8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مهرجان دمشق المسرحي الثاني عشر:

يمكن القول ان انطلاق العروض في مهرجان دمشق المسرحي الثاني عشر، بعد حفل الافتتاح وتكريم عدد من المبدعين السوريين، يبدو ملبياً لكثير من التفاؤل، على مستوى الاقبال الكثيف للجمهور في المسارح الثلاثة "8 آذار" و"الحمراء" و"القباني"، وعلى مستوى ما قدم، وسنتوقف هنا عند ثلاثة عروض (من ستة) قدمت: سوري، أردني، تونسي ـ عماني.
ـ "شوباش" (تأليف وإخراج هشام كفارنة، سوريا). كأنها مسرحية الثنائيات المتواكبة أو المتصادمة أو حتى المتحاورة والمتساجلة. الشيء ونقيضه أو وخلافه. بل الشيء هو نقيضه. بذرة حياته وموته معاً. الموت والحياة. الحب والغدر. التضحية والتخلي. الروحانية والمادية. الولادة والنهاية. الرحيل والعودة. هكذا نمشي مع مسرحية كفارنة بحيوية الثنائيات وبقوة التناقضات. وربما قد يتجاوز شكلاً مسألة "الثنائيات"، هي التداعي لثلاث لحظات، أو لثلاث مرويات تتآزر. أو تتابع. أو تتراوح. بين عشق وخيانة. بين عشق وإخلاص. بين جدة تروي، وروايات تتقطع. مناخ من الحدة الواقعية والرحابة الطقوسية. كثير من الواقع وكثير من "بعد الواقع". كأنها اللعبة الأبدية تتكرر بمواربة هنا وبمباشرة هناك. وهكذا، تالياً، يجمع كفارنة من المناخات الثنائية أو الايقاعات المتعددة، نظيرها في اللغة. وفي التعبير. من أقصى الحالات الطقوسية التطهيرية أو التعبيرية أو الارثية، كمجال لتخصيب اللاوعي الجماعي، أو الطاقات (الدينية ـ الاجتماعية) الكامنة.
تذكير بشيء من غروتوفسكي، وبشيء من آرطو ونعني بأشياء من الموروث الثقافي في هذه المنطقة. لكنها لا تقع في الميراثية. ولافي الماضوية. ولا في "أيديولوجيا" كتابية أو حتى اخراجية. حيوية الطقوس (التكرار) واحتفاليتها، مقابل عري الواقع المعيش بهمومه. وكأن هذه التفاعلية الطقوسية ـ الواقعية ـ السياسية تكون المنتوج التراجيدي. أو قمة تمازج هذه الكيميائيات الماورائية والتاريخية والمادية. وكان على كفارنة أن يلعب لعبة التقطيع السريع. واستغلال الفضاءات المسرحية. من زواياها وخلفياتها ومنصاتها الامامية بجماليات هذه المعطيات، فكانت السينوغرافيا (نعمان جود) طالعة من صميم النص، لكن أيضاً مكونة نصها الخاص. (أو حوارها)، لا لتفسّر ما قيل أو ما سيقال، وما استبطن أو ما سيستبطن، بل لتكون مساحة معوانة بجمالياتها (الدرامية) للإيحاء باللامكتوب. أو على الأقل الإيحاء بمدلولات الكلام والصمت.
ومن هذه "الجدلية" بين العناصر، كان على الممثلين لا سيما جيانا عيد، وعبد الرحمن أبو القاسم وزياد سعد، وحنان شقير، وعلي القاسم ونضال حمادي وحسان عمران، أن يكونوا كوكبة أو عناصر متآلفة، ومتنوعة الأداء. ولكن، على ما في هذا التآلف المتنوع من صوغ للحركة العمومية، فقد شابتها فجوات إيقاعية، وشيء من الميلودراما، والمبالغة، والتكرار أضعفت التتويج التراجيدي الذي كان من المتوقع أن يتفجر في النهاية.
مصابة بالوضوح
ـ "مصابة بالوضوح"، (نص وإخراج سوسن دروزه، الأردن)، قد تكون هذه المونودراما من أجمل المونودرامات العربية، ومن أنضجها وأقواها. امرأة بوجوه متعددة. بأجساد متعددة. بتواريخ متعددة. بهزائم متعددة. باستلابات متعددة. وبعزلات متعددة. هكذا أمام امرأة في غرفة. من ذاكرة مؤجلة ـ حاضرة، ومن حاضر هش. الكاميرا ذاكرتها. وصورتها. ومرآتها. وقرينها. كأنها أمام شخصية تزدوج بآلتها، ذاكرتها، ازدواجها بخيباتها وآمالها؛ هذه المرأة المنسابة في لعبة "الأنوثة" والعصر، والاستهلاك، والحياة، قد لا تلمح فيها كثيراً لا من انطيفون ولا من ميديا... لكن، لو تمعنت لاكتشفت، وراء الصباغ والملابس (رمز الهشاشة)، وراء الكاميرا (ضمير الذاكرة)، كثيراً من هذا الرفض المعلن (أو غير المعلن)، سواء في تراجيديا الحروب والقتل، أو في تراجيديا الشهادة، أو في تراجيديا العبث. في هذه المتواليات (المتشظية)، وعلى مساحة من سينوغرافيا متقشفة (إيحائية)، تتحرك ساندرا ماضي على مدى ساعة كما تتحرك ممثلة كبيرة، ناضجة، ممتلكة أدواتها، وليونتها الجسدية، والتعبيرية، وحركاتها. تمثلت كل تلك الحالات والالتباسات لامرأة، بانسياب هنا، وبقطع هناك، بمرارة هنا، وبرحابة هناك، بداخلية مستبطنة، وبتفجر صاخب. لم تترك الخشية على مدى 60 دقيقة. وعبأتها. بكل زواياها. وكانت تعرف كيف تكسر الدراما لكي لا تقع في الميلودراما. وكيف تكسر الضحكة فلا تقع في "السهولة"، وكيف تقطع الحركات، الى متنوعاتها واحتمالاتها، لتتجنب الرتابة أو التنميط.
عمل ممتع قدمته سوسن دروزه وأدّته ساندرا ماضي، بدون مبالغة، ولا تبجح، ولا ادعاء.
وقائع حرب لم تقع
ـ "وقائع حرب لم تقع" (نص محمود الهاجري، إخراج نبيل ميهوب، تونس).
لا نعرف لماذا يجب أن تمثل تونس والتي تمثل جزءاً كبيراً من الحيوية المسرحية والتجريبية العربية الحديثة، هذا العمل الذي يمكن توصيفه بأكثر من رديء. وهنا تتجاوز غياب النص. وغياب الإخراج. وضعف الأداء الى الذهنية المتخلفة التي قاربت الموروث لا سيما الحملة الصليبية على القاهرة وصولاً الى تونس عام 1270، حيث مني الملك لويس التاسع، قائد الحملة، بهزيمة. ولا ننسى في هذه المقاربة إسقاطات كل الوضع الراهن. "الصليبية" الغربية المتمثلة بأميركا وإسرائيل في العراق وفلسطين وبيروت والقاهرة. هذه الذهنية المتخلفة التي عولجت بها مسألة "الاستعمار" وغزواته، تدل على أن الفريق التونسي ما يزال يعيش في ذهنية القرون السوالف، بعيداً عما يجري حوله، بل بعيداً عن جغرافية العالم العربي وشرائحه السياسية والدينية.
مسرحية كان يمكن أن نتجنب حضورها ونربح كثيراً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00