8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مقاربة أحد كبار روّاد النهضة العربية

يأتي صدور كتاب ريما لبّان رفاعة الطهطاوي والغرب، بواكير الحداثة أم بوادر الإخفاق؟، في هذه المرحلة، مفيداً، يُشكل عودة إلى تلك المراحل الانفتاحية، بين الغرب (وتحديداً فرنسا) والتي تشهد طمساً، وانغلاقاً، وانقلاباً، ليس على الغرب نفسه، بل على النهضة التنويرية ذاتها، بإرثها الثري، وتفاعلاتها الجدية المثمرة على أفكار الحداثة، ومنابتها، وإنجازاتها، وتأثيراتها في مختلف القطاعات الفكرية والفقهية والفلسفية والتشريعية والاجتماعية والسياسية والأدبية والفنية...

وقد أحسنت باختيار رفاعة الطهطاوي، أحد المبادئين في تلمّس الحضارة الأخرى المغايرة بطرق عيشها، ومقارباتها، ومعتقداتها المتصلة في تلك الفترة (القرن التاسع عشر)، بانعكاسات الثورة الفرنسية، وحملة نابوليون بونابرت على مصر، وما رافقها من إدخال فلسفة الثورة بأقانيمها، كالحرية، والمساواة، والأخوة، وبتقينات العمارة والهندسة، والمطبعة، والمسرح... وما يلفت في هذه الظواهر أن معظم رواد الانفتاح على ثقافات الغرب (فرنسا) كانوا من المشايخ: من الطهطاوي، إلى محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني. وهنا بالذات الجانب المهم، بمعنى أن الحداثة وإن في مستوياتها التوفيقية والاستنسابية تفتحت على أيدي رجال دين ومشايخ وأزهريين.

ويا ليت تعدت المؤلفة عصر الطهطاوي إلى ما أعقبه، في محاولة تبيان آثاره ومفاعيل غيره من أقران له، ومغايرين، في اختراق الحداثات في الفكر والإسلامي، وأنماطه وتجلياته.

فالطهطاوي (كالجبرتي)، من الرواد، والرواد غالباً ما تظلمهم ريادتهم. نقول هذا، لأن النهضة العربية، التي رفع لواءها مشايخ مسلمون، أدركت كذلك مختلف القطاعات الدينية، والعلمية، من مسيحية، وأجناس أثنية في العالم العربي. لحظة إشعاع كانت مع الطهطاوي، (ولا ننسى الجبرتي وإن من منزلة مختلفة صادمة ومصدومة).

الطهطاوي في باريس عام 1826 أي بعد قيام الثورة الفرنسية بنصف قرن، أي أثناء صراعاتها مع روافدها، ومع فلول الملكية، على غير استقرار ولا حسم. خمس سنوات قضاها هناك، في عالم جديد، وأفكار جديدة، وطرق عيش جديدة، وفلسفات جديدة، ونظرة أخرى إلى الدين (الثورة الفرنسية أسقطت الإقطاع الديني وسلطة الأكليروس)، مما أصابه بنوع من الدهشة وكذلك من الصدمة، فوقع (ما وقع فيه الجبرتي وبعده محمد عبده، والأفغاني...)، في التباس، بين ما هو ديني إسلامي موروث، وعادات وبين ما هو حرية، ودساتير، وبرلمان، وعمران، وقوانين وضعية، فالمفارقات الجذرية. هذا ما قاربته ريما لبان، وشرحته، وتابعته، وحللّته في مساره التاريخي، والاجتماعي، والديني، في كتابها. إنها الجدلية؟ ولمَ لا التفاعلية؟ ولمَ لا الحوارية؟ ولمَ لا النقدية أيضاً. فالطهطاوي الباريسي يختلف عن الطهطاوي بعد عودته إلى مصر، وهذا ظاهر، كما فسّرته المؤلفة، في بعض الحملات عليه، وفي اعتقاله، وفي نفيه إلى السودان.

