خادمة الله رواية جديدة ستصدر في 21 آب المقبل لجان لوي فورنييه. تحكي عن أب مثقل بالمصائب. فولداه ولدا معوقين، ثم ما لبثا ان توفيا. انفصل عن زوجته واختلف معها بعد صدور كتابه عنهما الى اين نذهب يا والدي. رفيقته سيلفي ماتت.. لم يبق له سوى ابنته رائعته، اهتمت باخوتها، وأظهرت تعاطفاً مع والدها بعد رحيل سيلفي. لكن جان لوي فورنييه اضاع هذه الابنة العزيزة، منذ عشر سنوات، منذ ان التقى احد الأساقفة. اعتنق الدين، لكن أي دين، يتساءل هذا الاب امام تحولات ابنته. فمن فتاة ظريفة وساحرة، تحولت الى رمادية وجدية. ابتعدت عن العمل لكي تتفرغ للصلاة. أرادت ان تصبح فنانة وبدلا من ذلك ها هي تريد ان تصبح قديسة.. تعلن التقشف وتطلب المال، هذا النوع من العلاقة البنوية، يشهد فورنييه، بسلاسة عن غضبه، لكن من دون ان يفقد عاطفته الكبيرة لابنته.
هذه الرواية خادمة الله لجان لوي فورنييه ستصدر الشهر المقبل في 21 اب عن دار ستوك.
يذكر ان جان لوي فورنييه كاتب وساخر ومخرج من مواليد 1938 في اراس في فرنسا. وله كتابات عديدة ومؤلفات نقدية، ومؤثرة لقيت نجاحاً منها قواعد الصرف الفرنسية (1993) وهذا يزعجني 2012، في 2008 ينال فورنييه جائزة فميتا عن روايته ou on va papa، التي تروي حكايته مع ولديه المعوقين، وله قرابة 30 كتاباً من الدراسات، والقصص والروايات، كما اقتبس عدة مسرحيات ولعب مسرحيتين منهما آخر شعرة سوداء في رأسي.
اضعت ابنتي
عدت الى المكان الذي تركتها فيه
ولم تكن هناك
بحثت في كل مكان
فتشت الغابات، سبرت البحيرات، عبرت الرمل الوعر، ندفت الغيوم، تسربت الى البحر..
عثرت عليها
تغيرت كثيرا
بالكاد تعرفت اليها.
انها وقورة، جدية، تنطق بكلمات لم تكن تنطق بها من قبل، تتكلم ككتاب.
كانت جذابة ومرحة
صارت سيدة رمادية، جدية كبابا.
انها صارمة، تمزح اقل، دوغماتية،
مستبدة، وتحب ان تعظ الاخلاق على الآخرين.
الآخرون، الذين هم دائماً على خطأ.
كنتِ تلبسين بشكل جميل جداً بالوان حية، لم تكوني تخافين ان تكوني غريبة الاطوار، حتى واحيانا مشاكسة، كنت تخرجين، من اجل بؤس، ملابس مدهشة.لم تعد تتجمل، ما زالت جميلة، تشبه ضابطا في جيش الخلاص.
الآن ترتدي ملابس كلاسيكية، اثواباً غامقة، رمادية.
القطن قبل المسح؟
هل تتذكرين؟
سألتني ذات يوم عن رأيي لو كنت راهبة.
هذا اكثر من عشر سنوات، كنا ننتقل الى بيتنا في باريس. اجبتك بسرعة بأنني شعرت بالاطراء، حتى انني اضفت: الله لاعب رائع معي، فعلى الرغم من كل ما كتبت عنه، ها هو يمنحني راهبة، فهو ليس حقوداً.
ظننت انك ستدخلين الى اخوية الكارميلين أو الدومينيكان.
لكنت طلعت راهبة جميلة.
تخيلت مشهد تسلم الزي. الازهار البيض في كل مكان، الزنبق بروائحه الفواحة، عزف البيانو المظفر. وانت، مضيئة كما كنت من قبل. أولاً بثوب الزفاف، ثم بثوب الراهبة، ممددة على الأرض علامة الطاعة امام الله ثم وجهك المشرق، واهلك بثياب الاحد وبالدموع، يفرحون انهم يقدمون الى الله اجمل الهدايا. نعطيه أفضل ما صنعنا، رائعتنا.
