العالم العربي يعرف قامات مهمة في الشعر الإسباني ما قبل الحرب العالمية الأولى أو بعيدها، من جيل المناضلين والحالمين والملتزمين كألبرتي ولوركا.. وسواهما، من خلال ترجمات ركزت على الجانب السياسي أو الإيديولوجي.
نحاول اليوم تقديم إنطولوجيا لهذا الشعر الثري تمتد تقريباً نصف قرن: من 1945 إلى 1990، أي جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية وبعد الحرب الأهلية الإسبانية.
وبحسب ما قرأنا، بدا لنا وبشكل نسبي طبعاً وغير معياري لأنه من الصعب الاستناد إلى نماذج محدودة لإطلاق أحكام، أو قراءات مقننة معينة، إذاً وبحسب ما بدا لنا، أن هذه المرحلة تضمنت تنوعاً أكثر جرأة وأقل غنائية وسياسية من المرحلة السابقة، لكن ظهرت اتجاهات (غير دوغماتية) تمثل الشعر الاجتماعي (خوسيه أرغستن وكارلوس بارال)، أوديني (خوسيه ماريا فاليردين) أو رثائي (فرانشسكو برين، كلوديو رودريغيز)، أو سياسي (خوسيه هيث وغبريال سيلايا)، أو طليعي تجريبي (كارلوس إدموندو وإدواردو شيتاريو وسيلفانو سيرينيس)، أو سوريالي...
إخترنا مختارات لنحو 32 شاعراً تنشر على اربع حلقات.
جيم ديل دوبيدما (1929 ـ 1990)
[صباح أمس، اليوم
انه المطر على البحر
أمام النافذة المفتوحة
تنظر اليها، الصدغ
على الزجاج
صورة من يضع ثوان
جامدة عكس الضوء
جسمك مختلف، في عريك
ما زال ليلياً
تستديرين ناحيتي،
وتبتسمين، افكر في كل
هذا الوقت المنقضي
وتتجمد ذكراي
[ في حكايتي...
الحياة أحياناً جد قصيرة
وجد مكتملة، الى درجة ان دقيقة
ـ عندما تريدين ذلك وأريد ـ
تومض وقتاً وتدوم طويلاً
الحياة أحيانا جد غنية
تدعونا معاً
الى قصرها، يوم الأح
أو خلال الاسبوع، لتقفز عالياً
الحياة عندها تحسب
بوحدات حبك
البالغة الصغر حتى لننساها
في الفرح، والالتباس
الحياة احيانا قليل من شيء،
جد كبير اذا رغبت فيه..
الى درجة أن الالم الذي تسببينه لي
يعطي معنى آخر للوجود
الحياة، اذن، هي نحن
حتى الاقصى وغير المعهود
لأن العشق عقاب
والعيش معاً هاوية.
خوسيه انخل فالنتين (1929 2000)
[الملاك
نهضتُ
غطيت طاولتي بسجادة خضراء
وجلست لأنزع برفق أوراق
هذه الزهرة الصغيرة.
كل شيء بدأ هكذا.
كل شيء ما عدا الموت،
ما عدا الحياة،
الحب أو الحقد
كل شيء بدأ هكذا،
الشغف بالموت
بالحياة
بالحب، بالحقد
لاعب حالك
الملاك قبالتي
بنور رهيب
سبقه
حقيقته الناشطة
لم أكن أملك
سوى زهرة.
لاعبت الملاك
بلعبة النّعم واللا
دائماً، ومزيداً.
لكن أنت تعرف
أيها الخصم،
كل ضرباتي.
لا شيء يخونك،
منفصلاً عني
بطاولة
ذات سجادة خضراء
زهرة صغيرة
كل الموت.
طويلاً كان السهر.
وانتهيت الى اعطائي اسماً.
أنا كنت أملك زهرة،
أنت شيء من نار، أنا
الحرية الوحيدة بأن
أرغب انتصارك.
عشت حرية أخرى
عشت حرية أخرى
أجبت باسم آخر
بين الرغبة وهدفها كان وقت
يختزل بالأمل.
كانت الجدران عالية
لكي لا أرى
كانت السماوات عالية
لكي لا أرى: الحلم عالياً
كلي لا أرى
سوى حلم المحلوم..
كانت الحبة تسقط وتدفن معها
النظرة المستديرة للثمرة.
الهواء يفيض بالسلطة والعصافير،
صدفة الأمومة
للراحة العميقة،
صلاة الجواب
والضوء المكتفي
لكنني لا أتكلم عنك
ولا عما نسيت.
كان للحياة أن تدوم،
صادقة، على مستوى ذاتها،
ولتكون وعد إله
وكل شيء كان يمكن أن
يكون طعاماً فقيراً
وله آخر، لحلم آخر.
