انه الروائي البوهيمي جيم هاريسون عاشق الطبيعة، وكاره المدن ونيويورك والضوضاء والعلاقات التافهة، والاستهلاكي اليومي، والحسابات الصغيرة.. يعيش في مونتانا الأميركية، بين أدغال وغابات وأنهر. يعيش في الطبيعة القاسية أحياناً، والخطرة، فهناك ذئاب حوله. وخصوصاً افاع مجلجلة قاتلة. ولهذا كما يقول الطبيعة ليست كما نراها في وولت ديزني، جميلة، عذبة، رومانطيقية، بريئة، آمنة. إنها إلى ذلك في بعض نواحيها خطرة وتشكل تهديداً يومياً فحول بيتي يعج بالأفاعي والعقارب. لكن يجيب ايضاً لكن الانسان اخطر من الطبيعة. هنا في هذه الواحة الوعرة، المجهولة، بين منزلة ما بين الكتابة وصيد الاسماك (يصطاد السمك ثم يعيده إلى النهر، والطعام. وهو يقول في هذا الصدد لا يمكن ان نروي حياة انسان إذا لم نشرب ونأكل معه. الصحافي والكاتب الفرنسي أجرى معه حواراً مشوقاً في بيته في مونتانا، تطرق فيه إلى طفولته وحياته، ونيويورك، والكتاب، والطبيعة، والثقافة، والرواية، والمثقفين الأميركيين، ودور النشر، وخصوصاً عن المجازر التي ارتكبها الأميركيون في حق الهنود الذين قتلوا منهم في ظرف عقدين نحو عشرة ملايين شخص واستولوا على أراضيهم.
حديث عفوي، رائع، بلا أقنعة، مشوق، مع كاتب تنسك في الطبيعة، للكتابة والأكل، فهو يحضر طعامه!
أجرى الحوار معه فرانسوا بو سنيل، ونشر في مجلة لير الفرنسية.
الحوار طويل اقتطفنا منه أجمل ما فيه.
[ إلى مَ تحتاج لكي تكتب؟
ـ أحتاج إلى ستيلو ورزمة ورق. والصمت. لا استطيع الكتابة في مدينة كنيويورك. كثير من الاغراءات: نمضي وقتنا في تبادل التفاهات، أو الذهاب إلى السهرات، وإعطاء لقاءات لصحافيين لا يقرأون الكتب، والشرب، وملاقاة فتيات..
عندما تكتب، عليك عدم الثقة بأمرين: بالآخرين وبنفسك. ومهم ألا نترك أنفسنا تنجرف مع الآخرين، وعدم التفكير كثيراً بالنفس. الأنا تستنفد موهبتك. وعليك أن تكرس حياتك للكتابة والا الابتعاد عنها. لا يوجد اي ضغط من هذا النوع. تنهض صباحاً، تكتب، ثم تذهب إلى صيد السمك. وهذا أفضل بكثير من أن تكتب صباحاً، وتقصد المدينة بعد الظهر، نيويورك مثلاً. مدينة البلهاء.
[ لطالما كررت ذلك بشأن نيويورك، لكنك عشت فيها اياماً سعيدة عندما كنت كاتباً شاباً، أليس كذلك؟
ـ نعم، هذا صحيح.. لكنني كنت في التاسعة عشرة. كنت أقرأ قصائد لوركا.. وكنت أنا من عتاولة... تصور فتى من الميدوست يجلس في البار مع فتيات من منهاتن. فتيات متبرجات..
وكان هذا مختلفاً عما كنا نجده في الجزيرة الشمالية في نهاية الخمسينات، صدقني.. الفتيات في نيويورك يقرأن، يتأنقن في ملبسهن.. هل تريد أن ترى رسماً؟
[ لا.. ماشي الحال.. أأنت تكره حقاً المدن الكبيرة؟
ـ فلنقل إنني أنزعج عندما يحل الاسمنت محل الطبيعة. المشي على الاسمنت لا علاقة له بالاحساس الذي يخالجنا عندما نمشي في الغابة، أو على طول النهر. الادغال الحقيقية، هي المدينة. تبقى نيويورك بالنسبة الي الفردوس المفقود. ثم، انا في نيويورك عثرت على الاكتشاف العظيم.