بمَ كنت تفكرين في ذلك الوقت؟ هل كنت تفكرين جدياً في ان تكوني راهبة، أو كنت تتلمسين الطريق؟ تعرفين جيداً انني لست ضد الاكليروس، ولا دهرياً، ولا ملحداً. ربما كنت وثنياً ولا من محاربي الايقونات. لا احب ان يسخر من الكهنة، افضل القيام بذلك بنفسي.
سمعتها، بعد ذلك، تتكلم بالسوء عن الكنيسة الكاثوليكية الراهنة، والاديرة، والكهنة، والرهبان، والمؤمنين. وشعرت بالالم بمجرد التفكير في انها يمكن ان تدخل في هذه الكنيسة.
لقد اعتنقت ديناً لكن أي دين؟
قبل عشرة اعوام قررت مغادرة المدينة، لتستقر في الساحل.
فهي تفضل الصباح، عندما تفتح النوافذ، وترى البحر بدلاً من يافطات الاعلانات، وتسمع النورس بدلاً من غناء الشاحنات الصغيرة.
وستكون في جو اهدأ للعمل واعمالها يمكن ان ترسلها مع الطير، او بالبريد الالكتروني.
هذا ما قالت لي. صدقتها.
اقترحت علي ان اذهب واراها هناك، فهناك غرفة لي.
لا انسى الغداء الحزين قبل رحيلها. كان اسم المطعم مطعم الآهات.
كان بعد ظهر من الشتاء، والجو داكن. ذهبت في تلك العتمة.
كنا نتهاتف بانتظام. تكلمني عن لون البحر، عن لون السماء، وعن توتو، هرها.
وعملها في الرسم التخطيطي يتناقص اكثر فأكثر. عرفت من امها انها قابلت شخصاً ما درس اللاهوت في الكلية. ومن المحتمل ان يصبح اسقفاً؟ يكتب تاريخاً للفلسفة، يتكلم اليونانية واللاتينية. اغتبطت. فلطالما كان عندي انطباع جيد عن المثقفين وعرفت انها توقفت عن الرسم التخطيطي. لا أفهم.
كنت شغوفة بمهنتك، توسلت الي ان اسجلك في معهد فنون مرموق. وبطاقة مدهشة، كنت تنظمين لقاءات في المقاهي، وتبيعين بعض الاعمال، وكنت تشتعلين بانتظام لجريدتين. وحتى انك تلقيت مديحاً من جريدة ليبراسيون. كنت احب كثيراً مبعثراتك، كانت تتمتع بسمات شخصية، وخفة، وجرأة لا تنتمي إلا إليك.
ثم كان عندنا عملنا المشترك.
لن أنسى ابداً السعادة التي كانت تغمرني لشغلي معك.
كنت بدأت تكسبين عيشك، بتواضع، لكن كنت تكسبينه.
الآن لا تقول كفى.
لم تختاري هذه المهنة لتربحي كثيراً، وانما لأنك تحبينها.
وبما انها لم تكن تربح كثيراً، فقد قررت الا تربح ابداً.
كنت قلت ارحل الى هناك لأعمل..
والمحت انها، وبنعمة الاسقف، ظهرت لها رؤيا..
لم ترد أبداً ان تقول أكثر.
تصورت المشهد.
ذات مساء، أمام البحر.
كانت الشمس في مغيبها، والغيوم محترقة، والسماء جميلة كالجحيم.
وكان تسمع انغام، يصير المشهد ما فوق الطبيعي.
صورة ورع كبيرة.
ولا بد من ان الاسقف وعلى طريقة معاملة الاطفال، كشف لها، في جبال الغيوم، وجوهاً، وخصوصاً واحداً، الاجمل، والاعظم، والاكثر تأثيراً.
وبما انها، شربت كميات لا بأس بها من الهيدرونيل، رأته.
ابتسم لها كما لم يبتسم لها أحد اطلاقاً،
وبيده وأصابعه الوردية، اشار اليها بأن تأتي كان جميلا حتى الموت.
ومن دون ادنى شك، كان يسوع.
واعلنت بعدها انها لن تكون ابدا ذاتها. وهذا ما لم اخترعه.
لم تكن تكذب. لم تعد كما كانت.
بكل أسف.
لم تعد تريد أن تكون فنانة بل تريد ان تكون قديسة
قالتها من دون ان تضحك.
