العالم العربي يعرف قامات مهمة في الشعر الإسباني ما قبل الحرب العالمية الأولى أو بعيدها، من جيل المناضلين والحالمين والملتزمين كألبرتي ولوركا.. وسواهما، من خلال ترجمات ركزت على الجانب السياسي أو الإيديولوجي.
نحاول اليوم تقديم إنطولوجيا لهذا الشعر الثري تمتد تقريباً نصف قرن: من 1945 إلى 1990، أي جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية وبعد الحرب الأهلية الإسبانية.
وبحسب ما قرأنا، بدا لنا وبشكل نسبي طبعاً وغير معياري لأنه من الصعب الاستناد إلى نماذج محدودة لإطلاق أحكام، أو قراءات مقننة معينة، إذاً وبحسب ما بدا لنا، أن هذه المرحلة تضمنت تنوعاً أكثر جرأة وأقل غنائية وسياسية من المرحلة السابقة، لكن ظهرت اتجاهات (غير دوغماتية) تمثل الشعر الاجتماعي (خوسيه أرغستن وكارلوس بارال)، أوديني (خوسيه ماريا فاليردين) أو رثائي (فرانشسكو برين، كلوديو رودريغيز)، أو سياسي (خوسيه هيث وغبريال سيلايا)، أو طليعي تجريبي (كارلوس إدموندو وإدواردو شيتاريو وسيلفانو سيرينيس)، أو سوريالي...
إخترنا مختارات لنحو 32 شاعراً تنشر على اربع حلقات.
كلارا جانيس(مواليد 1940)
[ جهر بلا جدوى
كل انسان
هو سوط
يضرب الفراغ
وحده
على الأرض
وبحبه
يجلد
الحدود.
أعمى
فليأتِ النوم
فليرم، عليّ معطفه
من بياض فقدان الذاكرة!
[ من الحقد في الحب
اقطع ظلّك
وتُهْ في العتمة.
لا أريد مساحة
في الضم.
ابتعد
اقطع ظلك
وتُه في العتمة.
تغطَّ بمعطفك
وباسمك.
[ التأمّل الثالث
نحن لا نعرف شيئاً
لأن لا شيء
ليس غريباً عن التاريخ.
ربما الحجر
وحده.
الحجر،
عامل الدوام.
لا شيء من البارحة ولا غداً.
لا شيء
تشعل الحجر
أو لا شيء.
[ عينان
طاردتني
ثم أمسكتني بحقد من الخلف،
دفعِتني الى زاوية
وضربتني
الى أن تضرج الهواء
بدمي.
وعلى الرغم من كل شيء
ها أنا أنهض،
ومحدقةً فيك أقول:
الآن
في هذه اللحظة التي أُقسم فيها
سأُهِبَك عينيَّ
حتى ولو حملها
قاتل.
[ صابرة...
صابرة أنتظر
راصدة، ككلب، اللحظة،
حيث أغوص في غابة أشعارك
وأشق ببطء طريقاً
عبر دروب سرية،
عبر خلوات صغيرة
تركتها مفتوحة.
[ استيقظت...
استيقظت مذعورة،
كنت تصرخ فيَّ في سورة غضب،
تمزق الليل
تشق المادة.
فهمت عندها
هاجسك
للأيدي الملطخة بالدم.
أنا قادرة أيضاً على قتل أحد ما،
حتى أنت:
تجعلني أحلم بلا انقطاع،
تمنع عني النوم.
خوسيه ماريا الفاريز(مواليد 1942)
[ غيوم مُذهّبة
ما جدوى حياتي الآن.
كلما بنيت بيتاً
أُدمّره. في كل بلد حللت فيه
اللحظة الوحيدة التي أحب
هي التي أرى فيها تقاسيمه.
لمأتمنى الترحيب
مرتين بامرأة واحدة.
احترام الذات.
التفكر.
