إلتزم المخرج السينمائي الكبير الصمت (أو أكثره) في السنوات الأخيرة: فلا مقابلات، وإذا قبل، فيقتصر كلامه على قليل من الكلام.
لكن مجلة "دفاتر السينما" العريقة اخترقت صمته بحوار طويل حول الموسم الثالث من "توين بيكس"، كأنه نقيض صمته، عندما يرتاح الى الأسئلة فيسهب في إجاباته، أو يختار عبارة ترددت كثيراً في المواز.
"لا أعرف"، واللقاء الذي كان متوقعاً أن يتم في 40 دقيقة أو أقل، استمر ساعة ونصف ساعة بحسب طلب لينش. ومن حسنات هذا اللقاء أنه يحدد "أين صار لينش اليوم. فعلى امتداد عشرات السنين، وأياً كان السؤال، يأخذ جوابه شكل طريقة مطهرة وحالمة: فكرة تراودك، فتقع في غرامها وتتبعها". لكن مع هذا، تحس في أعماله أو في حديثه وكأنه ليس مغرماً "بفكرة" تراوده، بل بأسراره. رجل سرّي، جعله ذلك يتمتع، يمتنع الى حد عن التفسير، والتوضيح.
هنا كل الحوار.
***********************************
*غالباً ما فكرت في العودة الى "Twin Peaks"، لكن ما هي الفكرة التي أعطتك الضوء الأخضر؟
- جاء ماكس فروست ليقابلني ليسألني "ما رأيك أن تعود في عالم ("عودة داخل العالم")؟ قامت أيضاً نقاشات على الإنترنت حول الـ25 سنة. إذاً، هكذا بدأت الأمور، بغداء مع مارك.
*قبل اتصال مارك فروست، أكنت في الجو أيضاً؟
- نعم، أعتقد ذلك. كان لا بد أن يحصل ذلك، فـ25 سنة، مدة طويلة.
*هل هناك أفكار عندك على امتداده 25 سنة، وجدت مكانها في الموسم الثالث؟
- نعم، بعضها جاء من الحلقة الأخيرة من الموسم الثاني، وبعضها الآخر من "حريق، امشِ معي".
* شخصية "دوجي" مثلاً، من أين فكرتها؟
- تأتي الأفكار من الأثير. إنها تأتي، وهذا يكفي، ولا أعرف كيف تولد الأفكار، ببساطة، وكما قلت دائماً، ليست مسألة مخيّلة، بل تأتي من الخارج.
*لكنك فبركت"دوجي" مع كايل ماكشلان؟
- كلا، كلا، جاءت مع الفكرة. بدأنا نكتب، وكل شيء يقود الى آخر. وخرج. بعض الأمور تظهر أثناء التصوير.
*مثلاً؟
- كثير من الأمور. أتصور أنك تريد أموراً محددة... لكن في الواقع، لا أعرف. غالباً ما تظهر الأشياء بطريقة مفاجئة، مثلاً، لا يمكنك أن تحصل على الممثل الذي تريد، لسبب أو لآخر، إذاً عليك أن تأتي بفكرة أخرى.. أمور كثيرة تحصل. أحياناً أحداث سعيدة، وأحياناً أفكار جديدة تنبثق. أقول دائماً: الشيء لا ينتهي ما دام لم ينتهِ.
كوميديا
*لطالما أردت تحقيق كوميديا. كتبت سيناريوات "One Saliva Bublle" مع مارك فروست، أو "Dreau of the Bowwive". في هذا الموسم الثالث، مع قصة دوجي، أتراها طريقة أيضاً، لصنع تلك الكوميديا؟
- هناك الأفلام التي نسمّيها كوميديا، والأفلام التي نسمّيها دراما، والأفلام التي نسمّيها أفلام الحب... أنا أفضّل أن أمزج كل الأنواع في فيلم واحد. كما في الحياة. يمكنك أن تبكي في الصباح، وتضحك بعد الظهر.
*هل هناك بعض الأفكار في "توين بيكس" تأتي من مشاريع أخرى، مثل ؟وان ساليفا بابل"؟
- كلا، كل ما هو مضحك وغريب في "توين بيكس" يأتي من عالم "توين بيكس".
*المسلسل واقعي جداً بالنسبة الى أميركا اليوم، في الفترة التي نعيشها؟
- إنها مرحلة قاتمة. يمكن أن نأمل بأنها ستضيء، لكن في الوقت الحاضر إنها قاتمة.
