مهرجان مسرحي آخر مُصر على البقاء والاستمرار على الرغم من كل ما يحاصره من عوائق، ورغم ما يعاني من أزمات مادية. أيام عمان المسرحية من خصوصياتها، تقشفها، وكذلك اختياراتها. بل يمكن القول أن تقشفها مرتبط باختياراتها. فهو المهرجان الذي يكاد يكون الوحيد الذي لا يستقبل أعمالاً مرشحة من جهات رسمية. هو يشارك في الاختيار. وهو يحرص على إبقاء ساحته متحررة من الوصايات ومن المحسوبيات، ومن البيروقراطية، والاعتبارات السياسية، أو السلطوية، أو الرسمية. إنه مهرجان حر للأعمال الحرة، أي تلك تقدم نفسها بفرادتها، وخارج أي مرجعية سوى نفسها، ومستوياتها. هذه الأسباب كافية، لأن يجد فيه الكثيرون خروجاً على الطاعة، وتمرداً على الامتثال، وانزياحاً الى ما هو جديد، وتجريبي، وحي، بعيداً من الضغوط الشتى والإلزامات المختلفة. إنه مسرح الفوانيس وعلى رأسه المخرج نادر عمران، من يتنكب هذه المغامرة الشرسة. فنادر عمران، كأنه يصارع وحده إرادات تسعى الى طمس هذه الواحة السنوية ووحده يحمل عبء المواجهة، بشغف من لا يرى الفن سوى فعل حرية، وفعل انتماء الى الإبداع، وفعل خلاص.
هذه الدورة التي أقيمت ما بين 27 آذار الماضي والخامس من نيسان الجاري، قدمت عروضاً متنوعة ولو محدودة، ولو اقتصرت المشاركة على فرق معدودة من بعض البلدان العربية دون سواها. وقد تميّز المهرجان، هذا العام، بدقة التنظيم، وبحيوية الحضور، وبمستويات معقولة للعروض.
سنحاول التوقف عند معظم العروض التي قدمت، لنستهل بمسرحية جواد الأسدي "حمام بغدادي".
حَمّام بغدادي
ـ "حمّام بغدادي" (نص وسينوغرافيا وإخراج جواد الأسدي، سوريا) هذا العمل كأنها المفتتح الفعلي لجواد الأسدي، كاتباً ومخرجاً، لمقاربة الواقع العراقي، بعدما انخرط، وهو المنفي القسري على امتداد 27 عاماً، في مسرح الشؤون الأخرى، من القضية الفلسطينية، الى القضايا الإنسانية عموماً، صوغاً، واقتباساً، من "العائلة طوط" الى "الاغتصاب" و"الخادمتان" و"العنبر رقم5" وصولاً الى عمله الأخير. في غيابه كانت الدكتاتورية التي حملته وحملت مئات المثقفين الى الهجرة الى بقاع الله الواسعة، وإلى التشرد، والمنافي، والحنين، وفي هذا الغياب عن الوطن، (والغياب عن الوطن لا يعني غياب الوطن عن الغائبين)، كان لجواد الأسدي، أن يصوغ مسرحاً "احتجاجياً" بكل ما تعني العبارة. احتجاجاً على "اغتصاب" فلسطين، وكل القهر، والتخلف، والقتل، والموت. ويزدوج الاحتجاج عند الأسدي، صوتاً وفكرة وموقفاً ولغة مسرحية أيضاً. فهو مسرحي وصيغة الاحتجاج لا بد أن تطاول مختلف أشكال الجمود والزخرفية والترفيهية والمباشرة والتجارية التي سادت بعض واقع المسرح العربي.
وعلى هذا الأساس كان لجواد الأسدي أن يلتقي النبرات الاحتجاجية السياسية (والايديولوجية) والاجتماعية والثقافية الموجودة. فكان لقاؤه الكاتب سعدالله ونوس. وشكلا معاً "ثنائياً" تجريدياً في التجربة المسرحية، الأول برشتي حتى الصميم والثاني حامل رؤيا مفتوحة تتقاطع والتجارب الأساسية الكبيرة في المسرح العالمي، من أرطو، الى غروتوفسكي، وإلى مرجعيات أخرى، ليصوغ منها خصوصيته، عبر تحويلها مادة أولية، أو حجارة، يبني منها ومن سواها عمارته المسرحية العالية. بمعنى آخر لم يتبن الأسدي أي تجربة عالمية (أو تراثية) ككتلة مغلقة كما فعل كثيرون من المسرحيين العرب عندما تحولوا ببغاءات برشتية أو براندولية أو غروتوفسكية أو مايرخولدية أو تراثية. كان له الفعل المسرحي الذي يعرف كيف يحوّل كل مخزون أو إرث أو مرجعية لغة خاصة مدموغة ببصماته. وقد اشتغل على هذا الأساس في ورش عديدة، مترحلاً، من بلد الى بلد من سوريا الى بيروت وعمان فإلى الخليج فمصر وبعض البلدان العربية.