هنا، راجع أو تراجع الطهطاوي عن كثير من حماسه أو انجذابه، أو وعيه التاريخي ليسترجع ما عليه أن يسترجع من تفضيل الإسلام على الغرب في بعض النواحي، هذه المسائل تطرحها المؤلفة على شكل أسئلة.. من دون انحياز أو أحكام تعسفية، هذه التساؤلات تضيف إلى منهجية الكتاب الأكاديمية، بعداً حياً.. متعدداً لا أحادياً. صدر الكتاب عن دار نلسن في بيروت.

وقدّم الناشر الكتاب بكلمة مفيدة ومختزلة.

هنا خاتمة الكتاب الذي تغلق فيها ريما لبّان دراساتها القيّمة.

ب. ش

درج عدد من الباحثين في فكر الطهطاوي وفي نظرته إلى الغرب على القول بأنه كان صاحب موقف توفيقي بين الشرق والغرب أو بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، وأن الشرق والغرب قد التقيا في فكره وقلبه على وفاق.

من ذلك قول حسين فوزي النجار:

فاستوى الشرق والغرب في قلبه وعقله على وفاق.

أو قول أنور لوقا:

لقد سعى الطهطاوي إلى تحقيق التوازن بين الموضوعية وبين المحافظة على التقاليد.

ولكننا من خلال دراستنا لمؤلفات الطهطاوي ومن خلال التعمق في آرائه حول مظاهر الحضارية الغربية التي استعرضناها، وجدنا أنه لم يكن صاحب موقف واحد من الحضارة الغربية. لقد كان للطهطاوي موقفان متباينان ومتناقضان أحياناً من الغرب: الأول غربي والثاني مشرقي إسلامي. ولو أردنا رسم الحدود الزمنية والجغرافية والفكرية لكل من الموقفين بشكل تقريبي، لقلنا إن الطهطاوي كان غربياً في تخليص الإبريز وكان مشرقياً إسلامياً في مناهج الألباب والمرشد الأمين وغيرهما من مؤلفاته التي أصدرها بعد عودته إلى مصر، أي أنه كان في باريس غربياً دينه الإسلام، وكان في مصر مسلماً مشرقياً يتحلى بانفتاح على الغرب الحديث.

ولسنا نعلم على وجه التحديد ما هي الأسباب التي دعت الطهطاوي إلى تغيير موقفه من الغرب بعد عودته من باريس وربما أمكننا تعليل ذلك بعدد من الأسباب نذكر منها:

تجربته مع تعسف الحكام المصريين وخصوصاً تجربة نفي الخديوي عباس له إلى السودان سنة 1850 بسبب أفكاره الغربية الجريئة، وتوقيف الخديوي سعيد له عن العمل سنة 1861.

ردود فعل بعض شيوخ الأزهر المحافظين الذين رأوا في أفكاره تهديداً للتيار الديني المحافظ.

ردود فعل فئات من الشعب المصري التي بدت بعد عودة الطهطاوي من باريس رافضة لكتابه تخليص الإبريز، ولدعوته إلى تبني منجزات الحضارة الغربية، ونذكر هنا ما يقوله أنور لوقا عن ردود فعل الشعب المصري على كتاب رفاعة:

لقد أساء الشعب تحت تأثير الأحكام الدينية المسبقة فهم الكتاب [...] لقد انتشرت حول رحلة رفاعة إلى باريس أسطورة منبثقة عن رؤية سطحية لفرنسا ملحدة آثمة.

