وأخيراً دخل الشاعر الفرنسي الكبير فيليب جاكوتيت قبل ثلاثة اسابيع في محراب سلسلة البلياد (غاليمار) المخصصة للكبار العالميين، امثال شكسبير وموليير وديدرو ولوركا واندره جيد وغوته وسيلين وريلكه وبلزاك وبوشكين وهولدرلن... لكن ومع ان هذه السلسلة من الاعمال الكاملة تخصص عادة للراحلين، فإن استثناءات ما كسرت القاعدة، ليدخل اليها مؤلفون وهم احياء وآخرهم فيليب جاكوتيت (مواليد 1925) في مودون (سويسرا): (وقد يدخل في الاشهر المقبلة لوكليزيو).. فهل يستحق هذا الشاعر المنعزل في الطبيعة، في كسوره، ووحدته، وفي تجربته غير المنتمية الى اي تيار أو مدرسة؟ في الواقع هذا الشاعر، كأنه آخر الشعراء الغنائيين (من القلب الى القلب). لكنها غنائية مكثفة غير مكشوفة، تلمع احياناً من غموضها، أو من شفافياتها الغامضة، لكن من دون تعقيد أو إبهام فهو ليس لاعب اشكال، ولا مفجر لغات (السورياليون)، ولا هاوي نحت، أو حفر، أو كسر، على العكس، بساطته (تشبه بساطة بول ايلوار أو ناظم حكمت، أو لوركا)، لكنها بساطة مفخخة، مركبة في تجربتها اللغوية، مصفاة في بنيتها وقاموسها (يذكر بأشعار الكبير جورج شحادة) أو الإيطالي يوغاريني. مع هذا، وعلى الرغم من تأثره بالشعر الفرنسي، فاننا نجد في قصائده ما يحيل على شعراء ألمان كهولدرلن وخصوصا جورج تراكل. كأنه تسرب الى معمارية البلياد المُفخَّمة كدمعة، أو كهمسة، أو كقطرة جدول... أو بريق نجمة، أحببته منذ تعرفت الى شعره قبل نحو 40 عاماً، وترجمت له قصائد في مجلات عديدة.. ضاعت وضاعت معها تلك ....
هنا مختارات من شعر هذا الكبير احتفالا بالمناسبة التاريخية. المجلد الاول صدر قبل ثلاثة اسابيع.
مختارات
[ داخليُّ
منذ فترة طويلة اسعى الى العيش هنا في هذه الغرفة التي اتظاهر اني احبها، الطاولة، الاشياء المهملة، النافذة التي تفتح على امتداد كل ليلة خضرة اخرى وقلب الشحرور يخفق في اللبلاب المظلل في كل مكان اضواء ما تنهي الظل الشائخ.
اقبل انا ايضاً الاعتقاد بأن الطقس لطيف وانني في بيتي، وبأن النهار سيكون جيداً هناك، تحديداً، اسفل السرير، هذا العنكبوت (بسبب الحديقة) لم أدسهُ ما يكفي، كأنما ما زال يعمل على فخ ينتظر شبحي الهش.
[ أوان البذر
(I)
كنا نتمنى الحفاظ على النقاء،
للشر ما يفوق الحقيقة
كنا نتمنى الا نُكِنّ ضغينةً
مع ان العاصفة تبلبل الحبوب
من يعلم كم ان الحبوب خفيفة
يشكك في عبادة الرعد
(II)
أنا خط الأشجار غير الملتبس
حيث تخفق حمائم الهواء بأجنحتها!
أنت الذي نداعبه حيث يولد الشعر...
لكن تحت الأصابع التي خيبتها المسافة
تنكسر الشمس الناعمة كقشة
(IV)
يتربع النهار فيّ كَثَورٍ:
كأنما على وشك الاعتقاد بأنه قوي...
لو كان بالإمكان ترك التوريرو
وتأخير تنفيذ الموت قليلاً.
(VI)
آه! ايام الربيع الاولى
لاعبين في ساحة المدرسة
بين حصتين من الريح
(VII)
انا متلهف وقلق:
منْ يعرف الجروح ومن يعرف الكنوز
التي تحملها حياة اخرى؟ يستطيع ربيع
ان يتفجر فرحاً أو يهبّ نحو الموت.