أرى الورود التي زرعتها نبتت
أفتح الزجاجة الأخيرة
التي طلبت.
أرى حياتي
تُنقذ كل ما هو نبيل.
من أجلك، أيتها الثقافة، من أصل
كل الذين يرافقونني احياءً أو موتى، اشرب.
أبعد من الزمن ومن جسدي،
اشرب،
أعبئ من جديد كأسي. أنتظر
حتى يفعل المشروب ببطء فعله
الخيوط التي تربطني
بهذا العالم البربري.
وبالكأس الأخيرة،
كأس الاحتفاء
أشرب نخب الذين يحبون مثلي.
فيليكس دي ازديا (مواليد 1944)
[ قديمة
فصول خريف على صفحات وصفحات
أوراق صفراء، ساعات حبر مسحوق
ريح المساء مثل عصافير نائمة
فصول خريف أحلام رياح
نهايات بعد الظهر خصوصاً حمر
شموس مقطوعة، فصول خريف مطفأة
أضواء اصطناعية على شوارع مبللة
نهايات بعد الظهر بُخار مسرات
بيضاء أيضاً وأقمار صفراء
أقمار ومرايا وخزائن وأباريق
أقمار خريف دم
صباحات فجر غسق
صفحة بعد صفحة
ورقة ورقة.
بيري جيفيرير (1945)
[ سكاكين في نيسان
أكره المراهقين
من السهل الاشفاق عليهم
قرنفلة هنا تتجمّد بين أسنانهم
والعين رطبة، عندما ينظرون إلينا.
لكنني أذهب بعيداً
أميّر في نظراتهم حديقة.
الضوء يبصق على زجاج النوافذ
قيثارة الغريزة المكسورة
أُحِسّني مطارداً بعنف
بذلك الشغف بالعزلة
الذي يحصد الأجساد الفتية
ثم يحرقها بحزمة واحدة
يجب أن أكون مثلهم،
(الحياة تتقطع هنا)
صفصافة تشتعل في الصمت.
وهذا ما يستحق أن أكون سعيداً.
[ غرفة
الاسطوانة بلون النحاس. صباحاً، الغبار، الوجوه التي تشربها الريح (على وجه الانسان وادي الزجاج، على وجه الانسان، الكئيب ذو القبضات البيضاء)، الفجر عنيف في البازار، وجه، الأصفر.
[حكاية
عندما تغرب الشمس، يشهل الزجاج المثقفين، الكروي الأصفر، الجدار الذي يعاود القفز. الثياب الفضفاضة عندما تغرب الشمس، ينكسر كتاب المثقفين الاثير.
ميغيل دورس (مواليد 1946)
[ كيف نسمّي العصفور
كيف نسمي العصفور
لكي ينهض من بيت الشِّعر
ويطير ويتوه
من غصن إلى غصن
كيف؟ نسمي النهر
من دون أن نقاطع غناءه أو إسكات تدفقه؟
كيف نعمل لكي يحتفظ اسم الوردة
بعبيره؟ كيف نقول، رملاً
ونحن لمسة يدٍ مذهبة،
وكيف نعمل تبقى الشمس والريح
النار وفصول الخريف في القصيدة؟
آه، أين نتعلم هذا السحر
لوضع أسماء الأشياء
بطريقة يعود فيها قارئ أشعارنا
ملطخاً بحبر البارود،
محترقاً بالشمس، ومرتاحاً
بنار الجمرة المتوحشة
التي اشعلناها. بكلمتين أو ثلاث كلمات
[ مدينة فيَّ
لم أختره: فتحت عيني
وكان المطر مطراً، عتمة وحجراً، ولا شيء سوى انعكاس مصباح رطب مرصع؛ ولا حيلة لي إذا كانت أحلامي مأهولة بقرع جرس رمادي، بزبد، بالمظلات الليتورجية، بهذه الغيوم من الحجارة، لا حيلة لي إذا كانت هذه الكآبة هي مسقط رأسي، عادة سنوات المتوحشة؛ وإذا كنت الآن أحمل في داخل هذا المطر المطر والمطر الذي يجعل حجارة سان جاك الثلثاء والأربعاء والخميس متأملة.