وفي موضع آخر يذكر لوقا حادثة ذكرها ادوارد ويليم لاين في وصف مصر جاء فيها: إن رجلاً [...] جاء يشتري كتاب رفاعة تخليص الإبريز من إحدى مكتبات القاهرة سائلاً عن محتوى هذا الكتاب، فأجابه رجل كان جالساً أمام الدكان بأن الكاتب يتحدث فيه على رحلته من الاسكندرية إلى مرسيليا وكيف استسلم لشرب الخمرة على ظهر المركب وكيف عوقب على ذلك بأن ربط إلى صاري السفينة وجلد وكيف أنه حين وصل إلى بلاد الكفر والضلال أكل لحم الخنزير وراح يلهو مع الفرنسيات الجميلات اللواتي فقن المصريات بحسنهن وأنه بعد أن هيّأ لنفسه مكاناً بارزاً في الجحيم عاد إلى مصر.

ولا بدّ أن تكون قد ترامت إلى مسامع الطهطاوي مثل هذه الانتقادات ولعله بعد ذلك وبعد تجربة نفيه إلى السودان وصرفه من الخدمة قد مال إلى تبني موقف أكثر اعتدالاً وأكثر استناداً إلى الإسلام والتراث، فحاول أن يجعل الغرب شاهداً على صوابية الإسلام في مناهج الألباب والمرشد الأمين بعد أن كان يستشهد للغرب بالإسلام في تخليص الإبريز.

غرابة

ولقد وقعنا خلال بحثنا على جملة من الآراء التي كان الطهطاوي فيها غربياً بحتاً لا يردّه عن تأييده لهذا الغرب التعارض الصريح مع ما تنص عليه الشريعة الإسلامية. فكثيراً ما نراه يستحسن عوائدهم رغم تعارضها مع أحكام الشريعة، أو يعتذر عنهم بأن ما يقومون به لا يتعارض مع تقاليدهم المرعية من غير أن يشير إلى مخالفتها للإسلام، أو يختصر القول في ما يتعلق بأخلاقيات الفرنسيين مما يتعارض مع أخلاقيات المسلم اختصاراً لافتاً، ونعتقد أن اختصاره هذا دليل واضح وإن غير مباشر على انحيازه إلى الموقف الغربي.

كما صادفنا خلال بحثنا عدداً من المواقف والآراء التي كان الطهطاوي فيها إسلامياً مشرقياً يعارض ما جاء به الطهطاوي الغربي في تخليص الإبريز ويفتش في تراثه المشرقي على علوم وقوانين وأمثلة وحكم تجعل من هذا التراث منهلاً للمعرفة وقاعدة ينطلق منها المصريون لبعث نهضتهم، مستشهداً في ذلك بالغرب على تفوق العرب والإسلام.

رأى الطهطاوي في تخليص الإبريز أن الغرب منهل للعلوم والفنون والصنائع، وكان إيمانه بما وصل إليه الغرب في هذه المجالات عميقاً حتى اعتبره مثالاً أعلى، على مصر أن تعترف له بالسبق وتحذو حذوه وتقتبس عنه في معظم المجالات.

يقول: فما قصرت في أن قيدت في سفري رحلة صغيرة، نزهتها عن خلل التساهل والتحامل، وبرأتها عن ذلل التكاسل والتفاضل، ورشحتها بعض استطرادات نافعة، واستظهارات ساطعة، وأنطقتها بحث ديار الإسلام عن العلوم البرانية، والفنون والصنائع فإن كمال ذلك ببلاد الإفرنج أمر ثابت شائع، والحق أحق أن يتبع.

ولقد بلغ إعجاب الطهطاوي بهذه الحضارة حدّ الافتتان بالرغم من بعض وعود أودعها كتابه تخليص الإبريز أنه لن يحيد عن الإسلام ولن يستحسن إلا ما لا يتعارض مع شريعته:

وقد أشهدت الله سبحانه وتعالى على أن لا أحيد في جميع ما أقوله عن طريق الحق، وأن أفشي ما سمح به خاطري من الحكم على استحسان بعض أمور هذه البلاد وعوائدها، على حسب ما يقتضيه الحال، ومن المعلوم أني لا أستحسن إلا ما لم يخالف نص الشريعة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة، وأشرف التحية.