ليس قديسة منافقة على الأقل؟ فهذا لا يشبهها.
وارادة ان تكون قديسة اوليست خطيئة كبرياء؟
كيف يمكن ان تصبح قديسة؟
عليها ان تتابع دروساً، باختيار القداسة.
وعندها تحت الطلب استاذ مميز.
هل يمكن ان تصبح قديسة وهي حية ترزق؟
كنت اظن ان ذلك يتم بعد الموت. اولاً التطويب، وثم التقديس. بعدها فقط يكون لنا الحق ان نكتب قديسة على بطاقة الزيارة.
عندما تصبحين قديسة، يكون لك الحق بتمثال.
حذار، اختاري جيداً النحات. فهناك اهدائي ترتكب في هذا المجال.
تمثال العذراء مريم، كان، في مدرستي بالغ القبح الى درجة ان وضعته في المراحيض. احتراماً للعذراء مريم. وضحكت كثيراً عندما اخبرتك بذلك.
لا اريد ان يحصل لك المغامرة ذاتها.
عليها ان تمضي وقتها في الصلاة.
وعند الاقتضاء رصف المراحيض في شقق الاسقف.
افكر في القديسة تيريز دوليبو. كانت تغسل بالمياه بلاط الدير، وتنتقل من الارضية الخشبية الى الورشة وهي تغني اناشيد. كانت ذات ضحكة منتشية لتمجيد خالقها.
كان عندها اعذارها، تيريز الصغيرة لم تتوفر لها الفرص عند ولادتها، لتأخذ مواهب فنية وانها لم تدرس الفنون والديكور.
كنت جذابة ومضحكة، وكنت اتشوق ان اكون معك
اضحك، فكنت تتمتعين بدرجة عالية من السخرية. وكنت احب كثيراً ان امارس الهزل لك.
اتذكر، ذات يوم، كنت وعدتك ان اذهب واحضرك من المدرسة بسيارتي الجديدة، من نوع بنتلي قديمة، رائع! كنت ترغبين في ان يراك رفقاؤك في داخلها.
هذا اليوم بالذات، تصرفت السيارة كما يتصرف بنزوة كبار السن. لم ترد أن تأتي، رفضت الاقلاع. خطرت لي فكرة. كان عندي في ذلك الوقت سيارة رينو 5، من اللون ذاته، ازرق بحري، جئت لاحضرك بها.
في مقدمة السيارة علقت يافظة كتبت عليها بنتلي صغيرة لا اتذكر انك ضحكت، ولا رفاقك.
تعرفت الى الاسقف. كان لا يرتدي الاسود وينتعل حذاء لماعاً، وله اذنان محددتان مثل بلزيبوت.
لحظت ذلك لك، فضحكت.
تناولنا العشاء نحن الثلاثة. عندما تتكلم تنظر اليه بورع، مهما قالت حتى اعطني الملح، فالاسقف عند الملائكة، وقال لي عدة مرات في العشاء ابنتك خارقة.
أنا لا أحتاج اليه لأعرف ذلك.
لست كالآخرين،
انت أفضل بكثير من الآخرين.
وبالطريقة ذاتها، عندما ينخرط في برهان فلسفي، تصغي اليه اصغاء دينياً وبحرارة. لا اعرف اذا كانت تفهم كل شيء، لكنها تتظاهر بذلك.
سألته رايه عن النصوص التي تكتبها. فهي فخورة، دخلت قليلاً الى السوربون.
انه عقد بينهما، اغذي نرجسيتيك وتغذين نرجسيتي
تريحنا فكرة اننا الأفضل، على كل حال نحن الافضل نتأمل ونسيء الى الآخرين.
لا يبدو لي الاسقف على درجة كبيرة من الكاثوليكية. ما كنت لامنحه الرب من دون اعتراف.
قمت بتحقيقي الصغير. الاسقف درّس اللاهوت في مؤسسة، كتب بحثاً، لكنه لم ينهه.
رأيت انه من الافضل ان تعرف ذلك.
لم تتأثر. فبالنسبة إليها، انها مجرد وشاية، فزملاؤه غيورون منه، لانه يفوقهم بكثير.
ربح الاسقف، ربحها، فبامكانه ان يخبرها أي شيء، وتصدقه.
فاذا كشف ذات يوم انه الله فهي قادرة على تصديقه.