[ ما هو؟
ـ الثوم
[ أهو اكتشاف عظيم، الثوم؟
ـ نعم!. عظيم جداً. كان ذلك في 1957 في مطعم بوهيمي في غرينويتش فيلاج لم أكن آنئذ املك دولارين في جيبي، لكن صرفتهما في المطعم. هناك اكتشفت وجبات بالثوم. كان الثوم حاسماً في حياتي، وإذا اردنا التفكير جيداً، فهو حاسم في كل حبة. عندما قضيت بعدها مراحل صعبة من الانهيار العصبي، أنقذ الثوم حياتي، صدقني، أكثر مما أنقذني التحليل النفسي: الثوم والعودة الى الطبيعة. لكن هناك سوء تفاهم. أنتم، الفرنسيون، تميلون إلى تقديس الطبيعة وافراح الريف، تماماً مثل شباب نيويورك. علينا عدم الثقة بالطبيعة. فالطبيعة أكثر وحشية مما تتصورون. في أميركا، لا نتكلم عن المساحات الكبرى فهي خصوصية فرنسية، ولكن نتكلم عن الطبيعة المتوحشة مما يعطي فكرة أدق عن مخاطر الحياة في الهواء الطلق. وعندما تصادف أفاعي مجلجلة، فعليك أن تقول وداعاً يا حياتي. وهنا تصادف كثيراً منها، في الجوار. يجب الكف عن مقارنة الطبيعة بالديزني لاند. حتى هنا على هذا النهر، لسنا منتبهين، نحن نجازف بحياتنا.
[ فهود.. وأفاع، المكان خطير عندك!
ـ لكن الخطر الأكبر هم الناس، وليس الحيوانات. وقالها شكسبير كوننا لا نريد أن نسمع: نحن الطبيعة أيضاً. انها حقيقة اساسية لكننا ننساها بسهولة عندما نكون ايضاً جزءاً من الطبيعة. نفعل أي شيء، أخبرني أحد أصدقائي أن جماعة من الناس ذهبوا إلى مونتانا وقطعوا شجرة عمرها 500 عام. قطعوها لسبب واحد: معرفة عمرها. والنتيجة: اختفت الشجرة اليوم. أليس ذلك جنوناً؟
[ في رواياتك الأولى، مونتانا أو ميشيغن كانتا مكانين رائعين. أما في رواياتك الأخيرة فاصبحتا رهيبتين. ماذا حدث؟
ـ هذه الأماكن هي في الوقت نفسه رائعة ومخيفة.. فمع الوقت، فهمت ان العزلة ليست شيئاً جيداً. قد تكون مونتانا واسعة لكنها تحبسك. فهو مكان متسع جداً، وأراضيه المحرومة من كل حدود مرئية، تسبب في النهاية الدوار.
[ ساندرسون مهجوس بتاريخ العنف وأنت؟
ـ نعم، أظن أنني أكتب روايات وقصائد لأفهم شيئاً من هذا العنف. يكلموننا عن الخطايا السبع الأساسية: التكبر، البخل، الغضب، الطمع، الترف، الحسد، والكسل. لكن تنقص واحدة هي العنف. أتساءل أحياناً ما إذا كانوا قدموا هذه اللائحة، من التغاضي عن الكلام على العنف. العنف في كل مكان. في النصوص الدينية ايضاً. في الطبيعة، وخصوصاً في الانسان. هنا في مونتانا كما في اريزونا، او ميشيغن، لكل عنفه. أنا لا أحاضر في الأخلاق، فجميعنا محكومون بالعنف. لا أملك اي جواب. أطرح الأسئلة. وهذا تحديداً عملي.
الهنود
[ لماذا يسحرك تاريخ الهنود إلى هذا الحد؟
ـ لأنه غير عادل، انها الجثة الكبرى في مخزن أميركا. لكن لا أحد هنا يقبل بالاعتراف بها. لو كنا فعلاَ نعرف تاريخ أميركا، صدقني، فلما كان حضر أحد احتفالات الرابع من تموز (العيد الوطني للولايات المتحدة). انه التاريخ الشرير.. لقد صفينا الهنود واستولينا على كل أراضيهم. تصرفنا تماماً ككل القوى ككل القوى الاستعمارية الأوروبية التي كانت تنهب اراضي الشعوب الأخرى وتقول: افريقيا لنا وعندما حاربنا ضد الانكليز في لويزيانا عام 1812 كان بسبب ارض لا يمتلكونها، ولا نملكها اليوم: كانت أرض الهنود. اكتشفت تاريخ الهنود بفضل والدي. أهداني كتاباً للأطفال بعنوان وحشان صغيران. وكان الكتاب يروي قصة ولدين أبيضين كانا يعيشان مثل الهنود. أسرني ذلك الكتاب؛ وبدأت أقرأ كل ما يتصل كل ما وقع عليه من قصص القبائل. فالأميركيون لم يرووا بنزاهة وصدق الطريقة التي انتزعوا بها الاراضي من الهنود.. فهذا محرم. ثم، وفي بداية زواجي بليندا، عشنا في منطقة هندية.
