يعتبر الشاعر الأميركي كينيث ريكروث (1905 1982) من أكبر شعراء الحب في القرن العشرين، وأكبر شاعر أميركي في الطبيعة كما يقول الباحث هايدن كاروت، وأكثر الشعراء الأميركيين رواجاً وأكثرهم تعقيداً في آن معاً بالنسبة للباحث براد فورد مورو، وأحد مبدعي ثقافة الساحل الغربي بالنسبة لروبرت هاس وأبو الشعر الفرانسيسكاني بالنسبة لشاعر البيت الأميركي جاك كرواك صاحب المتشردون السماويون.
صدرت له ترجمة فرنسية (مقابل النص الإنكليزي)، وآخرها الخريف في كاليفورنيا من 30 قصيدة (بالفرنسية والإنكليزية)، كما ترجم لنحو ثلاثين لغة أخرى.
اخترنا هنا مجموعة من قصائد الكتاب معتمدين اللغتين الإنكليزية الأصلية والترجمة الفرنسية.
[ الخريف في كاليفورنيا
كينيث ريكروث
خريف كاليفورنيا هو فصل
طري ومجهول، بهضاب وأودية
بلا لون. وحدها الأوكالبتوس بخضرتها الداكنة
أشجار الصنوبر والسنديان تغرق في الضباب!
الحقول محروثة، عارية، شاغرة.
المواشي تدوس حقول المنحدرات
الأزهار ماتت، والنبات ذابل.
كل ليلة، على طول الساحل، وعلى قمم الجبال
تعبر الطيور، الهامسة، عالياً في فتور السماء.
وحدها على مستوى الهضاب تلمع أشجار
كأسماك حمراء وذهبية في المياه الحية.
وحدها في قرى الصحراء تدور أوراق الصفصاف في الهواء المدخن.
مرة أخرى تائهاً في عذوبة المساء
أهتف لقلبي بأن يعود الى رشده
وإلى عقلي الصدئ بالشغف.
ولن يكون عليّ سوى التفكير بإحلامي، وبالحب والموت،
والجمال الذي يهرب من الزمن كدم يسيل،
بعزلتي في العالم، وسط صور لنساء جميلات والنجوم.
لكنني سمعت الساعة في برشلونة فجراً
وترن صفارات الإنذار ظهراً في نانكين.
سمعت هدير الطائرات المقاتلة
ودويّها عالياً في الهواء،
هدير القصف الأصم وطلقات المدافع
المضادة للطائرات السريعة،
في قنبلة على نانكن،
رأيت امرأة فتية، ذات وجه قمري، تُهرَع في الشارع
تاركة وراءها كيس رز وأولادها يعُولون
هامسة سُباباً وهي تنظر الى السماء.
وبعدها مباشرة تنفجر ككيس من الماء
بينما، وفي غيمة من دخان وغبار
تنهار الجدران ببطء عليها.
أسمع أصوات أصوات
شابين متوترين ومهتاجين في
غرفة مغلقة في مدريد، تناقشا طيلة الليلة السابقة حول الأسماك النهرية في البيرينه،
وحول (سبينوزا)، وليالي
الأعياد السالفة، والخمور
ونساء كادوا يحصلون عليهن، أو حصلوا أو بالكاد،
عن بيكاسو، فيلاسكيز، والنسبية.
مشاعل تحمر، أضواء زرقاء
تتسرب عبر شقوق النوافذ، وعمليات
النهب تستأنف، وكأنها لم تتوقف.
ريح الصباح الباردة محملة بالغبار
إجازتهم انتهت. جنود الصدمة ربما
لن يلتقوا من جديد أبداً. الضوء الباهت
يفشل.
وفي انقشاع غير شخصية، الأزياء المرقعة،
الكتاب الموسوم بـالإمبريالية للينين،
جعبة الخرطوش مليئة، الغراب وعقب المسدس الأسود
يطلع القمر متأخراً على جبل ديابلو،
كبيراً، بدراً، وحاراً، تبتعد الريح،
ضباب أشقر آتٍ من المستنقعات يغطي الجون
من جديد.
