أصدر الروائي الأميركي الكبير بول أوستر رواية جديدة بعنوان 4321، وهي الثامنة عشرة، تضاف إليها خمس مجموعات من الذكريات، وخمسة أفلام سينمائية.
في روايته الجديدة، يخترع أربع حيوات لبطله، تتحرك حول طبيعة اختياراتنا في الحياة..
ولد أوستر في نيويورك عام 1947. وبعد دراسات في كولومبيا، يكتشف باريس، حيث عاد بعدها ليستقر فيها. بعد سنوات عدة من الفشل، يعرف النجاح عام 1982 بكتابه اختراع العُزلة. يعيش بين باريس وبروكلين منذ 36 عاماً في تلك المدينة القذرة الثمينة، المفترسة.. (كما جاء في روايته الجديدة، والتي هي ديكور كل أعماله).
أربعة مرجعيات لبوصلة أوستر إلى نيوجرسي ولدت في نيوارك، مثل والد، وكل سكان نيوجرسي (مثل الصيغ الأربع لشخصية بطله ارشي فيرغسون). إنه مكان السنوات الأهم في حياتي. انتقل أهلي الى نيويورك عام 1962. عشنا في نيوارك، ثم في المدينة الصغيرة شرق أورانخ، ثم في الانيون في شقة صغيرة قبل أن يشتري والدي بيتاً: لحسن حظي نيويورك لم تكن بعيدة، وكنت أزورها بقدر ما أستطيع.
2 - نيويورك: أهل أمي انتقلوا إلى مانهاتن بعد يروكلين، عندما كانت مراهقة.. وأخذوني بشكل منتظم لزيارتها.. لطالما كانت مانهاتن النقطة المركزية لطفولتي، التي ارتبطت بها ارتباطاً عاطفياً قوياً.
3 - بروكلين - كنت في مرحلة ما مفلساً تماماً (أروي ذلك في روايتي اختراع العزلة (1982)، بحيث كنت أعيش في جحر للفئران بلا مطابخ ولا أدوات صحية في مانهاتن. وفي 1979، عندما فقدت تلك الغرفة، كان من المستحيل ايجاد أي غرفة بهذا الأجر (100 دولار شهرياً) في مانهاتن. وكان عليّ عندها أن أعبر النهر الى بروكلين وما أزال هناك، وتحديداً في حي البارك سلوب منذ 31 عاماً.
4 - باريس (شارع ديكارت): صاحب الرقم 4 (في الرواية) يصل الى شارع ديكارت، حيث كتب ألبير دوفرين الكتاب هو الأربع فرغيسون. إنه الشارع الذي عشت فيه طيلة عام.
أجرت معه مجلة لوبوان حواراً هذه ترجمته.
ب.ش.
**********************************
*من أين تأتي هذه الرواية؟
- إنها غاية في اللاوعي، الزمن والمكان من حيث تأتي رواية ما. وفكرة تصل ببطء. ببطء شديد، نبدأ بالتفكير فيها، ثم، شيئاً فشيئاً، تجسّد، عشوائياً، في اقتباس ما.
لم يكن عندي إطلاقاً مخطط جاهز، حتى ولا لائحة تفاصيل. الأساسي في هذا الكتاب أنه ارتجال نُصّ، على امتداد السنوات الثلاث، التي استغرقت في كتابته، كنت أقصد صباحاً مكتبي، وبفكرة غير واضحة عما سأفعل، ثم ألتقط على الطائر الأفكار، وأدوّنها على الصفحة.
* لِمَ هذا الطراز السردي البالغ التجديد؟
- كنا نحب أن تكون حيواتنا مستمرة، منطقية؛ لم نكن نريد سوى رؤية المصادفات، والتناقضات التي تحرمها من معنى أحادي ومقروء. إن هذا، كامن في صميم الكتابة الروائية. وهذا أيضاً بالنسبة إليّ طريقة، للتعبير عن تناقضاتي.
*هل تفكر غالباً بموتك، أتكون هذه الرواية نوعاً من الدرع بينها وبينك؟
1234 أتمثّل ذلك؟
- أحس وأعرف أنني أدخل في الشيخوخة، وبدأت الكتاب 1234 عندما وعيت أنني تجاوزت السن التي مات والدي فيها، 66 عاماً، إثر نوبة قلبية: لكنني لا أكتب نوعاً من الإيمان بالخلود بالكتب. هناك، بلا شك، هذه الرواية كجواب عن قلق الموت، الذي لا يغادرني منذ، ذلك المشهد، ميت، وفي الرابعة عشرة من عمري كنت شاهداً على موت رفيق ضربته صاعقة في معسكر العطلة. أنا مقتنع بأن ذلك غيّر كل حياتي، هذه الفكرة التي بلا معنى، بأن أي شيء، وبأي لحظة يمكن أن يحدث ذلك.
