8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مختارات من شاعر المنافي والسجون ومقاوم الطغاة والفاشيين ناظم حكمت

قصائد غنائية
[ مثل كيريم
الهواء ثقيل كالرصاص
اصرخ، اصرخ، اصرخ،
اهرعوا بسرعة
فأنا أدعوكم لإذابة الرصاص
قال لي:
انت تشتعل بصوتك الخاص
ورماداً تصير
ومثل كيريم تفنى.


بؤس كثير
وقلة
منهم أصدقاء


أذن القلوب
صماء
الهواء ثقيل كالرصاص
وأنا قلت له:
فلأحترق،
وإذا لم أحترق
واذا لم نحترق
كيف، تقود العتمات
الى الضوء...
الهواء ثقيل بالوعود كالأرض.
الهواء ثقيل كالرصاص
اصرخ، اصرخ، اصرخ.

اهرعوا،
أنا أدعوكم
لنذيب
الرصاص.
(أيار 1934 )

[ يوم الأحد
اليوم هو الأحد.
للمرة الأولى اليوم
تركوني أخرج الى الشمس،
وأنا
للمرة الأولى في حياتي
اندهش أن تكون بعيدة الى هذا الحد
وان تكون بهذه الزرقة
وبهذا الاتساع
نظرت الى السماء من دون أن أتحرك
ثم جلست على الأرض، باحترام.
استندت الى الجدار الأبيض.
في هذه اللحظة، لا مجال للتفكير.
في هذه اللحظة لا معارك، لا حرية، لا امرأة
الأرض، الشمس وأنا.
أنا سعيد.
(1938)

من سجن بورسا
[ ريح الجنوب

بوابة
كم من ملايين الأطنان يمكن
أن تزن المياه تمور في عرض البحر؟
على الموجة الأكثر وحدة
علبة كونسرف فارغة تسبح...

-
مضى شهر والليالي تمر هكذا
في السجن:
هررة في الحرارة
ـ قوادم مبللة
وَبَر منتصب
وآثار عضات على العنق
تتشرد
مطلقة أحياناً صرخات طير
وأحياناً صرخات انسانية
حتى اليوم التي تجد نفسها مليئة.
قريباً الربيع
الريح تهب من الجنوب

بأي حمية
وبأي حرارة..
نحن الستة مئة رجل
محرومون من النساء
سرقوا منا
حق الانجاب
قدرتي الرائعة ممنوعة عليّ:
منحُ حياةٍ جديدة
قهر الموت في رحم خصبة،
للمشاركة في الخلق معك، يا حبيبتي،
حُرِّم علي أن ألمس الجسد...
قريباً الربيع..
العاصفة
ريح الجنوب
تهب وبأي حمية
وبأي حرارة..
ومن جديد زجاج مكسور في مكان ما..
(انه الثالث هذه الليلة)
باب الزنزانة يجب أن يبقى مفتوحاً
وكم يصطفق
وكم يُحدث ضجة...

-2
على جبهة تبدين جثة
يغطيها الثلح شيئاً فشيئاً،
طارت حقيبتها
تتدحرج... تدفعها الريح.

-3
في بهو المصنع
في طرف سلك نحيف
ضوء مصباح
يتأرجح من هنا وهناك.
امرأة
العنق عارية
الشعر طويل وتنورتها في الريح
على باب المعمل...
الريح تخبط خشبة ضخمة
ومن الافريز
تسقط كتلة زجاج...
لا ضوء قمر
لكنه وسفا الحور الدقيقة
تسبح في الضوء.
وأشجار الكستناء
ذات الجذوع السميكة والفروع الضخمة
لا تتأرجح
لا
لكن تبدو وكأنها تُغير برفق مكانَها
تمضي الى اللانهائي
تحت أنوار النجوم
هذه الأغصان العارية من الأوراق
مع ذلك تفوح في الهواء
رائحة انثوية
وحرارة المبيض المخصبة...
في الجبال ذوبان الثلوج
يطلع النسغ
الى الأغصان العارية من الأوراق
ضخمة.
الجبل.
قريباً الربيع
ويأتي في وقته،
مرعباً
جميلاً
وحاراً
الولادة...
(23 كانون الثاني 1941)
[شعور غريب
شجرة الاجاص في دمشق
مزهرة
شجرة المشمش تزهر أولاً
شجرة الإجاص في دمشق أخيراً.

