مالكولم دي شازال (1981 1902)، قد يكون من الشعراء والمفكرين وحتى السورياليين الذين أصابهم الغبن، إذا قيست معرفة أعماله ودوره وطليعيته بسواه من مجايليه، كبروتون، والويار، واراغون.. لكنه مع هذا لا يُعد مجهولاً أو مغموراً لكن الذين قدروا أهميته وكتاباته وشعره، مبعثرون في العالم. وكأنهم من نخبة النخبة أو من النخب المهمشة، مفكر ميتافيزيقي وتأملي وأخلاقي صدر له عام 1999 في مجلد ضخم مجموعاته الفكرية الست الأفكار أتبعها المعنى البلاستيكي.
وفي عام 2000 قدم الشاعر والسينمائي كال تورا بولي فيلماً تلفزيونياً بعنوان مالكولم نحات الرؤى وكُرّم الشاعر في العام التالي في مسرح بور لويس، بحضور رئيس جمهورية الموريسية.
ولد شازال عام 1902 في فاكوا، جزيرة موريس، وهو من التابعية الانكليزية من أصول فرنسية كما كتب بنفسه عام 1947: أتحدر من عائلة فرنسية. ويروى أن أحد أسلافه فرانسوا شازال كان أول فرنسي تحط قدماه في جزيرة موريس في القرن الثامن عشر. لكن فرانسوا كما يقول الشاعر السوريالي الراحل ساران الكسندريان فإن شازال هو نتاج خالص لجزيرة موريس. وتكلم شازال كعاشق عن جزيرته. التي وصفها بأنها بتموجاتها ومنحنياتها امرأة بشكلها. ولِمَ السفر عندما نكون مقيمين في جنة عدن.
وله أفكار I (1940) ، وI (1942)، وII وVI (1943)، وV وIV (1944) و أفكار ومعنى بلاستيكي (1945)، و تاريخ الفكر العالمي (1946)، ومعنى بلاستيكي (1947)، وله عدة دواوين تتقاطع والسوريالية ولكن بنبرة ساخرة، ومخيلة متفجرة، وبحس متوازن، لا يلجم التفجرات ولكن يعطيها بعداً سردياً (قصيدة) أو قصصياً.
هنا بعض النصوص الشعرية غير المنشورة نشرت في مجلة Superièa Inconnu لمؤسسها الراحل ساران الكسندريان.
[ لا ينام الإنسان فقط في الليل
هذه الحشرة الحمراء على هذه الورقة الخضراء أي شكل غريب من الانطباعية! تتمة الألوان ممزقة هنا بسبب المسافة النفسية بين الورقة والحشرة. زهرة حمراء على ورقة خضراء. هناك في النهاية الأكثر طبيعية، انطباعية الأحمر والأخضر أكثر التحاماً. وعندما أضع هذه الزهرة الحمراء قرب هذه الحشرة الحمراء، أتلقى رشاشاً من الأحمر في النظرة، كما من حنفيتين منفصلتين. أحمران أمامي يزعجانني، وإن كانا من لون واحد. وكذلك المياه لكن الحنفيتين تقسمان بأنهما لن تتزوجا، مما أحدث طلاقاً في داخلي بين لون هاتين الحنفيتين المأخوذتين معاً، وشكلهما. لكن أضع ورقة خضراء ولامعة بين هاتين المحارتين من الأحمر: والأخضر يربط، ولا يعود هذان الشيئان يزعجانني، فهما متفقان على أن لا أحمر الحشرة ولا الأحمر الآخر يتنازعان: يبدو أن الشكلين وجدا مساحة مشتركة من التوازن، قاعدة وسطية، أرجوحة متبادلة، وتتأرجح الأشياء من دون أن تزعجني. شكراً، أيتها الورقة، لقد هدأتني، أطفأت فيَّ حريقي، وما عدت أرى أحمر، ولكن بشكل مثالي أحمر وأخضر. التناغم. الأخضر يريح الأحمر، يربط سائر الألوان الحُمر المختلفة، يناغم تناغماً وسطياً. ها هو الاكتمال: الاستراحة مستخدماً نقالة للشيء الذي يبالغ في الانحناء. يستعمل أخضر الأوراق كمفرش لكل الأزهار، يُليّن الألوان، يجعلها تتأرجح من دون مبالغة. لكل لون ثقافته: الاكتمال سر الأشياء اللانهائي الذي يؤرجح البتلة بالساق، المدقة بالقماش، التويجات بأسنان منشار الزهرة، والأشكال المستدقة بالأشكال المستديرة. لعبة حركات، جيئة وذهاباً هي الطبيعة، لإعطاء التوازن للعيون، وحركة تنهد ووحي لكل الأشياء، في ليل الفكرة ونهارها، لأن كل ما يحيا يسأل حركة دائمة من النوم واليقظة.