والنساء
[ كيف تفسر ان في رواياتك تبدو النساء أقوى من الرجال؟
ـ لأن النساء أكثر حساسية. وأكثر ملاحظة من الرجال.. عموماً، على الاقل. وليس فقط النساء، بل الفتيات. ابنتي الكبرى، عندما يقوم جدال كبير، تعرف تماما حول ما يجري بيننا نحن لا نفهم دائماً ما الذي يحركنا. الفتيات يرين أفضل من الزوجات ما لم يعد طبيعياً، أو على ما يرام عند والدهن. فابنتك، تعرف أكثر بكثير من زوجتك السابقة إلى أي حد أنت أحمق! ما عمرها اليوم؟
[ 16 عاماً.
ـ في عز قلقها. صدقني أعرف كيف تجري الأمور. لكن لا تقلق، سيمر ذلك، وستحبك دائماً على الرغم من كل شيء.. هذا مدهش! فالصبي عاجز عن ذلك. ابنتي، نعم، 16 عاماً!
[ فلنعد إلى نساء كتبك. كيف ولدت دالغا؟
ـ بطريقة استثنائية كما أظن.. حلمت بها قبل ان اكتبها.
[ كيف ذلك؟
ـ رأيتها في منامي، دالغا، كنت في بيتي في ميشيغن ورأيتها، على شرفة شقة في سانتامونيكا، في كاليفورنيا وأنا أتأمل المحيط الهادئ، كنت شارداً، ولا اعرف لماذا قادتني هذه الأحلام الى كاليفورنيا حتى نبراسا. فنبراسا نقطة غريبة كنت أعرف عنها الكثير. كنت اشاهد كثبان الرمل ذات الجمال السري، هنا كانت تعيش قبائل هنود السيوكس لاتوكا، وكذلك أكبر قطعان البيسون في أميركا قبل عزها، الهنود والبينسون مجزرة حقيقية. هل تعرف انه عندما وصلنا الى أميركا، كان تعداد الهنود حوالى 10 ملايين، وفي العام 1900 لم يتبق منهم أكثر من 250 الفا. وفي 20 عاماً صفي 25 مليون ثور (بيسون).؟ وكثير منها قتلت فقط للتلهي والتسلية. أتساءل كيف تقرر انه قتل كل الهنود، وتصفية الثيران، واعدام أفضل الغابات، لأنها مكونة من اغبياء حقودين، هنا في نبراسا تقع واندوكيني هنا انتهت الحروب الهندية، في حمام دم رهيب، وأنوكيني في عام 1890، هل تقول لك شيئاً!
إحدى ابشع مجازر التاريخ.
[ هل يبقى التاريخ الأميركي تاريخ الطمع حتى في اول القرن الحادي والعشرين.
ـ نعم! أنت متعلم، ثمة غضب هنا. في الحانات اسمع كلاماً عن الارباح غير المحسوسة للأغنياء الذين برغم الأزمة الاقتصادية، كانوا في افضل حال.. فمصلحتهم على ما يرام دائماً، ارباحهم المالية تتزايد دائماً، يبرز حقد في الأجواء اليوم. هنا 9% من العاطلين عن العمل، والعدد مضاعف لثلاث مرات في هذه المنطقة، وهذا ضخم بالنسبة الينا، كثير من حاملي شهادات جامعية ما زالوا يعيشون عند اهلهم لأنهم يفتقدون الوسائل ليكونوا مستقلين، وهذا يضخم الحقد ضد الأغنياء.
[ ما هي علاقتك بالمال؟
ـ مثل كل الناس. يكون على ما يرام عندما اربح عيشي بطريقة مستقيمة. كتبي الأولى لم تبع ابداً. حتى كتاب اساطير الخريف عندما يرتفع مدخولك السنوي من الف دولار الى مليون لأن كتاباً واحداً من اعمالك حقق نجاحاً، فأنت تؤول. لا أحد في عائلتي يهتم بالمال. سوق الأعمال وكل الباقي لا افهم من ذلك شيئاً ولا يهمني الأمر.