[ مطر
مطر،
مطر آتٍ من
بعيد.
نداؤه الغامض على نوافذي الزجاجية
مُلِحّ.
تمطر.
في الشوارع المنتشرة
والضوضائية ابتعد.
أتوه والأمطار الأخرى
التي تسقط ببطء
على ماضيَّ.
شوارع من الحجارة والمطر،
صفوف التاريخ والمطر
رشقات أجراس من المطر
على طفولتي.. تمطر
على نافذتي:
على هذه النافذة بالذات.
تمطر،
مطر فاتر
من أعماق الزمن
يرافق حياتي
عازفاً لها هذه الموسيقى
الرمادية والبطيئة..
هذا المساء،
سنكتب أنا والمطر
هذه الأشعار مناصفة!
[ درب النقصان
شاباً،
كنتُ متعالياً لا يُحتمل.
هذا ليس بالأمر الجيد قالت لي المِرآة.
عليك أن تصحّح نفسك
وخلال عدّة أسابيع صرت أقل تعالياً.
وخلال عدة اشهر انتفى فيّ التعالي.
السنة التالية صرت رجلاً متواضعاً
متواضعاً جداً.
فائق التواضع.
أحد أكبر الأشخاص المتواضعين الذين عرفتهم.
أكثر تواضعاً من أي شخص بيننا.
يعني
متعالياً غير محتمل
وعجوزاً.
[ روزنامة دائمة
الاثنين اسم المطر
عندما تكون الحياة شديدة سوء النية
لكأنها الحياة.
الثلثاء رؤية القطارات التي تمر من بعيد
والتي لن نركبها أبداً.
الأربعاء، هو الخميس، الجمعة، لا شيء.
السبت بعد، الأحد لا يفي بوعوده
وها مرة جديدة! وحتى ليست جديدة:
المرة ذاتها مطر أيام الاثنين.
فيسنتي مولينا فواكس(مواليد 1946)
[ السماء السابعة
نعم،
معك،
من دون
نزوات لا حدود لها
خاصة بعمرك.
لا أستطيع أن أحبك
سوى مرة واحدة
على امتداد سبع حيوات
واجهت في مفاوضتها كثيراً من الألم
لا تتردّدي بعد الآن. تعالي إلى ذراعي.
الآن، أو ابداً.
قبلة، هيا، بسرعة
وحتى العمق.
فالنهاية قريبة.
إنها الخامسة،
تعرفين.
كفي عن الانتظار
على الرغم من ان كل شيء عندك
حذر.
انطلقي.
وبعدها،
إلى البارئ.
غيليرمو كارنيرو(مواليد 1947)
[ حزن الحب
كان جسمك حينها
يختصر العالم: الصورة الحساسة
للحب تكفي
لتجعلنا مرهفين، ورسم
شقائنا.
ليس للسعادة حكاية.
لكنها تسكن المدينة؛ كل
شارع ذكرى تستدعي إنقاذها،
اكواريل السماء أيام المطر
وتفاهات اخرى من تفرع جارٍ
هي السعادة
بعض الألوان، أو الموسقى
تقود إلى ليال تكون فيها حرارة الجسد
السبب ذاته: الآن دافعُ لبناء
شعري، أمس محطات لنوع من الجهل
مناسب لاختلاق كذبة ان
للأجسام وحدها
وحدها حقيقة: في الواقع،
العيش أفضل،
لكن من دون خيال.
في كل شارع تجوب المدينة،
كما في الماضي، تتمدد على جسدك.
في الليلة المتباعدة، تشع واسعة.
اسمع من جديد صوتها
ينطفئ شيئاً فشيئاً عند انبثاق الضجر.