كان عندها خارج العراق. وقلبه وحواسه وعقله هناك في موطنه. لكنه حوّل فقر الغربة (وكل غربة فقر) الى غنى وثراء. فعقله البغدادي ظل بغدادياً. وحواسه ومشاعره العراقية ظلت عراقية. وهاجسه الأول والأخير بوصلته الدائمة بلاد الرافدين. هذه المعاناة العراقية تراكمت في الغربة. وكان له أن يرى كزرقاء اليمامة، مآل الدكتاتورية وأهلها. وكان ما كان. سقط النظام الدكتاتوري بموبقاته وتسلّطه وفاشيته لكن على أيدي النظام الأميركي، (أو الغزو الأميركي) مردوفاً بقوى وأطراف داخلية وخارجية، شكلت، في وصولها الى السلطة، وحتى في بقاء معارضيها خارج السلطة، ما يمكن تسميته النظام العراقي الهجين، خليط التسلّط الأميركي، وبروز التيارات الدينية والطائفية المتطرفة أو المغلقة، والدموية، والمرتبط بعضها، إمّا بالعجلة الأميركية، أو بعجلات الجوار، بحيث تكون من هذا الخليط "فوضى" خلاقة، بالقتل والمجازر والذبح والطائفية ومخاوف التقسيم. نظام جديد ذو "دكتاتوريات" صغيرة طائفية على حطام دكتاتورية "علمانية". وهنا، كانت الانتكاسة. فالأسدي الذي كان يحلم بعراق ديموقراطي، حر، حي، مستقل، فوجئ بما هو عكس كل ذلك عراق جديد أسوأ من العراق القديم. أو الأحرى نظام عراقي (أو أنظمة عراقية متناكرة). أرهب من القديم. إنها خيبة الأمل. بل الانتكاسة. وأكاد أقول "الفاجعة". من هنا يمكن الدخول في مسرحية الأسدي الجديدة "حمام بغدادي". ومن هنا ظهر سوء الفهم بين البعض وبين رؤيا الأسدي. فالبعض اتهم الأسدي بنقل النموذج السيئ للعراقيين "سائقي الشاحنة على خط عمان ـ بغداد، واللذين يحملان كل موبقات وأمراض العهدين القديم والجديد، والواقع، إن الأسدي لم يتخذ هاتين الشخصيتين كعيّنتين تختزلان الشعب العراقي، بقدر ما جعلهما رمزين للنظامين الدكتاتوري البائد، والفوضوي، الدموي، الطائفي، التقسيمي الجديد. فهو لا يدين الشعب العراقي، برؤيا إثنية سوداء، بقدر ما يدين النظامين القديم والجديد اللذين جعلا العراقيين ضحايا، وذبائح، في استراتيجيتهما وسلوكهما وممارساتهما عليهم. وكأنما يقول، إذا كان العنف الدموي، والتسلط الفئوي (الحزبي، العائلي) في النظام الصدامي هو السمة الأساسية، فالسمة ذاتها تطغى على ما يسمى النظام الجديد، يضاف إليه عنصر الاحتلال الأميركي الذي يلعب دوراً خفياً وساخراً في صوغ هذه المناخات، إضافة الى التفلّت المرعب لبعض القوى الطائفية والإثنية على امتداد العراق، كأدوات، ووسائل، مباشرة أو غير مباشرة. وما الأخوان مجيد (الأكبر) وحميد (الأصغر) إلاّ جزء من هذه الأدوات والظواهر، ولا تفريق أو مفاضلة بينهما إلاّ في درجة الإدانة لا في طبيعتها. فهما "صنيعا" النظامين. الأول (البعثي) حاول وبالقوة صناعة المجتمع على صورته (والأجدر أن يصنع المجتمع النظام على صورته)، والثاني (الأميركي بامتداداته) حاول أن تكون صورة المجتمع مشوّهة ليكون النظام مشوهاً تحت شعار الإرادة والاستقلال والحقوق الإثنية والطائفية والعشيرية. الأول (أي البعثي) قسّم العراق من تحت ووحّده بالقوة من فوق. والثاني قسّم العراق من فوق ليقضي على كل احتمال لوحدة وطنية ديموقراطية وتعددية، الأول جعل الشعب مجرد قطيع "99.99" في استفتاءات مزيفة. والثاني اعتمد ديموقراطية (انتخابية) قائمة أيضاً على فكرة "القطيع"، الذي تعدد بين قطيع طائفي من هنا، أو قطيع عشيري من هناك، أو قطيع اثني من هنالك.
