8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

افتتاح أيام قرطاج المسرحية في تونس

افتتح مساء أمس أيام قرطاج المسرحية كعادتها منذ تأسيس المهرجان، في المسرح الوطني في العاصمة التونسية، بكلمة لوزير الثقافة، وأخرى لرئيس المهرجان الأسعد الجموسي، هذه التظاهرة المسرحية ما زالت رغم كل الظروف التي نتجت عن الربيع التونسي – العربي، محتفظة بوهجها، وبكثافة عروضها التونسية والعربية والدولية، على امتداد نحو أسبوعين بدأت في صفاقس (كعاصمة عربية) وتستمر حتى السابع والعشرين في المسارح التونسية. وتضم نحو 66 عملاً متنوعاً في معالجاته التجريبية والكلاسيكية، ليقدم بعضها شهادات عن مآلات الربيع العربي، في البلد المضيف، وفي الأقطار العربية الأخرى، في تحولاته الدراماتيكية. ويتساءل المتفرج، من خلال ما سيقدم من أعمال، عمّا أصاب المسرح من إيجابيات أو سواها، سواء في تراكماته التاريخية، أو في ظروفه الراهنة. أين صار المسرح العربي؟ ماذا حلّ بفضاءاته وأمكنته وجمهوره، وما طبيعة هواجسه وتقنياته وكتابه ومخرجيه، برؤاهم ومواقفهم وأساليبهم؟ هل أثّر الربيع العربي، بمنزلقاته، على حركة أفكارهم، وأسئلتهم، وانعكاساتها على ممارساتهم، أم أن الأمور ما زالت ثابتة في ما كانت عليه قبل تلك الظواهر الجديدة، التي يجتاحها العنف والخراب، والتدمير، وتهديد الأمة العربية، بكينوناتها، وماضيها وارثها، وحاضرها، بدولها وشعوبها!
هذا ما سنحاول تبيانه في قراءاتنا للعروض لاحقاً لكن المهرجان الذي يفتتح غداً، بدأ في صفاقس، خصوصاً في الندوة الفكرية ذات العنوان التجديد في المسرح العربي، ورهاناته على الحاضر والمستقبل، واشترك فيها عدد من أهل المسرح والنقاد والكتّاب.
كما بدأ في تلك المدينة الرائعة، الجميلة، الأثرية، البحرية تقديم بعض العروض من خلال مهرجان آخر متوأم مع المهرجان الأم، من عدد من البلدان العربية.
امتدت الندوة ثلاثة أيام من 15 تشرين الثاني إلى السابع عشر منه، وشارك فيها نحو 17 متدخلاً بأوراقهم، تحت العنوان المذكور:
الجلسة الأولى أدارها بول شاوول وشارك فيها الأسعد الجموسي (تونس) وجميلة مصطفى الزقاي (الجزائر). الجلسة الثانية أدارتها جميلة الزقاي، ومداخلتان لميسون العلي (سوريا)، وحافظ الخديدي (تونس).
الثالثة أدارها حافظ الحديدي، ومداخلتان لنوال بن ابراهيم (المغرب)، وأخرى لهند سلامة (مصر)، وثالثة لعصام أبو القاسم (السودان).
الرابعة أدارها عصام أبو القاسم واشترك فيها عصام نجاتي (مصر) وفضل الله أحمد عبدالله (السودان)، ومظفر كاظم جلود (الإمارات)، الخامسة أدارها خالد الغريبي، والمداخلات لبول شاوول (لبنان) وزيد سالم (العراق).
أما الجلسة السادسة والأخيرة فأدارها مظفر كاظم جلود ومداخلتان لمحمد حسين حبيب (العراق)...
قدمت، كتمهيد لأعمال المهرجان في العاصمة التونسية، مسرحيات عدة في صفاقس: بين البينين (تونس)، ومكمل نقص (تونس)، ونظرة على العالم (ألمانيا)، والنافذة (سوريا)، وعنبرة (لبنان)، وزي الناس (مصر)، والرخ (الأردن)، وحروب (العراق).
عنبرة (كتابة وإخراج عليه الخالدي، دراماتورجيا نورا السقاف)، سبق أن قدمت في بيروت ونالت نجاحاً مميزاً. إنها المسرحية تجمع بين الوثائقي والدرامي، في معالجة سيرة أحد رموز التحرر الوطني والمرأة عنبرة، اللبنانية الأولى التي رمت الحجاب، بكل شجاعة في بداية القرن الماضي لتلاقي المناضلة المصرية الأخرى هدى الشعراوي التي أقدمت على هذه الخطوة الجريئة في ذلك الزمان المحافظ.
إنها بيروت في بدايات القرن العشرين التي كانت كسواها من الولايات العربية تحت حكم الأتراك العثمانيين، وكان بعض العرب قد بدأ يطالب بالاستقلال عن الدولة العثمانية، وكان من أولى خطوات تلك الحركة التحررية المؤتمر الذي عقده عدد من الزعماء العرب في باريس عام 1913، للتداول في حال الواقع العربي. وفي عام 1914 نشبت الحرب العالمية الأولى تلك التي واكبتها مجاعات وكوارث وإعدامات ارتكبها السفاح جمال باشا لإخماد تلك الثورات المتأججة...