*إنها المرة الأولى التي تثير في أفلامك قضايا معاصرة في عمل واحد: العنف ضد المرأة، الأسلحة، تأمين المرض... أكان هذا مهماً لك؟
- إنها أفكار. يحتوي العالم على كثير من الأفكار. ليس أنه من باب التوجه الى الناس، أو البعث برسالة، بل إن العالم يكلمك. وهناك أفكار أخرى غير مثارة من العالم، أفكار تأتي من الأمكنة الأخرى.
*الطريقة التي تصوّر بها العنف في أفلامك مؤثرة جداً. مثلاً مشهد ساره بالمر تقتل رجلاً تحرّش بها في البار. أو العنف الزوجي بين بيكي وستيفن، فكأنما كنت تشعر بحاجة الى وضعنا أمام هذا العنف؟
- كلا. جاء كل ذلك مع الفكرة. فالعالم يتضمن أفكاراً. دائماً الشيء ذاته. بينما نتناقش هنا، فالعالم يعانون في عمق أعماق الجحيم. وسواهم يسبح بكل سعادة.
*لكن لكي تحضّر فكرة فيك، يجب أن تكون على اتصال بما تحسّ؟
- نعم. كما أقول دائماً؛ عندما تحضّر الأفكار، وتقع في غرامها، تحسّ أنك في حالة جيدة. ثم تتحقق من هذه الأفكار في العالم. وبالنسبة الى بعضها، تلك التي وقعت في غرامها، تحسّ بأنها جاءت في وقت غير مناسب. بينما، أخرى، جاءت في اللحظة المناسبة، وعندها تمشي مع هذه الأفكار.
*ما هي الأفكار التي كان عليك أن تهملها في "توين بيكس"؟
- لا أعرف. لا بدّ أنها موجودة، لكن إذا رويتها لك، ستقول إنها لم تكن أفكاراً جيّدة...
*يقول الدكتور جاكوبي "يجب أن نرى، نصفي، نفهم ونعمل. نعمل الآن. أليس هذا أنت؟
- العمل الآن نعم. الدكتور جالوبي، كما تقول نادين، هو الوحيد الذي يقول مثل هذه الأشياء كما هي، كل العالم، ما عدا نادين، وبلا شك بعض الشخصيات الأخرى، يعتبرونه مجنوناً. هناك أمور تحصل، ولا تمشي أبداً. أحس أنّ كثيرين يريدون أن تسير الأمور على ما يرام، لكن ليس عندهم مكاناً يُسمعون فيه صوتهم.
*في "توين بيكس" تظهر العنف، لكن أيضاً كيف نجد الطاقة لإدراك العصر الذهبي. لكنك لا تظهر العصر الذهبي..؟
- لو كنا نعيش اليوم في العصر الذهبي، سنكون في نهاية "توين بيكس". لكننا لا نعيش فيه، نحن في منزل بالمر.
*طريقتك الخاصة في التعبير، ليست في ملء فقدان المعنى، ولكن في ترك الأفكار تعبّر وتعيش، بشكل ما، من أجل نفسها.
- نعم! تماماً.
*لكن هذا صعب، لأن سيناريست أو مخرجاً يفترض أن يشرح، ويسد الثقوب، بينه وبين متلقّيه، ومحاوريه ومموّليه مثلاً. هناك طلب للمعنى من جهة أناس يشتركون في الفيلم؟
- لست واثقاً بوجوب هذه الضرورة. ما من قواعد. في أيامنا هذه، وفي سياق كتابة السيناريو، نعلم متابعة كمية كبيرة من القواعد غير واقعية. فمفترض فيك وقع هذا العنصر في السيناريو في تلك اللحظة... هذا شيء رهيب. في حين، أن الأفكار تجد بنفسها الوسائل للتحقق، وتظهر القصة وحدها. ولا نتعلم كل ذلك في كتاب عن السيناريو، المسألة إحساس.
*وكتّاب السيناريو الذين يشتغلون معك، مثل باري جيفورد أو مارك فروست، أيشاطرونك في مفهوم هذه الكتابة؟
- ربما وبطريقة ما لا يشاركونني. لكن لديهم ما يكفي من الكلام. إذا أعطيت السيناريو ذاته لعشرة مخرجين، ستحصلين على عشرة أفلام مختلفة. لكلٍّ فكرته، حتى ولو كانت الكلمات ذاتها.
*ثم رغبت بعدها في جمع ممثلين لم يكونوا في "توين بيكس"، لكنك اشتغلت معهم، مثل نعومي واتس، أو باتريك فيشلر، الذي يمثّل دور مستر تود، والذي اكتشفناه في "Mulholland Drive"؟
- ليس بالضرورة.. لم أكتب أدواراً لممثلين. مستر تود مثلاً، المفتش ماكلاي، كانوا هنا منذ البداية قبل اختيار الممثلين. أحياناً ترغب في أن يلعب ممثلون معيّنون، لكن عندما يتناسبون مع دورهم، فهذا رائع.. كنت أعرف أن نعومي واتس ستكون ممتازة في دور جيني-اي، وهي ممتازة.