ان ألقاها مرة أخرى في فندق سرّي
ورخيص، وأعرف أنّها جاهزة للاستيقاظ
عند أوّل كلمة.
تفاهة بلا شك.
وذل في البشر: خطا في التذوّق.
ربما كانت هذه القصيدة أكثر عقماً
من السعادة. تصوروا هذه الأخيرة
بنظرة واضحة لمركب الجُمَل،
يتابع موافقة الذاكرة، إملاء
الفكرة،
والتمتع بعدم الخجل من كتابتها:
أولاد الزنى هم متعة الشاعر،
وربته.
وكُلّهم مصطنعون ليعودوا إليها.
الكلمة هبة
لمَن لا يحس شيئاً؛ تؤمن له
وجود نظام،
حق المنفى. ذلك لأنّه لا ينظر إلى العالم
ولا يراه، وعيناه مرآة تنفصل
بجسدية من الأشكال الصافية:
مسراته هي الموت، الزهد المعجّل
يحضر بؤبؤه
بهالة غياب، ولمتعته
كل ابن القضايا الخاسرة
قمة الاناقة
والخوف.
(مقطع)
ليوبولدو ماريا بانيرو(مواليد 1948)
[ باريس تحت الستيريو سكوب
تتذكر ذلك الذي كان يقيم من قبل في الشقة التي فوق، وطَرْده ابنته من بيته. لكنها تسمع صراخاً ثم رمى دُماها في الملعب، وبقيت هذه الدمى وسط النفايات ونظرنا إليها لم تتحرك ولم نعد نسمع صراخاً وهبط الليل، لمسها البواب صباح اليوم التالي وبعضها بلا أذرع.
نظرنا إليها كل بعد الظهر بينما كانت تفقد شكلها من غروب النهار وغابت عنه أنظارنا وعندما استيقظت في منتصف الليل لم يعد هناك أحد ليراقبها.
[ المرآة الأخيرة
مَن يعبر ممر الخوف
يصل حتماً إلى المرتبة الأخيرة
حيث ترينا امرأة تشبك هيكلك العظمي
وجهاً لوجه الجحيم بعينين مطبقتين
عينين مغمضتين إلى الأبد كما في قناع جنازي
يصدر في الما بعد المسرح الأخير:
هكذا حدقت في العينين اللتين محتا نفسي
هكذا حذفت في يوم غير موجود في المرآة الأخيرة.
لوي ألبرتو دي كيينكا
(مواليد 1950)
ليس ذلك الطوفان الشامل
وحدي، وراء مقعد سيارة
- القميص مُنَشّ الهواء مغسول بالطراوة
ادراك رائحة الموت الحادة
تحت صدرية الحرير.
(اكتشاف جرح قرمزي
ما زال متقيحاً بالدم).
[ حديث
كُلّما حدثتك، كلمات أخرى
تخرج من فمي كلمات أخرى
لا تنتمي إليّ، تأتي من أمكنة أخرى
تعضّ لساني.. وتؤلمني.
لها، كحراب الأبطال،
شفرة ذات حدّين، وشفتاي
تنفجران لدى اتصالهما بها، وكلّما برزت من الداخل - أو من بعيد أو من أي جهة يسيل من فمي خيط من الدم
حار يزلق على طول جسمي.
كلما حدثتك، كلمات أخرى
تتكلم عني، كما أنه لم يعد
في العالم ما ينمّي إليّ، لا شيء
لا شيء في استنفاد
حبك اللامتناهي
وإحساسي بأنني غير محبوب.
[ ميتة
كنت مُحبطاً. أمشي
على طول المرفأ.
ترتطم الأمواج
أمامي، بعيدة وعالية كجدران سجن،
كصمت الجُبن.
خلف الشاطئ، في موقف
حيث ركنتُ سيارتي، في أقصى
الطريق، مخالفة على الرمل،
شممت مزيجاً
من العطر والدم.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.