ها هو الشحرور! فتاة خائفة
تخرج من بيتها. العشب في العشب الرطب
(VIII)
من مسافة كبيرة
أرى شارعاً بأشجار، منازله
والهواء المنعش للفصل
الذي غالباً ما يغير وجهته
عربة تمر بأمتعة بيضاء
تحت نبت أحراج الظلال
الأيام تمضي الى الاحلام
وما يتبقى لي، في وقت ضئيل أحصيه
[عصافير.. أزهار وثمار
قشة عالية جداً في الفجر
هذه الهبة. التربة
ما الذي يعبر من جسم الى آخر؟
نبع خرج من مهد الجبال
جمرة
لا نسمع فقط عصافير بين الحجارة
بعيداً جداً، مطارقٌ
ما كل زهرة سوى ليل
توشك ان تقترب
لكن من حيث يرتفع هذا المطر
لا أملُ في الدخول
ولهذا السبب يقلقني
ويجعلني أسهر طويلاً
كل لون، كل حياة
تولد حيث تتوقف النظرة
هذا العام ليس سوى عرف
من حريق لا نراه
أمشي
في حديقة من الجمر الطازج (الطري)
تحت مظلة الأوراق
هذا النجم الملتهب على الفُم
ما يشتعل ممزقاً الهواء
الوردي، أو بتمزقات مفاجئة
أو بابتعاد ثابت
مضخماً الليل
الجبل على منحدريه
يغذي نبعي من البكاء
كل شيء في نهاية الليل
عندما يرتفع هذا الهبوب
شمعة اولاً
ترتعش
قبل العصافير الاولى
من في وسعه السهر
الريح تعرف ذلك، التي تجتاز الانهار
هذه الشعلة، أو دمعة مقبولة
علامة للعابر
العين:
نبع يتدفق
لكن من أين جاء؟
من أبعد الابعد
من أسفل الأسفل
أظنني شربت العالم الآخر
النظرة
شعاع أحدُّ من اللسان
سباق من مكان الى آخر
من الأعمق الى الأبعد
من الأشد عتمة الى الأشد نقاء
حيوان كاسر
[ ثمار
في غرق البساتين
هي كرات معلقة
يلونها مرور الزمن
قناديل يشعلها الوقت
حيث الضوء عطر
نتنفس تحت كل غصن
سوط النحلة العطري
انها لآلئ بين العشب
من صَدَف على مقاس اكثر وردياً
ما يجعل الضباب اقل بعاداً
كم تنام طويلاً
تحت آلاف الجفون
ظل الغيوم البطيء
كقيلولة بعد العشاء
الهية الريش
مجرد صورة أو حاملة تحت الجناح
انعكاساً حقيقياً
انت من نصحتني
ايتها العصافير الخاملة
والآن انظر اليها
في وسط مفاتيحها من الحراشف
تحت ريشك الضائع
[ صاعقة آب
ثمار مع الوقت اكثر زرقة
كأنما نائمة تحت قناع من الحلم
في القش المشتعل
وغبار ما بعد الصيف
ليلة متمرئية
لحظة تحب فيها
ان الينبوع يحترق
هم طير الترغل
أول خطوة في النهار
كاسرة ما يربطها الليل
[ حقل تشرين الأول
الرقة المتناهية
مجسدة بعيداً
على الحدود بين الجبال والهواء:
مسافة/ شرارة طويلة
تمزق، ترهف
نهاراً كاملاً الاصوات المتواضعة
لعصافير غير مرئية
الساعة تضرب في العشب على ورقة من ذهب
السماء بمقاس اكبر
الارض كلها ظاهرة للعيان
وقابلة للقياس
ملأى بالوقت
معلقة بريشة تصعد
أكثر فأكثر مشعة
تفاحات متفرقة
على مساحة شجرة التفاح
بسرعة!
فليحمّر الجلدُ
قبل الشتاء
[ فجر
يؤلمني التخلي عن الضوء
يجب ان يخترقني المحراث
مرآة الشتاء، العمر
يجب على الزمن ان يحصدني
[ شجر(I)
عالم ملتبس، صفيق
عظام وحبوب
تنازع بصبر
لكي تكون كل سنة
مخترقة بالهواء
[ أشجار(III)
سأحفظ في نظرتي
كجمرة أقرب إلى المغيب منها إلى الفجر
وهي نداء ليس للنهار بل لليل
شعلة تريد أن تختبئ بالليل.
ستكون هذه العلامة عليّ
علامة الحنين إلى الليل
أعبرها
بمِشذب الحليب
ستكون في عيني على الدوام مع هذا
وردة غير مرئية من الأسف
كما عندما فوق بحيرة
يمر ظل عصفور.
وغيوم عالية جداً في الهواء الأزرق.
والتي هي عقود من الجليد
بخار الصوت
الذي نصغي إليه صامتاً إلى الأبد
[ عالم
ثِقلُ الحجارة، الأفكار
الأحلام والجبال
ليس لها الميزان ذاته
ما زلنا نعيش عالماً آخر
ربما المسافة
[ هدوء
الظل الذي في الضوء
يشبه الدخان الأزرق
غير مهم بداية العام
أوراقه الآن تتحرك
الآن ها هي شجرة ضخمة
ألمس خشبها الحزين
والضوء عبرها
يتلألأ بالدمع
[زاد المسافر
عصفور خارج من مصهر الحديد
في غبار بعد الظهر
في رائحة الزّبل
في ضو الشارع
عسى أن تكون رأيته فقط
من دون أن تفهمه
قبل أن أغير القرية
ألم يكن
غير القابل للتدمير؟
عالم وُلد من مِزقة
ظهر لكي يكون دخاناً
مع ذلك المصباح مشعل
على القراءة اللامتناهية
[ أمان
(I)
اشتهيت طويلاً الفجر
لكن لا أتحمل منظر الجروح
متى تراني أكبر؟
رأيت الشيء صَدَفياً
أعليّ إغماض عيني؟
إذا كنت تُهت
فقودوني الآن
الساعات مليئة بالغبار
ربما في مزج الألم مع الضوء
شيئاً فشيئاً
أتقدم خطوة؟
(في المدرسة المجهولة
تعلم الطريق التي تعبر
من أطولها وأسوئها)
(II)
ما ترى هو الغناء
لا شيء سوى نوع من النظرة
إذا كان لا يزال قادراً الإقامة في بيت
على طريقة العصفور
الذي يعشعش حتى في الرماد
ويحلق عبر الدموع!