بالرغم من ذلك نجده قد استحسن واستلطف وفضّل وتبنّى عدداً من القوانين والمفاهيم والعادات الغربية التي تتعارض بالنص الصريح مع الشريعة الإسلامية.

الخمر

من تلك المسائل مسألة شرب الخمر كما مرّ معنا، فلقد ميّز الطهطاوي بين تناول الخمر وبين السّكر وبدا قابلاً بمبدأ شرب الخمر إذا لم يقع منه ضرر على الآخرين، محتجاً بأن ذلك لا يعد عيباً عند الفرنسيين وأن اللوم يقع عندهم على السكارى، فالمقياس هنا لم يعد الحرام وإنما العيب.

وفي ترجمته لقانون الصحة الفرنسي، يورد الطهطاوي بعض التعليمات التي تحذّر من مضار الخمر أيام الصيام.

يقول: إياك والانهماك على تعاطي الخمور والمسكرات، سيما أيام الصوم، وقد توهم أنها تسد القوى مع أن القوة المستفادة من تعاطيها تمر في أدنى زمن ويعقبها وهن.

مع أن الخمر محرم في الإسلام وخصوصاً أيام الصيام. فإن من يتعاطى الخمر من المسلمين في الأيام العادية يمتنع عن ذلك أيام الصيام احتراماً للشريعة، ولو كان للطهطاوي اعتراض على بعض ما جاء به هذا القانون لحذفه ولكنه على ما يبدو لم يتحرج من إيراده كاملاً في تخليص الإبريز.

كذلك كان الطهطاوي غربياً في الكثير من المواقف التي يطول بنا ذكرها وشرحها، كمسألة المرأة الفرنسية: سفورها ولباسها وعلاقتها بالرجل. كيف يقول شيخ أزهري في لباس المرأة الفرنسية لطيف به نوع من الخلاعة إن لم يكن قد أعجب بهذا الملبس وإن لم تكن ظرافة هذا الملبس قد استمالته أكثر من مسألة شرعيته؟ كذلك لم يحرج سفور المرأة الغربية الطهطاوي بقدر ما أعجبته تسريحتها. ويندرج في السياق نفسه، تعليقه على مس الرجل للمرأة الغربية بأن ذلك لا يعدّ عيباً عندهم. ومما يستوقفنا أيضاً تفضيل الطهطاوي للرقص الغربي على الرقص الشرقي وللمسرح الغربي على عوالم مصر ولقصور الفرنسيين على قصور العرب لجهة بساطتها وخلوّها من البهرجة والمسكن الغربي بكل ما فيه على المسكن المصري وخادمه الأسود اللون. والمستهجن أن يتذمّر شيخ أزهري مصري من الخادم الأسود إلا إذا كان موقفه ومنظوره غربيين: وإذا سلّمنا بأن الأسود قد عرف بأنه عنصر من الدرجة الثانية في تراثنا فإننا لم نألف لشيخ مسلم، من المفترض أن يتعالى عن العنصريات، أن يضيق ذرعاً بالخادم الأسود، إلا أن يكون هذا الشيخ قد تأثر بالموقف الغربي العنصري، ذلك الموقف الذي يرفض حتى أن يقوم الأسود بخدمته.

يقول الطهطاوي: إنهم لا يزوّجون عادة الزنجية للأبيض أو بالعكس، محافظة على عدم الاختلاط في اللون، حتى لا يكون عندهم ابن أمة [...] بل لا يعدون أنه قد يكون للزنج جمال أصلاً بل لون السواد عندهم من صفات القبح [...] على أنه لا يحسن عند الفرنساوية استخدام جارية سوداء في الطبخ ونحوه، لما ركز في أذهانهم أن السودان عارون عن النظافة اللازمة.