[ الحب في ما نُرسل
الحب في ما نُرسل
(جسور، كلمات)
الحب ما كل ما نرفع
(ضحكات، أعلام)
وفي كل ما نقاتل
(القمة، الفراغ)
من أجل الحب الحقيقي
الحب في كل ما نُعلي
(أبراج، وعود)
في كل ما نقطف ونزرع
(أطفال، مستقبل)
وفي حطام ما نهدم
(اللا إمتلاك، الكذب)
من أجل الحب الحقيقي
[كائن
تكون.
لا تكون.
في فضاء الكائن الشامل
تكون، تبقى، تذهب
من دون أن تذهب
نحو اللاشيء
نحو أي شخص.
نحو اللاشيء.
ماريا فكتوريا اتنشيا(مواليد 1931)
[الخبز القاسي
أشرب أَرَقي حتى آخر قطرة.
أهرب عبر الحقول، والذراعان مشرّعتان.
أعرف من أي قلق تولد قصائدي.
أمزّق ثوبي بألم وبلا دمع.
أقضم الخبز القاسي لأنانية الآخر.
أغرق في الضجيج الذي ينتفض على أحشائي.
أترك المسرح الذي يقدمني لليومي.
أعلّق عدم حبي بفقد الصبر.
أزرع في مدبستي ابراً صدئة.
أكسر الساعات التي تثقل على صُدغيّ.
أغوص شيئاً فشيئاً بهذا الحمل الذي يفرض عليّ
انتظر اللحظة التي تنفجر فيها الضغينة.
[حُلم
من في يصرخ
على امتداد الليل؟
صوته يخترق العتمة حتى رِحمي.
بدون راحة يد محبة حول خصري
أقطف وحدة الايقاع
الأنقى في صرخته.
[ الكوكب
سيستمر في الدوران في العلبة المغلقة
هذا الكوكب من الضوء والعتمة الذي يأخذنا
عندما يخنقناعصفور النوم بريشه.
انطونيو غامونيدا(مواليد 1938)
[ مثل جبل
مثل جبل على الظهر أو شَفرة
بين الأسنان بلا ذكرى، اعطينها.
أعطني الليل البلا بسمة،
البلا نجوم والبلا ايدٍ معبودة.
اعط مرآة لهذا الحب الذي يرتعش
تنهد أو تتأوّه بين الأيدي.
اعطِ ما شئت؛ اعطني هذه الصخرة
أو هذا الرغيف، أو هذه النجمة المدمرة.
[ الأغنية
أعرف أن الأغنية الوحيدة
من بين كل الأغاني القديمة الجديرة بالاحترام
الشعر الوحيد.
هو الذي يصمت ويحب دائماً هذا العالم
هذه الوحدة التي تُجنّن وتجردك.
فرانشيسكو برينيس(مواليد 1932)
[ينظر الى نفسه في الدخان
عندما زرع الانسان ذقنَه في يده
وأغمض عينيه ليرى
دخان حياته
لم يرَ سوى تعاقب حركات، خطىً منهكة.
[ ظلالاً:
هناك في نقطة من حياته، رعب،
وأرعب من ذلك، الأفراح الباطلة الآن.
إذ كانت بعض الظلال تكافح
لاسترجاع شكل
(هي، التي كانت بالنسبة إليه أكثر
حيوية من حياته)
في ذاكرته فالزمن يردمها
يفتح عينيه حول غرفته،
تسود عتمة حالكة.
ثم يترك ذقنه الضبابي
يسقط على حطام يديه.
من كل نثار الغتيت اللامجدي هذا
لا يتبقى سوى ألم
يكسر، في صدره، قيود حيوان من النار
تستمر الحياة في النصّ
بينما يأتي المساء
ليطفئ وجعه
حياته كلها.
وتيار هواء يدخل يطرد الدخان
[عين الليل الوحيدة
خلف زجاج النافذة، الهواء المعتم هو طيران
لا يمضي الى أي كان
ولا يربكه أي شخص
كل شيء مثلث فارغ، صمت
أريد اختراقه.
عصفور ظل لا أَراه يمر
يدخل بين الأوكالبتوس والنجوم،
وبجناحيه يصدم الفراغ:
أصم جناح الحياة
قاس جناح الموت.
لقد استثمر الليل،
ومن هناك يضرب صدري وأحشائي
ونسمع الآن الصمت
يدخل، ويبقى، في المثلث
حيث لن أذهب
حيث أغري ذاتي
اكتب هذه الكلمات ولا أفهم
لماذا أنا لست (الذي لا أكون)
سوى تشوش الموسيقى الصماء.