يا حبيبتي
فلنركع
على العشب
وجهاً لوجه.
الهواء مضيء ومنعش
لكن الطقس ليس حاراً كثيراً.
ولحاء شجرة اللوز
الخضراء والمغطاة
بالزغب
لم تقسُ بعد...
نحن سعيدان
لأننا ما زلنا حبيبين
وكنا متنا منذ زمن طويل
لو كنت في لندن
وأنا في طرق أو على مركب انكليزي...

حبيبتي
ضعي يديك على ركبتيك
كفّاك سميكتان وبيضاوان
الكف اليسرى مفتوحة:
فضوء الشمس في كفّك
مثل مشمشة...
بين موتى الهجوم الجوي أمس
مئة كانوا دون الخامسة
وأربعة وعشرون في الرضاعة...

حبيبتي
أعبد لون حبة الرمان
حبة رمان، حبة ضوء
ومن البطيخ الأصفر أحب رائحته
ومن الإجاص المرارة الحصوة..

يوم ماطر
بعيد عن الثمار بعيد عنك
لا ملجأ مزهر
بل ومن المستحيل أن تثلج
في سجن بورسا
فريسة شعور غريب
وغضب رهيب
كتبت هذه الأبيات نحو وضد كل شيء لازدري نفسي
والذين أحبهم
(7 شباط 1941)

[ رباعيات
(على طريقة عمر الخيام)

II
نفسي هي انعكاس العالم الذي يحيط بي.
لم تكن موجودة قبله، ليس كمال أسرار
سواه
الصورة الأبعد والأقرب من الأصل
وجه حبيبتي التي اعكس ضوءها.

III
صورة حبيبتي كلمتني ذات يوم:
أنا هي وهي لا..
قالتها من عمق المرآة
ضربت المرآة، فانكسرت، واختفت الصورة
لا تزال حبيبتي هناك سالمة.
IV
لم أرسم على اللوحة وجهك سوى مرة واحدة
لكن ألف مرة كل نهار ترتسم صورتك
من رأسك الى أخمص قدميك
كم غريب، وجهك يدوم
لأن حياة اللوحة أطول من حياتي.

VI
عانقتني وقالت هما شفتاك أكثر واقعية
من العالم.
وقالت هذا العطر يفوح من شعري وليس من خيالك.
النجوم موجودة وإن لم يرها العميان
وقالت تأمّلها في السماء/ وفي عيني(1).

X
أشعة مليئة بالعسل
عيناك مليئتان بالشمس...
غداً، عيناك يا حبيبتي ستمتلئان بالتراب
ويستمر العسل ملء أشعة أخرى.

VIII
أن نفكر في الموت، قصر الحياة بكآبة
عذبة
ان نشرب خمرةً في حديقة من التوليب تحت
ضوء القمر
هذه الكآبة العذبة لم تتوفر لنا
منذ ولدنا في ضاحية، في بيت معتم،
في قبو.

[24 أيلول 1945
أجمل المحيطات تلك التي لم نعبرها
أجمل الأطفال هم الذين
لم يكبروا بعد
أجمل أيامنا
تلك التي لم نعشها بعد
أجمل القصائد التي أريد أن أقولها لك
هي التي لم تُقل بعد.
ما أجمل التفكير فيك:
عبر ضجيج الموت والنصر
في السجن
وقد بلغت الأربعين.
ما أجمل التفكير فيك:
يدك المنسية على قماش أزرق
وفي شعرك
عذوبة أرضي المحبوبة اسطنبول...
ما أسعد أن أحبك
عطر ورقة الجيرانيوم على طرف اصابعك
سكينة مشمسة
ونداء الجسد:
مخططة بالقرمزي
العتمة
الحارة
الثقيلة...
[ تشرين الأول 1945
الريح تجري وتمضي
الريح ذاتها لا تتحرك أبداً مرتين
غصن الكرز ذاته
العصافير تغرد في الشجرة:
أجنحة تريد أن تطير
الباب مغلق:
يجب اقتحامه.
أنت من أريد:
فلتكن الحياة جميلة مثلك
وَدُودة
ومليئة بالحب..
أعرف أن وليمة البؤس
لم تنته بعد
ومع هذا ستنتهي
[ 5 تشرين الأول 1945
كلانا يعلم يا حبيبي،
انهم علمونا
أن نجوع ونبرد
وأن نهلك من التعب
وأن نعيش منفصلين
لسنا مضطرين بعد للقتل،
لم يحدث لنا أن نموت بعد.
كلانا يعرف يا حبيبي
اننا قادرون على تعليم الآخرين
أن يناضلوا من أجلنا
وأن يحبوا كل يوم أكثر
كل يوم أفضل بقليل...