ونشير إلى أن هذا الموقف الغربي يتجلى واضحاً في حديث الطهطاوي على الحياة الدينية في الغرب. ولقد لاحظنا ذلك في فصل الحياة الدينية الذي كان أشد الفصول إيجازاً بحيث تجنب الطهطاوي الخوض في تفاصيل المسألة الدينية، وتوخّى الاختصار الشديد لتقليص حجم الهوة بين الغرب والمشرق الإسلامي في هذا المجال ولتجنّب ردود الفعل الشرقية الإسلامية على هذا الاختلاف.

التناقض

ولم يقتصر موقف الطهطاوي الغربي على هذه المسائل، فثمّة عدد من المسائل الجوهرية كان له فيها موقفان متناقضان. ففي تخليص الإبريز كان الطهطاوي يتناول مسألة ما من منظور معيّن هو المنظور الغربي ثم يعود في مناهج الألباب أو المرشد الأمين فيتناول المسألة نفسها من زاوية مختلفة تنبثق عن رؤية إسلامية مشرقية. من هذه المسائل نذكر مسألة تصنيف الأمم في سلم التمدن ومسألة القوانين الطبيعية والاستعمار والنظام الاقتصادي والعلوم والملبس والمأكل.

وهنا يتبادر إلينا سؤال وهو: إذا كان الطهطاوي قد مال في مؤلفاته الأخيرة إلى موقف أكثر اعتدالاً من موقفه الغربي في بواكير مؤلفاته فعدلّ آراءه بما يراعي تراثه وشريعته فلماذا وقع اختياره على تعديل بعض القضايا دون بعضها الآخر؟

إذا تأملنا في القضايا التي عدّل الطهطاوي موقفه حيالها وحاولنا أن نجد قاسماً مشتركاً بينها ثم قارنّاها بالقضايا التي لم يجرِ الطهطاوي عليها تعديلاً وجدنا أن المسائل التي تناولها بالتعديل هي أمور جوهرية تتعلق بالسياسة والاقتصاد والعلوم، أي ببناء الدولة والوطن. فالطهطاوي سواء أكان غربياً أم إسلامياً مشرقياً كان يسعى إلى النهوض بوطنه وإيقاظ أمته الإسلامية من رقادها، وإذ اصطدم بتيار سياسي وديني وشعبي محافظ مال إلى البحث عن أسباب النهضة في تراثه على غرار أسباب نهضة الحضارة الغربية جاعلاً الغرب إذ ذاك شاهداً على عراقة الحضارة الإسلامية.

ففي ميدان السياسة رأينا كيف مجدّ الطهطاوي دور العقل والقوانين الطبيعية في تخليص الإبريز بقوله لتعرف كيف قد حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك [...] والعدل أساس العمران.

ولكننا نراه في المرشد الأمين يقول: وإنما ليس لنا أن نعتمد على ما يحسنه العقل أو يقبحه إلا إذا ورد الشرع بتحسينه أو تقبيحه.

كذلك قوله في المرشد الأمين: إن رسالة البدع بالشرائع هي أصل التمدن الحقيقي الذي يعتد به ويلتفت إليه، وإن الذي جاء به الإسلام من الأصول والأحكام هو الذي مدّن بلاد الدنيا على الإطلاق.

ثم يتابع المقارنة بين ألأحكام الإسلامية والأحكام الغربية مبيّناً أن الأحكام الغربية لا تختلف عمّا تنص عليه أحكام الفقه الإسلامي.

وفي مسألة الاستعمار التي أشرنا إليها في فصل الحياة الاقتصادية، رأينا كيف كانت نظرة الطهطاوي إلى الاستعمار إيجابية في تخليص الإبريز حيث رأى فيه فائدة لكليّ المستعمِر والمستعمَر وكيف اعترض على هذه السياسية في مناهج الألباب ناعتاً إياهابـالإيغال والتشهيات الفاسدة.

وفي ميدان الاقتصاد، توقف الطهطاوي عند حب الفرنسيين للعمل ودأبهم عليه وتصنيفهم له كفضيلة بحيث أنّ كلمة الذم عندهم هي التنبلة، ثم عاد في المرشد الأمين فنوّه بدور العمل وقدسيته مستشهداً هذه المرة بأمثلة من التراث وبأحاديث نبوية.