كلوديو رودريغز(مواليد 1934)
[حركات
نظرة، حركة،
تغيران غِرقنا. عندما تتحرك يدي
بغياب تام للمنطق والاعتدال،
لكنِ بَدوّي متشرد
وتتلمس، باحثة عن الحرارة
والرفقة في هذا المكان
حيث نبضَ كثيرون آخرون
فأي معنىً
لهذا كله، كم وكم من الحركات
عبرت كحلم صباحي. كتكشيرة الصور الأليفة
لأوراق اللعب التي لا تترك
بما في ذلك الجرح والقبلة، سوى
مصادفة شخصية.
أكثر سطوعاً من الكلمة أيضاً،
حركتنا، مثلها منهوشة بالزمن، قديم
كضفة النهر، فماذا يعني هذا؟
لماذا تنقل الهواء ذاته حركة
الهبة والطيران،
ما يغلق باباً وما يفتحه،
ما يُضيء وما يطفئ؟
لماذا تمتد بطريقة متشابهة اليد التي تزرع
وتلك التي تحصد،
يد الحب ويد الجريمة؟
نحن، الشديدي التحرك، لكن القليلي الفرح،
العِرق الذي لم يحسن فعل شيء
سوى نسج الاعلام، عرق الاستعراضات،
والفانتازيا والسلالات المائلة
فلنضع علامات أخرى.
لم أعد في حاجة الى قراءة كل يد، كل حركة،
كالأمس، لم يعد في وُسْعي كبح دوران العناق
لأقيس محورها
وأعبر منعطفي الانفعالي.
كلا، مضى زمن إلقاء
نظرة حنين على الجرجرة اللامتناهية لاقدام البشر.
علينا أن ننسى كثيراً،
وأكثر أن نأمل.. صامتة،
كطيران البوم، حركة منقشعة،
تلك التي للمعمودية
تقول، بنبرة جديدة
معناي الجديد، استخدامه الجديد.
وإذا أمكن لي وحدي،
أطلب، عندما تئن ساعتي،
الساعة التي تأسف فيها على كل الحركات العزيزة،
والتي تكون لديك القوة لإيجادها
كمن يجد متحجراً
(أو فك بقبلته المرنانة)
لعِرق منطفئ.
[ غريب
طويل هو نهارُ من لم يُحب
ويعرف ذلك. يسمع نبرات
جسمه القاسية والقصيرة، أغنيته
المبحوحة، المرنمة من البعيد.
ما إن يفتح باباً، حتى ينغلق من فوره.
يخرج، وبلحظة، ستصطدم ركبتاه بالأرض.
لكن الفجر،
بكَرَم خَطِر،
يُنعشه ويُنهضه.
شديد الوضوح طريقه. يسلكه بخطى مظلمة،
ويعرج، لأن تعبه
وحده يرافقه. وينقطع للهواء:
كلمات ميتة في فمه الحي.
اسير الا يُحب، يضم عزلته الخاصة.
وهو متأكد منه، أكثر تأكداً من أي آخر لأنه
لن يمتلك شيئاً؛ ولأنه يعرف أكثر من
أي وقت مضى انه لن يعيش هنا،
على الأرض. كيف يمكن معرفة من لا يُحب
كيف نسامحه؟ نهار طويل،
وليل أطول. سيكذب إذا أخرج مفتاحه.
سيدخل. ولن يسكن بيته أبداً.
[ سِرّية
كنت تجهلين ان الموت جميل
وانه وُلد في جسمك.. كنت تجهلين
ان العائلة.. الشوارع الكريمة،
كانت كذبة.
لكن ليس مطر الطفولة هذا،
وليس طعم الخيبة،
والشرشف البلا ظل واللمسة
المجهولة.
النور لا ينسى ولا يسامح،
اخطر من ضوئك
الشديد البراءة ليقول كل شيء
بيدي المفتوحتين في هذا المساء
المنوّر والملعون.
ما سبق أن فُقِدَ أُنقِذَ الآن
بفضل تضحية الحب، بِزِنى السماء،
بفضل الألم، الندم،
بالنعمة الهادئة
وماذا لو كان الربيع حقيقة؟
أجمل ما أقول. أمضي فرحاً.
كنت تجهلين أن الموت جميل
أيتها الآنسة الحزينة.
انطونيو مارتينيز ساريون(مواليد 1939)
[ آفة البحر
أراد اليوم أن يذهب للصيد
صنع عصا بمسحاة صفراء وبعض
الخيوط (كان يجهل حتى اسم
الصنارة وكان الطعم زهرة
الألغاز).
وعند الغروب في البحر،
يمضي وزوجته نحو صخرة
حيث تأتي الأمواج وتنكسر عليها.
الخيالان منذ الشرفة
العتمة الي تدخل بحريرها
وشكل الكلام المر
لأن تلك السمكة /الضخمة
التي نظر كلاهما اليها مرمية
كان لها وجهي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.