[ 26 أيلول 1945
نالوا منا:
أنا داخل الجدران،
وأنت في الخارج.
ما يحدث لنا ليس خطراً.
الأسوأ:
أن نحمل في داخلنا السجن
سواء بشكل واعٍ أو غير واعٍ.
معظم الناس هم على هذا الشكل،
أناس، شرفاء، مجتهدون وطيبون
يليق بهم أن نحبهم كما أحبك.
[ القلب ذاته
والرأس ذاته
ليس من باب أن أتفاخر،
لكنني عبرت دفعة واحدة، كرصاصة،
السنوات العشر في السجن
وإذا تجاوزنا آلام الكبد التي أعاني،
فقلبي ما زال كما هو،
ورأسي ما زال كما كان في الماضي.


أنظر جاثياً الأرض.
أنظر العشب.
أنظر الحشرات.
أزهار تنمو، مليئة زرقة، أنظر إليها.
أنت كالأرض في الربيع، يا حبيبتي.
أنظر اليك.
نائماً على ظهري أرى السماء.
أرى أغصان الشجرة.
أرى اللقلق يطير.
أحلم وعيناي مفتوحتان.
أنت كسماء الربيع، يا حبيبتي.
أراك.
أشعل النار ليلاً في الحقل،
ألمس النار.
ألمس الماء.
ألمس القماش.
ألمس الفضة.
أنت كالنار... التي تشعلها تحت النجوم

المُسْكِ.
أنا بين الناس، أحب الناس.
أحب العمل.
أحب الفكر.
أحب معركتي.
أنت كائن انساني في الربيع.
أحبك.
[ نصف قلبي
إذا كان نصف قلبي، يا دكتور، هنا
ونصفه الثاني في الصين،
في الجيوش الذي تنزل نحو النهر الأصفر.
وثم كل صباح، يا دكتور
قبلي يُعدَم بالرصاص في اليونان.
وثم عندما يغرق السجناء هنا
في النوم،
عندما يعود الهدوء الى العيادة،
يمضي قلبي، يا دكتور،
كل ليلة،
يمضي الى بيت قديم من الخشب
في تشاوليدجيا.
وثمّ تمر ها هي سنوات عشر
وليس في يدي ما أقدّمه
الى شعبي الفقير
لا شيء سوى تفاحة،
تفاحة: قلبي.
ولهذا السبب يا دكتور
وليس بسبب تصلب الشرايين، والنيكوتين، والسجن،
أنا مصاب بالتهاب في الصدر،
أنظر الى العتمة من خلف القضبان
وعلى الرغم من كل هذه الجدران التي تثقل على صدري
فقلبي ينبض مع أبعد نجمة.
(1949)
[ القرن العشرون
- ان أنام الآن
وأصحو بعد مئة عام، يا حبيبتي...
- كلا!
فقرني لا يخيفني،
ليس فأراً.
قرني البائس،
المفضوح
قرني الشجاع
الكبير،
والبطولي.
لم آسف أبداً لأنني جئت مبكراً الى العالم، فأنا من القرن العشرين:
وفخور بذلك.
يكفيني
أن أكون في القرن العشرين،
حيث أنا،
أن أكون من معسكرنا،
وأن أناضل من أجل عالم جديد....
ـ كلا أبكر وعلى الرغم من ذلك...
فالقرن العشرون قرني، مائتاً ومنبعثاً،
وأيامة الأخيرة ستكون جد جميلة،
ليلي الرهيب الذي ينتهي هاني
جلسة الفجر
كعينيك يا حبيبتي
سيكون القرن العشرون، قرني، مليئاً بالشمس...
(1948)
[ شجرة الحور
الشجرة، تتأمل ذاتها في الليل،
في المساء سروة من فضة
بالنسبة لنديمٍ، شاعر اسطنبول
يسَنّين، من ريازان
كان يحب العروسين بالأبيض،
وأشجار البتولة الحزينة والكئيبة.