وفي الأجواء، تسمع فجأة صراخ الطيور
قوياً، متوتراً، متوحشاً.
[ ربيع آخر
تدور الفصول وتعبر السنون
بلا طلب مساعدة أو رقابة،
يتحرك القمر من دون قصد
في مداره: مليئاً، صاعداً، ومليئاً من جديد.
القمر الأبيض يدخل الى قلب النهر؛
يخترق الهواء عطر أزالية؛
في عمق العتمة تنفصل ثمرة صنوبر؛
نار معسكرنا تموت بين الجبال الصحراوية.
النجوم الرهيفة ترقص تحت النبات المرتعش؛
البحيرة سوداء، لا تسبر في الظلمات البلورية؛
عالياً في السماء، رأس شفاف لقمة مثلجة
يفصل نصفين الكورون بوريال.
فيا قلب، يا قلب وبطريقة فريدة
عنيد وفاسد،
ها نحن نهلل تحت النجوم على ضفة البحيرة
وهذه اللحظات التي ما كان لها أن تنهي
تجري حولنا غير مبالية كالماء.
[ بين حربين
أتتذكر ذلك الفطور في تشرين الثاني
العنب الأسود الطازج الذي لما يزلْ
يفوح برائحة مغلف النيلن،
الأرغفة الصغيرة البيضاء الساخنة،
الشوكولا السميك بطعم العسل؛
وحفلاتنا الليلية: الجين ورقصات التانغو؛
وشبكات الشعور المنبوشة، أزرار
القميص الضائعة؛
أين صارت
الفتيات الرائعات، الساعات المهملة؟
قالوا لنا أنكم ضائعون، غير واعين، غير أخلاقيين،
وأنتم تنتهكون مخططات السلطة.
واليوم، والملايين والملايين يُدفنون أحياء
في مقابر المناسبات
يطبلّون على شواهد قبورهم، يختبئون في كهوف الأنقاض
يتشاجرون فوق أجسامهم المقطعة
[ تمارين صباحية مبكرة جداً
شانغ يوين على عتبة مهنة لامعة
موظف ثانوي في نانكين
ومع ذلك فهو يتردد الى الأوساط الرفيعة في المدينة.
فقد تُنبئ له بمستقبل كبير،
لكنه مصاب بمزاج الأدب.
يعمل بلا رغبة ويعيش في الليل.
يتمنى أن يكون في زمن أهدأ؛
يتمنى أن ينسحب من العالم؛
يبحث عما يُسمّى التآلف الاجتماعي؛
يتطلع الى أن يعيش ثقافة أكثر إيجابية.
نشر باسم مستعار دراسة علمية
حول دقة Shinto باعتباره
محدداً ثقافياً لا أدرياً
حالياً، يؤمن بأن، الكوكب هو على عتبة
نهضة روحية كبرى
معجب كثيراً برامبو، وبرتراند راسل وتوفو.
يحلم بالإقامة في باريس
يعبر الجسر القريب من مصانع نسيج الوحي الإلهي
المبنى يهتز كلّه جراء ضجيج الآلات.
أضواء النوافذ الخضراء
تلتمع أمام المارة.
حمالون يدخلون ويخرجون تحت سقائف واسعة.
مقابل الحاجز، في أسمال رثة،
وجوه تلمع.
يتوقف شانغ يوين على الجسر ويتلو:
المحظيات الإمبريالية
ترقصن متسربلات بوشاح شفاف
أسفل مبنى الفونيكس الأرجواني مساء
يحلم بالفتيات اللواتي يمكن شراؤهن بعشرة دولارات
عندما يسود الجوع في شانتنغ.
يردد بصوت عال:
كان الحر شديداً في الوادي
على الرغم من غياب الشمس منذ مدة طويلة.
يرد على ابن وون، وهو صديق مهم له؛
في الرابعة عشرة من سِنّهِ ويتسكع في ليالي شنغهاي،
متبرج الخدين، في شوارع حي الإنترناسيونال.