غفلة ويقظة رقيقة. الإنسان لا ينام فقط في الليل: ينام ويستيقظ في كل لحظة، بآلاف أوضاعه حركاته حركات الحواس والفكر.. كل احساس، كل فكرة تتمتع بزمنين نوم ويقظة، يتناوبان، حركة وتوازن لكل شيء، إيقاع الحياة.
[ النهر يتقدم ويتراجع
بوعيي المتوتر، أرى هذا هو النهر يأتي صوبي. وبالوعي المرتاح واللاوعي حيث يحيا أرى النهر ذاته يجري باتجاه عكسي جيئة وذهاباً لموج ذهني. وهذا يعني أن كل صورة أراها بوعيي هي في اتجاه، وكل صورة أراها في لاوعيي هي في اتجاه معاكس.
بلا وعيي أرى الحياة في اتجاه معاكس، القهقرى بمعناها الشائع. بالوعي وباللاوعي، أرى جانبي الأشياء. بالوعي وحده، لا أرى سوى جانب واحد من الأشياء. أيها الانسان، أنت لا ترى سوى اتجاه من الحياة. الجانب الآخر لا تراه. فكرك يمضي ولا يعود، فقط لاوعيك يمكن إصدار الصدى. أيها النهر الذي يعود، أنت تغير حتى منحنى الفكر أنت تقلبه. على المحتوى المتفكر لدماغين هناك الحقيقة. في جيئة حركة النهر وذهابها هناك الحقيقة.
وهو الضوء، الذي تعيد اليّ حركته المزدوجة النهر في مجيئه ورواحه الذي اكتشفته من طوري في هذه اللحظة بالذات.
[Le Trein et LEnbolee
تقبل هذا الفيلتر، ولك الفرح. لكن تقبله بجرعات صغيرة مثل مشروب ناعم، ارتشفه بجرعات صغيرة، لكي لا تخنق سعادتك. إذا كان القليل يعرف الفرح، فبسبب الشراهة. هناك إيقاع في كل شيء يكمن بعده الألم. ليلة الزواج أكثر ألماً منها فرحاً، بسبب شراهة الإنسان. على الفرح أن يكون له جامحه، ككل ما يتحرك. شكل الزهرة تكبح اللون، واللون يكبح الشكل. ولتدفق المياه ما يكبحه في الجاذبية الأرضية. اللون مكبوح بضوئه الخاص. والدماغ يمكن أن يلتهب لولا هذا الأسود في العين الحدقة الكابح. وللقلب كابحه: ألم الحب. وما يصنع بشكل كبير سم اللذة، هو الكبح المتوتر لمحركه. الشوكة تكبح التويجة التي تطلع من الوردة. وأسنان منشار الألوة يكبح جموح قاطع الأوراق. الشجرة الخضراء تكبح الأثير. حركة الإبهام الثقيلة تكبح ذبذبات هروب سائر الأصابع. وحتى الجسم الراقد هو الضريح العالمي.
أيها الفرح، يجب عليك امتلاك الكابح: الألم. أيها القلب، تضيع من دون الفكر. والله وهب الإنسان الحياة ليكبح نفسه. المحدود هو كبح اللامحدود.
[ الليل والشمس وموازين الفكر
- تسلقت القمر، قالت الشمس، بما أن حركاتي تسودها.
- أنا مرآة فكرها، قال القمر.
- استخدم القمر ككرسي للتمدد، قالت الشمس.
- أنام وعيناي مفتوحتان في نفسي، قال القمر.
- أسافر في دمه، قالت الشمس.
- اشرب تعرّقُه، قالت النجمة.
- أنا وريد دمها، قال القمر.
- شمعدان أنت، أنا شممتك، قالت الشمس.
- أنا الزيت حيث تشتعلين، قال القمر.
- أجعلك مضيئاً، قال فوبس.
- أنا أصنع حضورك قال فوبي.
ونجمة النهار قَبلّت نجمة الليل، في الغسق. والتهبت عينُ القمر من هذه القبلة، خلف الباب، تعانق الشمس صديقتها، وأبعد من الفضاء، يرسل القمر إليها قبلاته، لأن الشمس تمارس الحب عن قرب: إنه في النجمة، ولا يرسل القمر قبلاته اليها إلا عبر قوس الفضاء الواسع.
وهذا هو الامتلاك: كل شيء يبدو أنه يحدث عن قرب. الرجل هو في المرأة، ولكن لا يتلقى حضوره إلا عبر عودة الدم، من خلال مدار التدفقات.