شجرة حَور ترتعش فيّ؛
حيثما كنت أسمع جفنيها
منذ أن صرت في المنفى.
الحورة ككل شجرة،
تبقى واقفة، على امتداد حياتها
تحدق في الأشياء، بلا توقف.
تحدق على طول الطرقات
قرى الأناضول
في حرارة شمس الصيف
حدقت فيّ، أنا أيضاً
أمام السجن
صارخاً في الليل.

شاهدة على خطايانا،
شاهدة على عملنا في الأرض،
آه، يا شجرة الحور المقدسة، آه؟
أن نكيل المدائح لِشجرة الحور،
أن نكتفي بحبها،
وما جدوى كل ذلك، يا بلادي!
منحنياً على أرض سوداء
ماسحاً عرق جبيني
لم أستطع زرع شجرة حور واحدة.
(ستوكهولم، 9 أيار 1956)
[ الصغيرة
أنا من تقرع الأبواب
الأبواب، باباً بعد باب.
أنا غير مرئية لأعينكم
فالموتى غير مرئيين.


ميتة في هيروشيما
قبل أكثر من عشر سنوات،
أنا فتاة صغيرة في السابعة من عمري
فالأطفال الموتى لا يكبرون.


شعري احترق أولاً
وعيناي اشتعلتا، وتكلّستا.
وفجأة تحولت قبضة من الرماد،
رمادي... تناثر في الريح
بالنسبة إلي شخصياً
فأنا لا أطلب منكم شيئاً:
ليس للطفل أن يأكل حتى البونبون،
ذاك الذي احترق كورقة.

اقرع بابك، يا عمي ويا عمتي:
توقيع:لا قَتْلَ للأطفال
ليكون لهم ان... يأكلوا البونبون.
(1956)
[الصياد الياباني
تناولنا سمكاً. من يأكلْ منه يَمُتْ.
ليس دفعة واحدة، بل شيئاً فشيئاً.
لحمه يتعفن، يتحلّل
من يلمسْ يدنا يمتْ..
يا جميلتي ذات العينين اللوزيتين، إنسيني.
هذا المركب نعش أسود
ومن يركبْه يمتْ.
الموجة مرّت فوق رؤوسنا..
يا جميلتي ذات العينين اللوزيتين، إنسيني.
لا تضميني بذراعيك، يا وردتي،
فقد ينتقل الموت مني إليك.
يا جميلتي ذات العينين اللوزيتين، إنسيني.
أكثر عفناً من البيضة الفاسدة.
يكون الولد الذي تُنجبينه مني.
هذا المركب نعش أسود.
هذا البحر بحرٌ ميت.
اه، أيها الناس أين أنتم؟
أين أنتم؟
(1956)

[ فندق بور
يستحيل النوم ليلاً في ارنا.
يستحيل النوم.
بسب غزارة الغيوم
القريبة جداً،
اللاحقة جداً.
بسب حفيف الموج الميت
على الشاطئ.
حفيفها
صدفها
حصاها الملساء
طحالها المالحة.
بسب هدير محرك، على البحر، كقلب ينبض.
بسبب الذكريات التي تملأ الغرفة.
آتية من اسطنبول
بعد عبورها البوسفور.
واحدة ذات عينين خضراوين،
الأخرى، مصفدة اليدين،
الثالثة تمسك منديلاً بيدها
منديلاً يفوخ بالخزامى،
يستحيل النوم.. ليلاً في ارنا، يا وردتي
في ارنا، في فندق بور
(2 حزيران 1957)

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00