[ ماذا يعني ان تكون كاتباً اليوم في الولايات المتحدة؟
ـ صعب جداً، لأن النشر مجرد بازار ـ لكن لطالما كان بازاراً؟ ينطلق الكتاب من فكرة ان النشر هو عملية ديموقراطية، لكن ليس هنا ما هو اقل ديموقراطية من الفن. ليس في القمة سوى قليل من الأمكنة... هناك إذاً عشرات الوف الكتاب في أميركا لا يستطيعون العيش من اقلامهم.. ولهذا فهم يمرون بكل الاحباطات. يقصدون الجامعات للحصول على دبلوم ما، أو في محترفات الكتابة، من دون أن يؤدي ذلك الى شيء. كتبت كتابي ما قبل الأخير سباح النهر وأنا أقول في نفسي: اريد أن اضع رواية تجريبية يكون فيها الماء الشخصية الرئيسية وفعلت ذلك. أدركت عمراً فوصلت فيه الى ان اكتب ما اشاء فلتذهب السوق إلى الجحيم.
[ ما هو دور الكاتب في رأيك؟
ـ التكلم من أجل الأشهر. نحن لا نهتم كثيراً بالآلهة، ما عدا إله المال. أتكلم عن الآلهة الحقيقيين وليس الذين تصنع الحروب باسمهم. علينا ان نتكلم ايضا من اجل فتيات في الخامسة عشرة اللواتي يتعرضن للاغتصاب وللفتيات في السادسة عشرة التي يجب ان يتركن أولادهن.
شيء قاس ان تكون الفتاة ابنة مزارع. وكذلك اعطاء صوت لمن ليس لهم صوت من الناس. أظن ان هذه هي مسؤولية الكاتب.
[ ماذا في وسع الكتابة ان تفعل؟
ـ لا شيء... ما عدا تطوير النفوس. لكنه مسار بطيء بطيء جداً. افكر في ما صنع الأدب من اجلي... لقد غير فكري. كنت في الثالثة عشرة، عندما أعطتني استاذة الأدب كل مؤلفات ستندال لاقرأها. كانت امرأة عجوزاً وفقيرة جداً، لكن استاذة ممتازة في الصف.. وكانت فرانكفونية، عندما صرت في صف البكالوريا، جعلتني اكتشف ابولينير، ثم رابليه، وافترست كل هؤلاء الكتاب مع أخي، الذي كان قارئاً كبيراً، انضاج الأفكار، هذا هو الأدب. فهو يجعل التفاهات أكثر بروزاً. يمكن الأدب تقديم الاشياء بطريقة واضحة، لأن ليس فيها افكار سياسية جاهزة أؤمن بسهولة أكبر بروائي من نائب في مجلس الشيوخ. وهنا اقترح: على كل مرشح للكونغرس ان يخضع لامتحان في الأدب وفي التاريخ العالمي. وعندها سيظهر ذلك الى اي درجة هم أغبياء. انهم لا يعرفون شيئاً في غالبيتهم.
انظر الى دونالد ترامب اليوم والى سارة بيلين أمس، تعرف هذه اللعوب السيكسي ما فعلت في حزب الشاي؟ وعندكم في فرنسا مارين لوبان التي تحوز 20% من اصوات الفرنسيين.. لكن اقل جاذبية سيكسي.. فخطابهما واحد.. سواء بالنسبة الى المكسيكيين أو العرب، اطردوهم خارجاً بالبندقية.
[ لماذا نلحظ حضور الموت القوي في رواياتك الأخيرة؟
ـ الموت؟ انه ما يقترب.. لكن لا ارى فيه مشكلة، لا يحب الأميركيون مقاربة هذا الموضوع. انا امتلك وصفاً فكرياً آخر، لأنني آت من مزرعة، وعندما نكبر في مزرعة نرى الموت كل يوم: الدجاج، الخنازير، الأبقار.. كلما جاع احد كانت تقول امي اذهب واقتل لي ثلاث او اربع دجاجات للعشاء. وأنفذ ذلك. ثم عندما نكون صيادين نتساءل لماذا نقتل هذه الكائنات. هذا يشبه مساراً طبيعياً: فلطالما اصطاد البشر، إذاً لا ارى اي سوء في ذلك، افكر بأنه فعل طبيعي. ماذا يحدث بعد ذلك؟ لا احد يعرف.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.