لو كان قادراً فقط على أن يحتفظ بنا
حتى نخلط بيننا
وبين الحيوانات العمياء!
(III)
بعد مجيء الليل
أجمع كل شيء في الأرض المسيجة
أجتلب؛ ليلاً
نظّف الحوض
للنجوم
رتب القريب
أريج في المدى
كجلبة الجرس
حولك
[دروس
(تشرين الثاني 1966 كانون الأول 1967)
فيما مضى
أنا المرتعب، الجاهل، الذي بالكاد يعيش
أغطي عيني بالصور
زعمت أن أرشد المحتضرين والموتى.
أنا الشاعر الملتجئ
الهامشي الذي بالكاد يعاني
أتجرأ على رسم طرقاً في الهاوية.
في الوقت الحاضر، المصباح مطفئاً،
يدٌ أكثر شروداً، مرتعشة
أعاود البدء ببطء في الهواء.
العنب والتين
تحضنها في البعيد الجبال
تحت الغيوم البطيئة
والطراوة
أما زال في إمكانها مساعدتي؟
تأتي لحظة ينام فيها البكر
المنهوك. نرى
من يوم إلى آخر
خطوة أكثر ضياعاً
لم تعد المسألة تتعلق بالعبور
كما الماء بين العشب:
فهذا لا يدور
مع هذا فالمعلم الصارم
بسرعة يُنقل بعيداً جداً،
إبحث عما يمكن أن يتبعه:
لا مصباح الثمار
لا العصفور المغامر
لا أنقى الصور
الأجدر الغسيل والماء
اليد التي تسهر
الأجدر القلب الذي يعاني
لم أعد أريد سوى إبعاد
ما يفصلنا عن الضوء
وأخلي فقط المكان
إلى الطيبة المحتقرة.
أصغي إلى رجال شيوخ
تحالفوا في النهار
أتعلم من أقدامهم الصبر
ليس لديهم تلميذ سيء
ما كنت أظن أني أقرأ فيه، عندما كنت أجرؤ على القراءة كان أكثر من التفاجؤ:
بل الذهول
كما أمام عصر من الظلمات يجب عبوره.
حزن! رؤية هذه الأمواج من العذاب
غير المسمى كان يخلع سدود حياته.
هاوية تنقضّ. وللدفاع
حزن فاغر كهاوية.
هو الذي طالما أحب عزلته، جدرانه
هو الذي يحتفظ بمفاتيح البيت.
بين أبعد نجمة وبيننا
المسافة، فائقة التصور، ما زالت
باقية كخط، رابط، كطريق.
إذا كان من مكان خارج كل مساحة
فلا بد أن يكون هنا حيث يضيع.
ليس أبعد من كل نجمة، ولا أقل بعداً
ولكن تقريباً في الفضاء ذاته،
خارجاً، مجروراً خارج القياسات.
أمنّا، منّا وإلينا، لم يعد لديها مجرى:
بمقدار، مثل نَصلة، تحطمها بين الساقين.
أبكم. رابط الكلمات يبدأ في التفكك
أيضاً. يُخرج كلمات.
حدود. لوقت قصير
نراه فحسب.
لم يعد تقريباً يسمع
أنُنادي هذا الغريب إذا نسي
لغتنا؟ إذا لم يعد يتوقف للإصغاء؟
عنده عمل في مكان آخر.
لم يعد له من عمل له في أي شيء
حتى ولو مستديراً نحونا
فكأننا لم نعد نرى سوى ظهره.
ظهر يتكور
ليعبر تحت ماذا؟
من سَيُساعدني، لا أحد في مقدوره المجيء إلى هنا،
من يمسك الأيدي لا يمسك بالتي ترتجف،
من يضع شاشة أمام عينيّ لا يراقبني لكي أرى
من يبقى ليل نهار حولي كمعطف
لا يستطيع شيئاً ضد النار، والبرد.
لا أحد يمتلك درعاً ضد المحاربين الذين
يحاصرونني،
مشاعلهم صارت في شوارعي، فكل شيء
فات أوانه.
لا ينتظرني من الآن وصاعداً سوى الأطول
والأسوأ
أهكذا صمت في ضيق الليل؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.