والمرأة المدركة تتدارك وتعيد القبلة الالهية من كل المدار المتموج لجسدها. الرجل يضاجع المرأة بالحركة المركزة على نقطة (كما تحدق الشمس في عين القمر): لكن المرأة بكل جسدها تعيد القبلة ممدودة، مرنانة بكل جسم القبلة المركز (كما عبر كل جسم الليل الواسع يعود القمر الى الشمس). في الحب، تأخذ المرأة من نقطة وتتسع الى كل الجسد، غامرة بكل جسمها الأشعة الالهية، كما تغمر القبلات المدقّة المفترسة. كما الضوء الذي ينغلق حول نقطة لمعان. كما النظرة الحادة التي تغلق الجفون، كما تسقي الشفاه البظريات العطشى. وكما، يا صديقتي فكرتي التي تلجك وتغمرينها بكل الشفاه الممتصة بحدسك المفترس.
[ رياضيات الأجسام
قال الحمار: ثلاثة واثنان يساويان ستة. وقالت العظاءة: يساويان ثمانية. ويقول الإنسان: خمسة. الثلاثة على حق. فالحمار يضاعف حركاته وهو يمشي: يضرب. العظاءة تطرح ثم فجأة تضرب بجمع وتبقى ثلاث قوائم في الهواء ووميض. وهو يقوم فيزيائياً بحركة الثمانية. ولا يجمع الإنسان بالجسم، بل بدماغه، وهو أيضاً على حق. ليس للرياضيات الحيوية قواعد. هذا يعود إلى الجسم. فالإنسان جمّده. فرياضياته له. والحي له مجال آخر.
[ الرؤية اتصال
تحدق العين بنظرة ثقيلة أمام الماء. يأخذ الماء نظرة الماء الذي يتأمل. من ينظر إلى السيرك ليس له النظرة ملء البحر. على كل الساحل. ليس لنا النظرة في السفينة. النظرة على ضفة البحيرة ليست نظرة عرض البحر. وفي حوض الماء الذي يجري، تجري نظرتي. وأمام انبجاس الماء، تتفجر عينب والنبع يجعل نظرتي تنبع. النظرة تقلد الشيء الذي تراه. فللإنسان نظرة الشيء. نظرة إناء الفخار لخرّاط الصلصال. نظرة طرق الصياد. ريشة الكتّاب. للجبليين نظرة جبلية. لأهل السهول نظرة سهلٍ. النظر يقلده وإن لم يقلد فلن يرى. لا رؤية من دون اتصال. الرؤية هي الاتصال.
[ كل الحواس متمازجة في واحدة
آخذ قدمك، ايتها المعبودة العزيزة. لشفاه أصابعي، هي التي التي أضمها هنا. وكما قبلة أنا فم على فم على قدميك، شفتاي القدمان التقتا قدميك الشفتين. قبلة الجسد، فأنت هكذا في كل مكان من الجسد، كل شيء يصير شفاهاً للاتصال. الفم ينتقل الى كل الجسد، عندما يدخل الحب في اللعبة. والأجساد في المقابل تثير شفاهاً لا نهائية. وهكذا نتذوق من القدم اتصالَ العُشبِ، ونسمع من القدم ارتعاشَ الأرض المتعطشة. ولنباتة القدم نظرة تتكهن الجوهر. رأسي يعبر في كل شيء في كل أعضائي وفي كل جسمي، للاتصال بالحياة. كل حواسي المذابة تستخدم جُرفاً متبادلة في كل شيء. وحدة الحياة وبهذا الثمن هي الوحدة الحواسية.
[ الموز المقشر والزهرة الصفراء والوحدة المنتشرة
هنا زهرة صفراء. هناك قشرة موز. لا علاقة ظاهرة بينهما ما عدا صفرة اللون الواحد. قرب منظارك الصغير وقرب المكان بالفكر. الزهرة مقشرة، مثل موزة مفتوحة أكلت ثمرتها. ادفع المدقة، وستحصل على الثمرة كلها، صفرة بصفرة، وبياض ببياض. انتبه أيها الصديق: كل شيء هو واحد. لا تترنح على الفارق.
[ فلندع الكلاب مع الكلاب والطيور على الأغصان العالية
فخور بحب الذات الطيرُ. مجرد منه الكلب. الطير يهتاج لغناء الطير. الكلب ينبح على الكلاب منشقاً أكثر فأكثر. نهاية الرمي في غناء الطيور موسيقى فائقة. في زجرات الكلب الأخيرة، هناك الحقارة. أحاديث الكائنات الذكية تنتهي حركات طيور. النفوس المنحطة تنتهي نباحاً. عندما ينبح الكلب يهرب الطير. أمام غناء الطيور الإلهي، يأخذ الكلب في النباح، فلا نمزجن الحيوانات كما الناس. الطيور تهرب إلى ذواتها، ونباح الكلاب يصبح أقوى.
[ قانون الثأر بين العناصر
تمخّطتِ الريحُ. وفوراً اتخذ المطر شكل الأنف. بصقت الريح. وتحول المطر فماً. عضّت الريح المطر: اتخذ المطر شكل الأسنان. تكلمت الريح، فنطق المطر. أعطت الريح المطر حتى شكل العضو الذي تستخدمها. الحركة في الطبيعة تقود العضو التراسلي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.