في هذه اللحظة التاريخية الفاصلة برزت عنبرة بنت عائلة سلام العائلة السنية العريقة، والتي ستكون تلك الراية الخفاقة لتحرير المرأة بعدما تعلمت على يد العلامة الشيخ عبدالله البستاني وتغذت من كتب قاسم أمين، ومحمد عبده، والأفغاني!
بدأت عنبرة مبكرة في الشعور بواجب التحرر من الإلزامات الاجتماعية المحافظة، وتبقى الطقوس الدينية كالحجاب، لتطالب بمساواة المرأة بالرجل، وحقوق المرأة اللبنانية والعربية...
من هذه الظروف العائلية الخاصة بعنبرة، والظروف المحيطة بها، والمتمثلة بالحكم الذاتي، استمدت علية الخالدي مادتها الوثائقية، والأرشيفية، لتروي حياة المناضلة من طفولتها في بيتها، إلى مراحلها الأخرى، وقد عرفت عبر الدراماتورجيا، في مزج السيرة الموثقة بالدراما المسرحية، أي مسرحة كل هذه المعلومات، والتفاصيل المتدرجة، والشخصيات الحقيقية المسماة بأسمائها، عبر سياقاتها النفسية، والاجتماعية، والعمومية. فهي أكثر من عمل توثيقي، يتمسك بما حدد له، ليدخل إلى عمق شخصياتها، وتناقضاتها، واعتمالاتها، وتمزقاتها، ومساراتها. وقد خاضت تجربة مسرحة التوثيق بوسيلتين: الشاشات والصور، واللقطات السينمائية، فإلى الظل، (من خلف تظليل الشخصيات أحياناً بما يشبه الالتباس)، والتعامل مع الشخصيات، عبر إدارتها على الخشبة. إذاً مستويان: تقني و(تكنولوجي) يخدم تصوير العادات في تلك المرحلة، وبعض الشخصيات، من خلال توليفات صورية، وامتزاجات في القسمات والملامح، وآخر الشخصيات الحية، التي تتحرك بين ديكور متقشف (منزل آل سلام)؛ التحدي الأساسي كان في اقتراح المسار التمثيلي، بالميكساج التقني – الفوتوغرافي – السينمائي. وقد نجحت علية وإلى حد كبير في توحيد الوسيلتين، فلا تطغى واحدة على الأخرى، بل لتستغل هذه التقنيات للإضاءة على الشخصيات، خصوصاً لإمداد الإيقاع المسرحي بحيوية وزخم. من هنا بدا الإيقاع مشدوداً، (وإن كل بعض الفجوات)، وبدت حركة الممثلين أكثر تحرراً، مستندة إلى ما يساعدها من أراشيف، وأغنيات وموسيقى...
وقد نجح الممثلون في تجسيد ما كان عليهم تجسيده مثل نزهة حرب وسهى نادر وفادية تنير وهاني الهندي ونجوى قندقجي وعبدالرحيم العوجي ودانا ضيا وعمر الجباعي وزياد شكرون.
النافذة
النافذة (سوريا)، عمل بشخصيتين الزوج والزوجة في منزل على ديكورات تخدم النص وتحولاته، ومناخات تتنفس الانتظار... انتظار العلامة، الضوء، والزوج يجلس تقريباً على امتداد العرض في كرسي وضع في مقدمة الخشبة، وهو ثابت في جلسته، وفي نظرته، (منذ سبعة أيام)، يوجه نظره نحو المبنى الآخر المقابل لينتظر أن يرى من جديد ضوءاً سبق أن المتع ثم انطفأ.
هذا الضوء وتمسك الرجل بموقفه، وصبره، وصمته، وإهماله كل ما يدور حوله، في تركيزه على تلك النقطة في إحدى نوافذ المباني المقابلة. الزوجة، شخصية أخرى، آلمتها وأزعجتها جلسة زوجها الأبدية وهو ينظر إلى فراغ خلفه شيء ما. فالضوء يستنبت توترات بين زوجين، الزوجة تريد أن تعيد زوجها إلى صوابه، واهتماماتها، وطبيعته، والزوج على عناده. هنا المرتكز، أو الاختلاف: الزوج ترك كل ما حوله، والزوجة تريد أن تعود وزوجها إلى حياتهما السابقة: السهر، الفرح، الخروج إلى الأصدقاء... لكن، في النهاية، التمع الضوء ثانية، هنا يتزحزح الرجل، وكأنما ما كان ينتظره قد جاء: ربما الأمل، بوادره... لكن ليس من داخله بل من الآخر المجهول هناك. كأن العمل هو انتظار ذلك الآخر ليحقق أملاً، أو حقيقة منتظرة. النهاية سعيدة! ربما! لكن المفارقة، بعدما كانت الزوجة تسعى بكل الطرق لإزاحة زوجها عن كرسي الانتظار ها هي تستمر فيها، متخذة الجلسة ذاتها والنظرة ذاتها إلى ذلك المكان المجهول ليلتمع ضوء ما... ربما هو الأمل... وربما شيء آخر.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00