يقرر أن يتعاطى أفيونة بجدية أكبر،
أزهار الإجاص تتساقط في الضباب.
المد يرفع النهر.
النهار يبزغ في نهاية الشوارع.
[ بهدوء
ممدوداً بهدوء قربك
خدي على ساقيك الصلبتين، أشياء هادئة
موسيقى بوشيريني الساكنة
غارقين في الصمت
بينما تغادر الشمس السطوح
وتقترب من الباسفيك رائقة
رائقة الشمس التي تبتعد عنّا،
رائقة الشمس، كما هي حال الشمس دائماً
رائقة أجسادنا التي اتبعتها
هنيهات الحب وعذاباته، عقولنا
الملتفة، هانئة في قوقعتها، نائمة،
قلوبنا البطيئة، هادئة، واثقة
تقرع بالإيقاع ذاته، نبض
ساقيك يدغدغ خدي بهدوء.
[ شيئاً فشيئاً
كنا ننام عاريين
فوق الأغطية عندما مسّنا
البرد زحفنا تحت الشراشف الحارة
وتضاجعنا
في الصبح قلت
أثلجت هذه الليلة على الجبل.
عالياً على السقف البركاني الأزرق الأسود
بقع ثلج خفيفة برتقالية
في الفجر المحمر
أجبت
تمطر منذ أشهر
في كل مكان من كندا في ألاسكا
على مينوسوتا في ميشيغين
في هذه الثانية تمطر ثلجاً ذائباً
على شوارع شيكاغو
شيئاً فشيئاً نعيد صنع العالم
حتى في المكسيك حتى من أجلنا.
[ جامدان على النهر
تسود العزلة حولنا
متمددين، مُهملين، مرهقين
تشدنا العزلة، برفق، بكفها الحارة.
سلحفاة تنزلق في الماء
جلبة خفيفة لفقاعة تنفجر
كل شيء ساكن، عدا بعيداً أحاديث الأوراق
المشوقة الجامدة لأشجار الحور والجميز، ومتباعد،
ووحيد ومتأمل صوت ضفدعة؛
أدير عيني عن وجهك المنتشي
وأنظر الى الشمس الغاربة
ترمي السمت الواسع الصافي
بنجوم ذهبية دقيقة.
تفتحين العينين، تديرين الرأس.
شفتاك على كتفي.
أحس بموجة ذابلة تسري في جسمك.
فجأة تبتسمين بَسمةً صافية
مثل مزمار فرح
وبقفزة تغوصين في الماء.
عصفور أبيض يرتفع
ويطير بعيداً، بينما يهتز مركبنا،
منتشياً في دواماته
بعرْيَك المبتهج
[ بطاقة عيد ميلاد لجيرالدين يوديل
ازهار البراري، أقمار الخريف الواسعة
أتعود إلى الموسم؟
دبس، بيركمان، لاركان، هايدور، مانث الآن.
الفتيات أدكهن الكِبَر
الكثير أفلت مني، آو كَمَن في ذاكرتي يئن
كالرعد المدوي الذي ايقظني
وتأملت المدينة في الخارج
التي تلمع في الضوء البنفسجي تحت المطر المتموج.
العواصف حاملات الصاعقة نادرة هنا
في هذا المناخ الممتاز احصائياً.
فقدت الاوكاليبتوس أوراقها،
انصفقت الابواب، والنوافذ تكسرت،
البحر حطم سدوده،
وحيداً في سريري الضيق
كنت أحلم بالأيام الخوالي، ما بين الحربين، مفعمة بالآمال،
أعياد عامرة بالبهجة، أعياد جامحة
نظرات عامرة بالبهجة، شفاه جامحة
والآن نظرات مطفئة، شفاه مقطبة
كم خانت الأعياد أجواءها
أفكر فيكي في Gas
البطلة قبل الانفجار
أو غاضبة، بيضاء، باردة
عندما كنا نناقش كتاب ساشا التراجيدي.
هنا في هذه الليلة المقفرة
اشعل مصباحي وأدُبُّ نحو قلمي ودفتري.
