تناولنا في الحلقة السابقة عدداً من العروض، هنا بعضها الآخر.
* * *
ـ "الباب الآخر" تأليف أمير الحناوي وإخراج عثمان فلاته. مرة أخرى تفاجئ السعودية المتفرّج العربي، (بعد مفاجأتها في المهرجان التجريبي في القاهرة)، بعمل جدي، لافت، ونافذ وقوي. هي حكاية تروي بلغة درامية متقشفة محاولات ثلاثة سجناء أو محتجزين في مكان مغلق (يمكن أن يكون سجناً أو "مستشفى" أو أي مساحة محاصرة).
وفي هذه المساحة ذات المنفذ الواحد والمسيج من الخارج، بسجان أو بحارس، سجان، لا نعرفه، ولا نتبيّن ملامحه، ولا صوته، ولا شكله، ولا هويته (باعتبار أن السجانين كلهم من هوية واحدة)، يمنع هؤلاء من الخروج، وعلى امتداد الساعة تقريباً، ينسج الكاتب علاقة تصادم ومن ثم تفاعل بين الشخصيات الثلاث المختلفة في نظرها إلى موضوع الخروج، ليصل في النهاية الى لحظة الانفجار. فبعد اجتياز حاجز الخوف، والرعب، يقرر أحدهم أن يخرج، أن يتحدى إرادة "السجان" المجهول لكنه يقتل على عتبة الخروج. بينما نجد الشخصيتين الأخريين في حالة تهيؤ لكسر الحصار والانضمام إلى الحرية والانعتاق.
مسرحية سوداوية، قاتمة، لكن فيها أيضاً بذور التمرد على إرادة السجانين. وهنا يبدو التمرد نوعاً من المواجهة اليائسة، لكنها مواجهة، وفي ذلك تراجيديتها. أن نقاوم إرادة ما، ونحن نعرف سلفاً بأن مصيرنا السقوط، أي النضال بيأس، والمواجهة بيأس. لحظات متوترة، صاخبة، حنونة، مأسوية تربط الرجال الثلاثة، والباب كمنفذ وحيد إلى الحرية (لا نوافذ، ولا حتى تلاويح خارج)، وهو الذي يجمعهم.
وفي هذه المناخات الحادة، يتحرّك الثلاثة في ديكور متقشف: منصة بطبقتين، برميل ماء، (مشجب للثياب)، حبال، مساحة فارغة. وهذا ما أعطى قوة حضور للممثلين، فالزخارف السينوغرافية، أو التقنية، وبهارجها، وسطوتها تضعف الحضور الانساني على الخشبة، وهذا ما أعطانا الشعور بأن المسرحية السعودية لم تلجأ إلا لسلطة النص، أي سلطة الممثل، أي سلطة المخرج، كأنما نجد في مهرجان دمشق تأكيداً آخر على عودة الكلام إلى المسرح العربي بعدما غيبته المبالغات الكوريغرافية والسينوغرافية على مدى العقدين السابقين.
أما الممثلون الثلاثة، فكانوا "طبيعيين" بسيطين في الأداء والحركة، بلا افتعال، ولا تصنّع. لكن وقع بعضهم أحياناً في شيء من الميلودراما. وفي شيء من "التعبير" البراني. وقد يكون ذلك عائداً إلى طبيعة النص المكتوب، الذي وإن تميّز بصراحة، وبحيوية، وبتنوّع إلا أنه عانى في بعض المواقع شيئاً من المباشرة، والتكرار... والخطابة.
الصدى والآخر
ـ "الصدى والآخر" (دفع الله جابر إخراج حاتم محمد علي، السودان). توأم ملتصق، أحدهما ملك والثاني فنان تشكيلي، قدرهما أن يكونا اثنين في واحد: السلطة والجمال. لكنهما وبرغم التصاقهما، على صراع وعلى تناحر. فالملك يريد التفرد، والانفصال، باعتبار أن توأمه الفنان بات يشكل عبئاً عليه. وهكذا يلجأ أولاً إلى الطب لإتمام عملية الفصل. فيفشل: العلاقة أقوى من الطب (!). وعندها يلجأ إلى العرّاف، والروحانيات، والغيوب، لإتمام عملية الفصل. ويفشل العرّاف. ولم يبقَ سوى القوة: تدور مبارزة بين الملتصقين، بين سلطة القوة وسلطة الجمال، لتنتصر بإذنه تعإلى قوة الجمال، هذه هي الحكاية السودانية، بتبسيط شديد وبحلول مبسطة تحل المسألة. الصراع الأزلي بين الفن والسلطة. وعلى طريقة الأفلام العربية تأتينا النهاية السعيدة بفوز "البطل". وقد لجأ المخرج حاتم محمد علي إلى أدوات محدودة ومعدودة، إخراجية وأدائية، لنقل هذا المناخ الصراعي الذي يفترض أنه مصيري وشرس.