يقول في المرشد الأمين: ومن كلام لقمان الحكيم: الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما، فهاتان القوتان متباينتان ومستويتان في الإنسان، بدون راجحية ولا مرجوحية، فحب الدعة يبعث الإنسان على أن يجرّ لنفسه جميع ملاذ الحواس، وأما الآمال فتبعثه على الحصول على راحة الروح وكمال التمدن والائتناس [...] وقد علّمنا سبحانه وتعالى وجوه المكاسب والمنافع، وألهمنا دقائق الفنون، والصنائع، حيث مدح السعي وذم البطالة بقوله تعالى: (وإن ليس للإنسان إلا ما سعى) [...] وقال الجنيد، رحمه الله تعالى: إذا رأيت الفقير يطلب السماع فاعلم أنّ فيه بقية من البطالة، والله لا يحب الرجل البطال. فإن من تعطّل وتبطّل فقد انسلخ عن الإنسانية وصار من جنس الموتى، وذلك أن الله خص الإنسان بالقوى، فالقوة الفكرية تطالبه بالعلوم التي تهديه، وبالصنائع التي يترتب عليها من المكاسب والمنافع ما يرضيه ويصونه ويحميه.

وفي مجال الاقتصاد أيضاً، توقف الطهطاوي في تخليص الإبريز عند النظام الاقتصادي الفرنسي ونظام الضرائب الذي يؤمن مصاريف الدولة من دون أن يرهق المواطن حتى تمنى لو كان هذا النظام معمولاً به في البلاد الإسلامية، محاولاً أن يجد في الشريعة بعض أصول أو بذور لهذا النظام.

يقول: ويمكن أن يقال إن الفرد ونحوها لو كانت مرتبة في بلاد الإسلام كما هو في تلك البلاد لطابت النفس [...] وربما لها أصل في الشريعة على بعض أقوال مذهب الإمام الأعظم.

إلا أن الطهطاوي يعود في مناهج الألباب فيحاول أن يثبت أن هذه القوانين الاقتصادية التي تقوم عليها الدول الغربية مستنبطة من الأحكام الشرعية الإسلامية.

يقول: ومن أمعن النظر في كتب الفقه الإسلامية ظهر له أنها لا تخلو من تنظيم الوسائل النافعة من المنافع العمومية، حيث بوّبوا للمعاملات الشرعية أبواباً مستوعبة للأحكام التجارية كالشركة، والمضاربة [...] ولا شك أن قوانين المعاملات الأوروباوية استنبطت منها كالسُّفتجة التي عليها مبنى معاملات أوروبا.

وفي مجال العلوم شدّد الطهطاوي في تخليص الإبريز على تقدّم الغرب في هذا الميدان، ولقد نعته بالحق حين قال في تقاريره عن باريس: والحق أحق أن يتّبع. كما أنه صنّف الغرب في الدرجة الأولى بين الأمم لناحية التمدن والعمران والعلوم في حين أنه صنّف عرب البادية في الدرجة الثانية على معرفتهم بأمور الدين وبالحلال والحرام لأنهم على حدّ قوله لم تكتمل لديهم المعرفة في العلوم الحكمية كما يسميها أي العلم الحديث إلا أنه يعود في مناهج الألباب والمرشد الأمين فيصرّح بتفضيله للأمة العربية الإسلامية على سائر الأمم وللعلوم الشرعية على العلوم كافة.

يقول: وربما مال بعض المتهاونين بالدين إلى العلوم العقلية، ورأى أنها أحق بالفضيلة وأولى بالتقدمة، استثقالاً لما تضمّنه الدين من التكليف واستصعاباً لما جاء به الشرع الشريف، من التعبّد والتوقيف (...).

كلام الصور

غلاف الكتاب

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00