*ولا أحد من الأربعة. فرغيسون لم ينجح في حياته. مات عدة منهم، ثم موضوع الكارثة هذا، أو بشكل تبسيطي الفشل؟
- ما هي الحياة الناجحة؟ العيش، هو أن تفشل. وأن تكتب أيضاً أفشل أكثر فأكثر أفضل (كما يقول بيكيت). ربما سلسلة من الفشل المتجاوزة، من تكرار الأحادية أهي شرط إعادة البدء من جديد.
* أهي سلسلة من المصادفات؟ ولدت في نيويورك، مثل شخصيتك، عمرك نفسه، بالناقص شهر فقط، وإحدى شخصياتك تجري بحثاً عن الانتفاضات في جامعة كولومبيا في الوقت الذي كنت فيه طالباً. أيكون فرغيسون ثنائي أوستر؟
- إنها ليست رواية أوتوبيوغرافية، حتى ولو كانت هناك عناصر من حياتي في الرواية، عندما كنت في كولومبيا، كنت منقسماً الى مصيرين: أن أكون شاعراً أو مناضلاً سياسياً.. كالكثيرين غيري. إنها بورتريه جيل.
* أياً من الحيوات الأربع تفضّل أن تعيش؟
- ولا واحدة، أو عندها، حياة فرغيسون الأخير، أي الكاتب. إنها الأطول، وأنا تجاوزت السبعين؟
* لمَ أربع شخصيات؟ كالفرسان الأربعة، أو البيتلز؟
- مثل الفصول، الرياح، مخيّلتي تنفتح على الأمكنة، لا يمكن فصل الزمان عن لمكان.
* هل تتساءل أحياناً، كيف كان يمكن لحياة بول أوستر أن تدور؟
- طيلة الوقت، كالجميع، كلنا نفكر خصوصاً عندما ندرك سناً معينة، في ما كان يمكن أن تكون غير ذلك. وعما إذا كنت درت يساراً أو يميناً؟ وعما إذا كنت قلت نعم بدلاً من لا؟ التقيت زوجتي، سيري هيدستفيوت، في المناسبات الأقل احتمالاً، أثناء قراءة شعرية لم أكن أريد أصلاً حضورها، تزوجنا بسرعة، عام 1981، وأنجبنا ابنة. غالباً ما أحاول تخيّل، ما كان يمكن أن تكون حياتي، لولا هذا اللقاء في ذلك اليوم.
هذا، بلا شك رهيب. لهذا نصنع روايات وقصصاً. لاختراع حيوات، وخلق حقائق.
*أي ما تسميها موسيقى الصدفة؟
- أبحث عن صوتي بين تلك التي وفّرتها في الصدفة.
* لمَ الرواية، عندما تكون أثرت سنوات السبعينات في قصص ذكرياتك؟
- فصول حياتي لا تستمد معناها إلا عندما أعاملها كخيال. فهي أكثر واقعية. خذ هذا الحدث الذي كان الأرهب الذي عرفته، رفيقي مات، واحتفظت به بين ذراعي ليلة كاملة، رافضاً أن أرى أنه توفي. هذا يعود باستمرار: في حياتي، متخيلاتي، ذكرياتي. في نهاية 1234 يتكلم فرغيسون عن نفسه، بطريقة ملتبسة، بصيغة الغائب، يفهم أن كتابه، ولد من ميتة قديمة، لم ينسها أبداً المراهق. الكتابة نوع من العمل في الجنازة. واستثمار الألم، وهذا ما بيّنه فرويد.
* ما كانت ردود فعلك على قضية وينشتاين؟
- عملت فيلمين معه.. قذر مع كل الناس، ومع النساء، طبعاً، أكثر.