فالفضاء المسرحي يكاد يكون خالياً. السينوغرافيا محصورة بكتل (متفرقة) تتمثل بالكرسي ورقعة شطرنج. مرسم فوقه لوحتان. فالكرسي مدار الصراع باعتباره رمز القوة، والمرسم باعتباره رمز الجمال. وبين هاتين الكتلتين يتحرّك الممثلان. ولكي يحفز الصراع لا بدّ من أنثى تتنازعها الشخصيتان وتصير محوراً من محاور التناقض. وفي الخلاصة أن العمل مبني على الثنائيات: توأم: واحدهما "شرير" وثانيهما طيب (المثقف). الكرسي مقابل المرسم. وهكذا تندلع "المعركة" بين مَنْ يجب أن نتعاطف معه، وبين مَنْ يجب ألا نتعاطف معه.
والفضاء المسرحي المقتصد الأدوات أخلى السبيل للكلام. فالمسرحية لا تنتمي إلى البهرجة البصرية والايقاعية. ولا إلى عالم التقنيات، وليس فيها من يرقص ويعبّر ليشد من أزر الفكرة. الكلام سيد الأحكام. وعليه فإن العبئ الأساسي لا بد من ان يترك على الممثلين. مسرحية حوار وممثلين. وهذا يميّز عروض المهرجان حتى الآن حيث تراجعت لغة الجماليات والتعابير الحركية ليحتل الساحة النص كبطل. والممثل كبطل منقذ. والمخرج كمدير للتحرّك.
الممثلان عبد الحكيم عامر وعوض المالك قاما، ومن ضمن الامكانيات، بجهود كثيرة لملء فراغ العناصر الغائبة. على أن أداءهما وقع في شيء من البرانية، والمبالغة، والتبهرج الميلودرامي، لكي لا ننسى الصراخ حتى الزعيق. لكن وبرغم هذا، يستمتع المشاهد بممثلين عبّرا بكثير من العفوية والطزاجة (وكانت تنقصهما الحرفة ربما) والتدفق.
العمل السوداني أهميته أنه يريد أن يقول شيئاً. وقد وصل بعضه وغاب بعضه الآخر.
حليمة
ـ "حليمة" (الأردن). قد تقول أثناء مشاهدة هذا العرض أن بعضه من "شفيقة ومتولي"، وبعضه (الفولوكلوري من بعض الرحابنة)، وبعضه الكثير كأنه مسحوب من مسلسل بدوي، وكل ذلك صحيح. فهو خلطة من عناصر بائتة لا شكل لها ولا إيقاع، ولا بناء، وبرغم أن "الحدوتة" تقليدية وتتلخص في أن "حليمة" جميلة القرية، تعجب ابن المختار، فتصده، فيلفق لها تهمة علاقة بشاب آخر فتنتصر القرية لشرفها (والشرف محور العمل)، وتعاقب الفتاة بحرقها، مما يؤدي إلى تشوهها الدائم. ثورة الشرف الدائمة لا تحقق الانتصار، كأن أطفال القرية (رجالها انحازوا إلى الشرف الرفيع) يثأرون لها، وينتصرون لها. وهكذا نجمع بين الأمل (براعم الطفولة) والمستقبل (مواجهة القوى التقليدية)، والدمع والدم والآلام. وهكذا نتفرّج قرابة ساعة على ميلودراما "هندية"، مشفوعة برقص فولكلوري، وبغناء (من الفيديو كليب أو من خزانة المسلسلات العربية)، فنؤمن الطرب والكرب والعنف والجمال... وثورة الأطفال.