*الجميل أن بعض الممثلين الذين عرفناهم خصوصاً بفضل "توين بيكس" غيّروا من وجهتهم من موسم الى آخر، مثل شيرلين فين مثلاً؟
- نعم! هذا جميل جداً. إنهم حقاً رائعون.
*هل تقوم بتدريبات كثيرة معهم؟ المشاهد بين أودري وزوجها هي صعبة جداً مثلاً؟
- كلا. لا يحتاجون الى ذلك، وقاموا بأدوارهم بشكل رائع. بمعنى معا، نجري تمارين ونحن نناقش قبل المشهد والدور. كل شيء يمر بعذوبة بالغة.
*عندما كتبنا عن "توين بيكس"، رأينا كم كانت المفاهيم مختلفة، أبعد من حبنا للمسلسل. بعضهم ترأس العمل كنداء الى الصحوة، وبعضهم الآخر كانوا كأنهم عالقون في اليأس...؟
- هذا فعلاً جميل جداً. غالباً ما قال ماهاريشي: العالم على صورتك. العالم على صورته، كما الفيلم على صورته الصورة ذاتها. لكن كل واحد يفهمها على طريقته.
*ما هو شعورك في نهاية "توين بيكس"؟
- نعم، هذا هو. بكل تأكيد. جميعهم. وأنا يجب أن أحمي نفسي. بمَ تفكر أنت... مهم جداً.
*أهذا هو رابطك بالجمهور...؟
- تماماً، إنه رابط. فنحن مرتبطون.
*كل هذه الأفكار التي امتلكتها على امتداد السنوات الخمس والشعرين الماضية، كيف تفعل لتجعلها تعبر الزمن؟ هل تحتفظ بها في رأسك؟ هل تكتبها؟
- كلا، أفكر فيها فحسب. بعض الأشياء، كما كنت أقول، سبق أن بدأت في الجزء الثاني من الموسم الأخير، وفي "Fire Walk With Me". تذكرتها. وأفكار أخرى جاءت. في النهاية، هي مزيج.
*كيف لفكرة عبرت هذه السنوات العديدة وما زالت موجودة في اليومي، في عملك؟
- إنها كصديقات تعبر الزمن، وترافقك.
*من "توين بيكس" كثير من الكلام.خاصة الأعمال الكبرى. كأنما كل تفصيل خاضع للمناقشة: نحن نعرف أنك بعيد عن كل هذه المناقشات، لكن...؟
- (ضحك) سيصدر مارك قريباً كل ذلك في كتاب.
*العالم غامض (سر)، إذاً على الفن أن يكون غامضاً؟
- نعم. ليس أجمل من السر (والغموض). أظن أننا نجعل الناس تشاء إذا حلوا كل هذه الأسرار. عندما تحلّ (أو تشرح) سراً، تنساه، وتنتقل الى التالي إنه كبت، لكن، كما هدية. فهو يستنبت أفكاراً، يجعلك تفكر، تحلم. الأسرار الكبيرة هي التي تبقى في الذاكرة، مثل قضية "داهليا" مثلاً... إنها تجعلك تحلم.
*وهل أنت حالم؟
- نعم.
*إذاً تريد الاحتفاظ بالسر لنفسك...؟
تماماً. قصة بلا نهاية.
- إذاً إذا سألناك أن تحل أسراراً. وهذا ما لن نفعله. فقد تجيب أنك تجهل الأجوبة؟
- تماماً. لا أعرف الأجوبة.. أشياء كثيرة أجهلها.
*الرغبة في جواب لكل شيء، رفع زاوية من الحجاب، لكي لا نرى زاوية أخرى ترفع، يوقع الناس في البؤس؟
- أنا موافق على ذلك.
*تصورت المسلسل ككل واحد كبير قطعته الـ18 حلقة (أو جزء)؟
- نعم جعلته كفيلم واحد كبير. إذا فكرت بكل حلقة، باعتبار أن لها نهاية، سقوطاً سترتكب خطأ، ولكن، وللمفارقة، هناك في كل جزء نوع من نهاية طبيعية، استراحة، تسمح للانتقال الى التالية.
*والموسيقى تجعلها ترتبط بمرونة من جزء الى آخر؟
- تماماً!
تقديم وترجمة بول شاوول
كلام الصور
1 - ديفيد لينش
2 - من "توين بيكس"








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.