هذا ما أراد أن يقوله الأسدي. وهذا ما جسده الاخوان. وهنا تساؤل أوليس هناك الفريق الآخر غير المرتبط بسياسة القطعان؟ مثلاً جواد الأسدي نفسه، وما يلتقيه في رؤياه المتحررة؟ أهذا ما افتقدناه في النص (كما يقول بعضهم) نعم؟ ولا! ذلك أن الصوت الثالث الخارج على "الاجماعات" التيوقراطية، مسحوق، وغير مرئي، وخائف، ويهاجر من جديد. ونظن أن "فقدان" هذا الصوت الثالث قوى من وجوده. و"شغوره" في العمل عزز حضوره. وقد فعلها جواد ليكثف المنحى الفاجعي والتراجيدي. أو الأحرى، ليماثل بين النظام القديم الذي وأد بالقوة كل صوت مخالف، وبين النظام الجديد الذي سحق أيضاً كل صوت آخر. وهنا نسأل: أين المثقفون العراقيون الاحتجاجيون، أولم يبقوا في المنافي الخارجية؟ أولم يلتزموا الصمت رعباً، ويأساً، في هذا المنفى الجديد؟ ولهذا علينا أن نقرأ في مسرحية جواد الأسدي ما هو مجازي، أو الأحرى ما هو مضمر. والمضمر (المجازي) أقوى أحياناً من الظاهر العيني. ولهذا نقول إن حمام بغدادي هو عمل مجازي بامتياز، بالرغم من عنف الصورة السينوغرافية (داخل الحمام وخارجه) وعنف الأداء، وعنف الكلام، أترى هذا تبرير لبعض الهنات والفجوات في النص، أو في السينوغرافيا أو في التمثيل؟ لا أظن. ويمكن من خلال مقاربة ما توضيح هذا الأمر:
1 ـ أخذ على النص ضعفه، وهلهلته، ومباشرته وتفاوت مستوياته، وخصوصاً سردية وثنائية لهجته الفصحى والعامية. فهذا النص الذي كتبه جواد الأسدي، هو، أولاً، أفضل ما كتب. نص طالع من الجروح والندوب، بلغة ميسرة، درامية، متنوعة، صارخة هنا، مسترسلة هناك، متقطعة هنالك. هنا شعرية وهناك قاسية بحميميتها، شرسة بواقعيتها.
لغة من عمق الشخصيتين، من ابتذالهما. من هواجسهما. من ذلهما. من التباسهما. من "شارعيتهما"، من لحظاتهما "العالية"، والعاطفية، من "موتهما الداخلي". لغة غير تجريدية (كما كنا نرى أحياناً عند جواد)، ولابلاغية أو انشائية أو فوقية أو ثقافية أو متعالية. لغة من قذارة الواقع، ومن وحله، ومن دمه، ومن جنونه، ومن خوفه. والوقوع في السردية؟ ربما! خصوصاً عبر "وقال" "أو قيل"... وهذا يضعف الفعل المسرحي على الخشبة. لكن هذه السردية عرف جواد، كيف يرفعها بسينوغرافيا "قوية" وكيف يدجنها بأداء قوي مستمد منها. أما ثنائية اللغة: العامية والفصحى فكانت رائعة. كأنها تعبّر عن "انفصام" الشخصيتين بين توقهما أحياناً الى "النظافة" و"الحنين" والطفولة والبراءة، وبين انغماسهما في القذارة اليومية، والابتذال العادي. اللهجتان أمدت كل منهما الأخرى بقوة وبتنوع، لتشير الى هذا الانقسام العميق في الشخصيتين.