مليون نائم يتقلب،
تمطر قنابل في أحلامهم. تبتعد العاصفة
هادرة على الهضاب.
تدور الرياح، آخذة رائحة المحيط
الباردة، العضوية، وهو يعلو.
[Martial X11,L11
هذا أنا حبيبك كينيث ياماري،
والذي ذات يوم سيصير
جزءاً من التراب! الذي عقد لك بالورد
تيجاناً من الأغنيات!
والذي لم يكن صوته شهرة
لمواجهة اخطاء زمنه.
بريق، سيروي في الجحيم قصتك
على مسمع هيلين الساحرة،
افراحنا وغيرتنا، شجاراتنا ورحلاتنا،
التي على عكسها تنتهي بالقُبَل.
زوجها سيضحك من باريس الطائئش
عندما يسمع قصة حبنا العذب.
لور وبير ترارك، وولر وعشيقته روز
دانتي المُغَمّ وبياتريس المتوهجة
غاتويل وليسبي، كل العشاق المشهورين،
الشفّافين، يداً بيد، يصغون الينا،
رعشة أخيرة تسري في اجسامهم المَظلّة
وعندما ارحب بك في النهاية هناك
سينشر اسمك ذكرى الاحياء
على شفاه الذي وافوا الموت.
ستعرفين صدقي عندما ترين الثلوج
تذوب على قبري، ورفاقي البردانين النائمين
يغيرون امكنتهم تحت الأرض، ليدفئوا
هياكلهم بعد رمادي الذي بقي ملتهباً.
[Cinque terre
صوت يجهش على الرمل الملون
حيث تركض الجياد المتعددة اللون
عبر الأمواج المضطربة
وجدنا في العالم
حيث تتحرك الأشجان كمحيط
الحب الضائع
تحت نجمة الصباح
التي تسقط من السماء
في الماء الشاحب الأعمى
بينما نمارس الحب
عند اقصى الجرف
حيث ينتهي الكرم
مقابل اطراف اشجار زيتون
قديمة ومذهبة.
[ إلى اندريه
(توفيت في تشرين الأول 1940)
مرة أخرى، الأغصان الرخامية برماد شجرة الكستناء الهندية
تشع بنجوم الزمرد،
وبنات الممغت تتحصن في الدخان الوردي
بأزراره التي لا تحصى
اعرف ان الربيع، ومن جديد، وكعادته
مشرق، وصوت السمنة المختبئ كذلك
عذب، والشمس على حيويتها.
لكنها دروب الغابات التي كنا نمشيها
معاً، على امتداد هذه سنوات عشر معاً،
كنا نعتقد بأنها هذه السنوات لن تكون لها نهاية،
لكنها كلها ذهبت الآن، والايام التي كنا نظن
انها لن تأتي أبدا ها هي هنا
ترويتات فضية على طول الماء
آثار الراتون - الغاسل على الشاطئ
وطير الواق الذي يزأر في البعيد -
رمادك المنثور في هذه الجبال
حمله التيار نحو البحر.
[Sotto portico sam zaccaria
تمطر على المدينة
كما تمطر على قصائدي
تحت الرعد
جسدانا مثل قطع البازل
السحرية
اثنتا عشرة عاصفة تطرد النوارس من السماء
وتشد الستائر
والبروق تتمرأى
على نهديك المبللين بالعرق
وجهك يهتز في العتمة
والريح تقرقع كجيش
يزيح قصباً ذابلاً
نمدد جسدينا المكسورين تحت النافذة
واشتم عطر حشيش
يفوح في رائحة البندقية الانثوية.
[ بروفانس العالية
كل مساء في السابعة
نلتقي تحت طيران السنونو
تحت ظل أشجار الدلب الكثيفة
على شرفة المقهى ذاته
على شارع صغير من العشب والحصى
المحاط ببيوت من الحجارة الشقراء
حيث يتكلم ماء ينبوع
بصوت منخفض لغة
سكان مركز الارض
دخان وردي وأخضر مذهب وأزرق
وذرارات أشجار وزيتون واعداد الكرمة








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.