عبد الحكيم بخير وأرجو تبلغي ذلك لعائلته.

وأخيراً تحياتي

جمال عبد الناصر

2

عزيزتي تحية،

قبلاتي وأشواقي وحبي الذي لا يمكن أن أعبر عنه أرسلها لك راجياً من الله أن يحفظك مع الأنجال في أحسن حال. وأرجو أن تعتني جداً بحضرة الوالد من كل ناحية وأن تكرميه أزيد إكرام. ولكن أرسلت لك عن طريق حمدي أفندي خمس وعشرين جنيهاً. وإذا حضر شوقي أو ليثي، فأرجو أن تعطي كل واحد جنيهاً. وأنا لا أحتاج إلى الفلوس هنا، ولا أحتاج إلى شيء.

وأخيراً قبلاتي لك ولهدى ومنى وسلامي للجميع.

جمال

3

عزيزتي تحية،

أهديك سلامي وقبلاتي وأشواقي سأحضر إن شاء الله يوم 24 سبتمبر في إجازة (عام 1948). وأنا في أشد الشوق لك وللأنجال العزاز. وأعدّ هذه الأيام يوماً يوماً يوماً في انتظار اليوم الذي نلتقي فيه ولو لمدة قصيرة. فأنت أعز شيء عندي في الوجود.. وأي جمال لا أشعر به لأنه ناقص، ولا يكمل إلا بوجودك بجواري. وأنا لا يمر يوم إلا وأراك بجانبي أو أمامي مرات كثيرة.

أراك وأنت في الصالة مع هدى ومنى. وأراك وأنت تخرجين من حجرة الى أخرى. وأرجو الله أن نجتمع قريباً يا حبيبتي في أسعد حال. فأنا لا تكتمل سعادتي! إلا بوجودك أنت وهدى ومنى بجواري. فأرجوا أن يكونوا في أحسن حال. وأرجو أن يكون ليثي وشوقي مبسوطين وأنا لا أشك في ذلك. وأخيراً لك قبلاتي التي لا نهاية لها.

جمال

4

عزيزتي تحية،

قبلاتي التي لا حد لها ولهدى ولمنى.

لم أتمكن من الكتابة لك من مدة لظروف خارجة عن إرادتي، ولو أنك وهدى لم تغربوا عن بالي مطلقاً. كلفت كثيرين بالاتصال بالسيد بك يوسف حتى تطمئني وأرجو أن تكوني في غاية الاطمئنان. ربما لن أتمكن من إرسال جوابات في فرصة قريبة ولكن سأكلف من يتصل بالسيد بك تلفونياً باستمرار. لقد حوّلت على حسابك في البنك الأهلي الموسكي مبلغ خمسة وثلاثين جنيهاً شهرياً ابتداء من أول ديسمبر. وأرجو يا عزيزتي أن لا تقلقي مطلقاً وأن تعتني جداً بهدى ومنى ولك ولهدى ومنى قبلاتي وأشواقي.

جمال

5

وخطاب من زوجته في 1948

عزيز جمال،

قبلاتي لك وشوقي الزائد لرؤياك.

أرجو أن تكون في غاية الصحة. وصلني جوابك وأشكرك جداً لهذا الاهتمام الزائد بنا.. الأولاد وأنا في غاية الصحة والرفاهية ولا ينقصنا شيء غير وجودك معنا. وصلتني النقود... خمسة وعشرين جنيهاً، ولا داعي أبداً لإرسال أي مبلغ، فمعي ما يكفي ويزيد. اليوم الأحد ميعاد مكالمتك بالتلفون. هدى تستعد للخروج. من المرة دي سأعمل جهدي على أن لا تنام لتكلمك. شوقي وليثي يهدونك السلام. وليثي حضر اليوم فقط، كل الجوابات يقوم بإرسالها لحمدي أفندي وهو يقوم بإرسالها إليك حتى لا تتعطل وهو الذي طلب مني ذلك، ويرسل لنا العسكري كل يوم تقريباً ولما تأخرت جواباتك ذهبت وأخبرت الست وأظن ده السبب أنه أرسل الجواب مع عسكري. شكراً لك قبلاتي الزائدة وقبلات هدى ومنى.

تحية

كلام الصور

1 - الأسرة

2 - غلاف الكتاب

3 - الزفاف

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00