من قبل، كان دماغك مليئاً بالاشياء الخفيفة والرائعة، كان هناك سخرية، لآلئ تلمع، طيور من الجنة، ازهار من الحقول.
وضع الاسقف كان كل ذلك اشياء ثقيلة: ارسطو، امثلة يونانية ولاتينية، ويقينيات.
ابتلعت كل ذلك.
فقدت كل شك، فهي تعرف كل شيء. وهي دائماً على حق.
والآخرون دائماً على ضلال.
التقطت ذلك كما نلتقط التهاب الكبد من فرط ابتلاعنا الاصداف.
فالآن، وبفضل الاسقف، صارت متخصصة باللاهوت، والطب والصحة والاقتصاد وبالهررة.
فهي سر الآلهة.
تتنبأ بكوارث الاقتصاد العالمية، وتعطي نصائح.
يجب شراء الذهب، فكل المصارف ستنهار.
يجب عدم تناول فطور الصباح، فهذا مضر بالصحة.
عندما كنت ابحث لشراء هرة، رافقتني، كانت هناك، المرة الاولى التي التقينا فيها سالومي. قالت لي ان هذه الهرة لا تناسبني، ويجب عدم اخذها اطلاقاً. اخذت الهرة سالومي، ها نحن على اتم التفاهم، شيء من المشاجرات احياناً.. ككل ثنائي.
كنت جذابة من قبل، ومضحكة..
ولطالما قلت لك ان علينا ان نشك.
حالياً، هي لا تشك في أي شيء.
قال اوسكار رايلد ان الدماغ الذي ليس فيه سوى اليقينيات يتوقف عن العمل. فالتصديق أمر رديء. ما كنت اريد ان يتوقف دماغها عن العمل فالدمع الذي يعمل يسعى الى الفهم، ومن الطبيعي ان يشك علمها الاسقف الا يغامرها الشك ملأ رأسها باليقينيات. وها هو يؤسمنت مخها.
وسيزداد عنادك اكثر فأكثر.
يجب عدم الوثوق باليقينيات.
اتذكر في لحظة ضرورية من السيد سيكوبار (الموسوعي) بيار ديسبروج قدم شخصية سماها الاحمق ذو الفطر. هذا الاحمق ذو الفطر ردد بلا توقف: أنا الافطارات اعرفها، انا الافطارات اعرفها.. ويلتهم في الفطريات.
في المشهد التالي نكتشف ديسبروج يرتدي ثياب الحداد في مقبرة، في يده باقة أزهار. كان يقول هذه الفطريات، كان يعرفها.
مستغرب، اليس كذلك؟
لمَ هذا الارتياب من البشرية؟ السياسيون منتنون، والاعلام منتن، العالم كله منتن. عند تعاملات الارث مع شقيقها توماس، كانت سيئة جداً مع الكاتب العدل. وترتاب بكل الكتاب العدول بممارسة حجز الارث.
عندما كان يجب تطعيم سالومي، كانت سيئة جداً مع البيطري. محقن التطعيم بلا فائدة، ولا تؤمن بها، فهي تؤمن بالايقونات العجائبية.
هي تعرف كل شيء الآن.
ماذا تعمل ابنتك في الحياة؟
من الصعب الاجابة.
بالنسبة الى الصبيان، الاجابة سهلة. لا شيء.
بالنسبة اليها، فالأمر أصعب الآن.
لم اعد اعرف ماذا تعمل، اعرف ماذا لا تفعل.
لم تعد تعمل، انقطعت عنه زيارتنا، لم تعد تكسب عيشها.
لم يعد في مقدورنا التقاطها على التلفون. فيجب اولاً الاتصال بها، تجيب بعدها.
لماذا؟
لكي لا نقاطع تأملاتها، الكاراكوي او الاناشيد الغريغورية.
ربما كان لها خط مباشر مع الله، دائماً مشغول، ومن المستحيل مقاطعها اتصال الهي.
انهما يعيشان في السر، كما لو ان هناك ما يريدان اخفاءه عنا. أكيد، أعمال خيرية، يقومان بها سراً، ولا يريدان الاعلان عنها.
او قد يكونان ملاحقين من الشرطة؟
ماذا تُرى يفعلان؟
تزوير عملة، زراعة الحشيشة، قداديس سوداء؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.