ولهذا فمن الظلم القول ان الممثلين الكبيرين فايز قزف ونضال سيجري حملا ضعف النص وعوّضا هلهلته بمهارات عالية من الأداء. فإذا كان هذا صحيحاً، فيعني أن الممثلين وقعا بدوريهما في الـ (Over) أو المبالغة، أو الانشائية الصوتية والبرانية الحركية، أو البناء القوي على ضعف. وكان من شأن ذلك أن ضرب النص ككل وكبنية، وأسقط الأداء في البهلوانية. فمن يمثل على نص فارغ أو هزيل يقع في الفراغ والهزال. وهذا ما لم نجده في أداء قزق وسيجري. بل على العكس، تمكن جواد الأسدي من تحت جسدي الممثلين، وصوتيهما، وحركاتهما، من نحته النص. وتمكن من تفجير خامات ومهارات الممثلين وتخصيب أدائهما، بتنوع مشهود، وبثراء في استنباط ما في الداخل وما في دلالات النص، لتلتقي "مخيلة" النص بامتداداتها وتفجراتها، ومخيلة الجسد بذاكرته وسرائره واحتمالاته. وهذا بالذات ما منح السينوغرافيا دلالاتها الموازية، ومشهدياتها الدرامية، وجمالياتها غير المجانية.
ذلك أن السينوغرافيا، أي سيناريو، إذا لم تستنبط من فجوات النص، ومن ثم من استجابة الاداء لها، تقع بدورها في المجانية، والخواء، فالممثل هو الذي يكسب السينوغرافيا وجودها الدرامي، وينزعها من الجمالية الخالصة الى الجمالية التي تلعب دوراً مكملاً، لمعاني النص، وعلاماته، وإيحاءاته. وهذا يعني أن العناصر الثلاثة الأساسية المكوّنة: أي النص، الاخراج، الممثل، وتالياً السينوغرافيا (فضاء الحمام، والاضاءة، والبخار الذي تحوّل دخان حرائق وموت ودم في الخارج) انصهرت وكونت ما يمكن أن نسميه البنية المتراصة للعمل. نقول بنية متراصة ولا نعني "مغلقة" بل بنية مفتوحة على تعدد الاشارات والقراءات والايحاءات والالماحات والالماعات. كل هذا يجعلنا نقول ان جواد الأسدي، في اختراقه الواقع الفاصلي للعراق، بلده ومآله، تجاوز نفسه هذه المرة، لا في الاستمرار في الشغل على المثل، ولا في قوة وشراسة تعبيره فقط، وإنما أيضاً بنص درامي حي متنوع، وبسينوغرافيا جديدة لعبت دوراً أساسياً في تكثيف المناخات والمساحات والشخصيات والحوارات. وتكاد تكون المرة الأولى التي يدخل جواد الأسدي السينوغرافيا كعنصر درامي بهذه القوة والجمالية والفاعلية والنفاذ.
مع هذا يمكن إبداء ملاحظات هامشية يمكن تداركها مستقبلاً:
1 ـ يمكن أن يستخدم فضاء الحمام بطريقة أفعل، وأكثر إيحاء. وذلك، من خلال إغنائه بمزيد من الناس والرواد، وبأكثر من الأدوات بحيث لا يختزل الموجودون بشخصيتين في هذه المساحة الواسعة، وبحيث لا تقتصر موجودات الحمام على حوض، أو بضعة آنية أو أجران... فالبخار لا يكفي لتكوين مناخات الحمامات العربية والبغدادية.
2 ـ كان يمكن استخدام أدوات سينوغرافياً أدل وأعنف في الانفجارات، بحيث لا تبدو كمجرد مفرقعات. وهنا يمكن استخدام المزيد من المؤثرات الصوتية والبصرية، وكان هذا من شأنه أن يوحي مدى الفاجعة، ومدى المقتلات والعنف التي يقولها النص، (ويقولها الواقع). طبعاً كل ذلك متعلق بدور الانتاج والميزانية والقدرة.
"حمام بغدادي" اخترق فيه كل تجاربه السابقة، سواء ما اتصل منها بالقضية الفلسطينية أو بالقضايا الانسانية أو الاجتماعية، ذلك لأنك تحس أن جواد الأسدي تحول نفسه الى جرح طازج نزف، صامتاً هنا أو مدوياً هناك، مرئياً هنا، أو مروياً هناك، على امتداد الخشبة المسرحية.
براو جواد!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.