* في فيلمك Smoke، تصرح أوجي، مازحة من الآن وحتى ثلاث سنوات، سيصبح الابتسام للناس في الشارع، غير شرعي، وفي فرنسا، مخاطبة شخصاً مجهولاً. ستكون قريباً اعتداء. ألا تظن أن بعض ردود الفعل العنيفة على مسألة التحرش الجنسي تدل على رفض غير داعم، لا للتحرش، بل لما هو الجنس نفسه؟
- لا! أنا مؤيد لقضايا النساء.. فالجنس يمكن أن يوجد من دون هيمنة أو عنف. المسألة لا تتعلق بقمع الرغبات الجنسية، بل بتثقيفها.
*هل يجعلك ترامب كرئيس أميركا، تتأسف على سنوات كينيدي - جونسون - نيكسون؟
- لم أكن جد يائساً من رؤية ما نحن عليه، وإلى أين نتجه.. إن قرصنة الحزب الديموقراطي التي قام بها الروس هي نوع من إعلان الحرب من دون مدافع. أن تكون محكوماً بشخص مخبول، هو مزيد من برلوسكوني وموسوليني، يسبب كوابيسي وقلقي من المستقبل، ومن عودتي إلى أميركا الستينات.. والسبعينات.
* أنت، كاتب الأعماق الداخلية، والمرايا التي تؤدي الى المرايا، هل تصبح كاتباً ملتزماً؟
- عندما عرفت بانتخاب ترامب، كان ذلك كأنما شخص عزيز جداً قد مات: الديموقراطية، أميركا، الحقيقية، ربما، اليوم، أعتقد أن لا شيء مات، ولا شيء قد فُقد، ويجب العمل لمرحلة ما بعد ترامب. أميركا تختلف عن مفهومه لأميركا.. ما زلنا قادرين على النضال. احتلال وول ستريت جعلني آمل في تغيير راديكالي، لكنه فشل. سيولد في عهد ترامب ربما، جيل جديد من الشباب المناضلين، أنا وفي السنوات التي تبقت لي والوسائل التي بقيت لي، أي الكلمات، سأناضل.
* سنموت وحيدين، كتب باسكال.. أتراك تقول: نحن لا نكتب إلا في العزلة؟
- بشكل جذري. لا أستطيع أن أكتب - بين عموم الناس، في مقهى أو أي مكان آخر. حتى في بيتي، في بروكلين، أعيش مع زوجتي في بيت كبير، وأغلق على نفسي في طابقي كي أكتب. لا نتكلم معاً عما نكتب.. نتبادل القراءة، بعدها.
*ليس عندك تلفون محمول، ولا إنترنت؟
- أكتب على دفاتر، من الورق المربع، أشتريها من فرنسا كلما كنت هناك. كل شيء باليد. وغالباً بستيلو ذي ريشة، وأخرى بقلم. ثم أنتقل الى الآلة الكاتبة وأطبعها كلها.. الإنترنت؟ لا، شكراً، فأنا أحتاج الى الصمت، وحتى السر.. ليس فقط لأكتب بل لأعيش.
- وأمازون؟
* العدد.. ابولينير كم فرقعة؟ أي كان في الأكثر مبيعاً؟ إذا كان العالم مشتعلاً، فما نفع كتابة المتخيل؟
- قد يبدو لك ذلك غريباً، لكنني أعتقد حقاً أن الكتابة، هي لقاء الديموقراطية لأن رواية القصص، وإعطاء أهمية للفرد يسمح للقارئ الدخول في نوع من التواصل مع الآخرين. غالباً ما أكرر أن الرواية هي المكان الوحيد، حيث يمكن أن يلتقي غريبان في حميمية مطلقة.
* يبدو أنك تشارك المفهوم السارتري للحرية - يمكن دائماً أن نفعل شيئاً بما صنعنا به.. - اللغة واللاوعي يتركان لنا مساحة ضيقة من الحرية: روايتك 1234 أهي متفائلة أو متشائمة؟
- أحب هذه الجملة من سارتر. خذ الشخصيات الأربع فرغيسون - الأصل ذاته، الأهل ذاتهم، البرمجات الجينية ذاتها، ومع هذا فحياتهم مختلفة. يمكن أن نفعل دائماً بما فعلت البيولوجيا والسيوسيولوجيا بنا.. متفائل؟ لا أعرف.. متفائل يستعد للأسوأ، ربما. لا أريد أن أغيّر العالم بكتابتي، لكن مجرد ذلك يمنح حياتي معنى. الوسيلة الوحيدة لإعادة صنع حياتي التي تقترب نهايتها، هي كتابة متنوعات.
ترجمة 1385








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.