هذا العمل كان يمكن تجنبه في المهرجان.
وداعاً كودو
ـ "وداعاً كودو" (اقتباس عن "في انتظار غودو" لبيكيت إخراج ابراهيم حنون، العراق)، في العنوان المعدل عن النص الأصلي البيكيتي جواب الرحيل مقابل سؤال الانتظار. فهنا نفهم أو نشعر بأن غودو إما أنه قد جاء وعرفناه ثم ودعناه أو ودعنا ورحل. أو أنه لم يجيء فتكهناه وودعنا صورته وطيفه وانتظاره ورحلناه. الاقتباس هنا أخذ كثيراً من النص الأصلي (بل معظمه)، مع أنه غيّر من أسماء وترك بعضها (بوزو ولاكي)، وحافظ على السياق العام للمسرحية.
ونص بيكيت أحد مفتتحي مسرح العبث واللامعقول (مع يونسكو ووتييه)، لا يقترح شيئاً على العالم، لا يتقدّم. ولا يتحرّك. ولا يحمل رسالة. ولا موعظة. ولا قضية. مضمونه العدم، العدم الصافي: لا معنى لأي شيء. لا جدوى من أي شيء. ولا انتظار لأي شيء. المخرج ضمّن النص البيكيتي (أو اسقط عليه) موقفاً من الحروب والخراب والعنف والدمار التي لا بد من أن تصب في فكرة اللامعقول نفسها: عبثية الحروب. لا جدواها. لكن أيضاً نزعتها التدميرية اللاانسانية. ولهذا نجد أن غودو هنا قد يكون تمثل في غيابه. في وداعه. لكن الجندي الذي يرمي أكياس الرمل أو سواه ويهيء مناخات الحرب وأدواتها، وقد مهد لها بشخصيتي بوزو ولاكي اللتين تتبادلان القمع والاستعمار، ينجح في النهاية في تسريب فكرة التنازع الحربي بين الشخصيتين، غاب الطفل الذي يأتي في مسرحية بيكيت. وحضر الجندي، وإذا عرفنا أن المعدين وربما بعض الممثلين (أو كلهم) عراقيون، يمكن عندها أن نفهم معنى إسقاط خراب الحروب على النص البيكيتي.
النص قدم بالفصحى الدرامية، وأجريت تعديلات والممثلون الخمسة، تمكنوا لا سيما في النصف الثاني من العمل، من استرداد الايقاع، والدخول، بعد مقدمات سوء تفاهم وعبث، إلى عمق المناخ، المشحون بالعنف المادي، والعبثية المادية بعدما لاحظنا الجوانب "التجريدية" (الميتافيزيقية) تتجسد في النصف الأول من العمل.
"وداعاً كودو"، يعيدنا إلى أجواء الخمسينات، والستينات لكن بنفس الحاضر، وحدته، ولا معقوليته، وجنونه... وعبثيته.
أنا أناضولي
ـ "أنا أناضولي" (إخراج نور الله تونجار، تركيا). يعتمد العرض على الحوار بشكل أساسي وكذلك على شيء من الحركة. نص حواري. والحكاية أن العثمانيين خطفوا السلطانة، الأم من البيزنطيين ونصبوها سلطانة على العثمانيين. وهذا يعني ازدواجية بين العثمانيين والبيزنطيين. ووضعت هذه السلطانة طفلاً، لكن البيزنطيين حاولوا خطف الطفل.
في وسط الخشبة ديكور يمثل شمس الهيتيت. أحياناً تغطى بالاكسسوارات العثمانية. وتجرأت أول كاتبة على إزالة الاكسسوارات العثمانية وجعلتها شمساً. وهذا يعني أن تركيا تحوّلت جمهورية تركية...
"أنا أناضولي" عمل محكم ممسوك. مشغول ولو بدا طويلاً... والتميّز الأساسي في هذا العرض أنه مسرح ممثلين بحرفة عالية، وبتمكن، وبقدرة على تجسيد مجمل الأدوار. لعبة الحكاية، ولعبة الحوار. والسرد. والقول. وحتى الارتجال. والحركة. والتعبير، كلها جاءت مضبوطة، محكمة... ومرصودة بدقة متناهية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.