8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

شعر عالمي مختارات من الشاعرة الروسية الكبيرة مارينا تشفتايا (1892 ـ 1941)

الشاعرة الروسية مارينا تشفتايا من أكبر الشعراء الروس، وصديقتها الشاعرة أنّا أخماتونا. تعرضت للتنكيل والتهديد والقمع من النظام السوفياتي الستاليني، خصوصاً بعد ابتداع نظرية الواقعية الاشتراكية التي فرضت على الشعراء والكتّاب والفنانين أن تكون كتاباتهم مضادة للذاتية والرومانسية، وتخدم الثورة االبولشفية وسلطتها الستالينية. هذه النظرية التي صادرت كل شعر داخلي وذاتي وفردي واعتبرته خيانة للثورة، أسسها جدانوف وشارك في بداياتها غوركي وانضم إليها بكل أسف الشاعر الكبير مايا كوفسكي. هربت مارينا إلى فرنسا، وهناك صاغت أهم تجاربها.
ولدت الشاعرة عام 1892 وفي عام 1941 انتحرت وأنهت تجربة إنسانية رهيبة وقلقة، لكن غنية وطليعية.

[ في الصالون
في عالم الرؤى الليلية
نحن الأطفال الملوك.
الظلال الطويلة تنزل،
المصابيح تلمع خلف النوافذ،
الصالون العالي يظهر
تتنفّس المرايا لونها
ولا دقيقة برسم الضياع!
شخص ما يخرج من الزاوية.
فوق البيانو الأسود، كلانا
نحن الإثنين ننحني والخوف يقترب،
ملتفين بشال أمي
نسحب حابسين أنفاسنا خوفاً.
فلنذهب لنرى ما يحدث
على ستار الأعداء الظلاميين.
اسودّت وجوههم
من جديد نحن منتظران؟
نحن حلقات سلسلة سحرية
ولا نفقد في المعركة ابداً شجاعتنا.
المعركة الأخيرة وشيكة
وستنزول مملكة الظلمات
نحن نحتقر السالفين
لأيامهم الكئيبة والبسيطة...
نحن نعرف، نعرف كثيراً
ما لا يعرفونه
(1908 1910)

[ اقترب مجنحاً
[ ()
اقترب، مجنحاً،
وجفونك تنقشع على
نظرتك المشرقة.
مت مشتعلة
في أبهتِ الساعات

عمّ يمكن أن تكفّر.
هاتان الدفعتان الأخيرتان الفقيرتان؟
فكر تدق
الساعة الرابعة.

[ ()
ذهب من دون أن يُرى،
حاملاً الكلمة الأغلى.
لكن لا أحد سمع
نداءَك الأخير.

وضاع في بحر الضوضاء
الصرخة التي مزّقت صدرك ونفسك.
وردية، غرقت
في الصباح المضطرب...

[ ()
لو كنتم تعرفون، أيها المارة،
المشدودون بنظرات أخرى جذابة
مثل نظرتي، كم نار أشعلت،
كما حياة عشت من أجل لا شيء،

وكم حمية، كم اندفاعة
وفرت من أي ظل مفاجئ أو ضجة...
وقلبي، عبثاً مشتعل
مهجور، يتساقط رماداً.
آه، القطارات المتطايرة في الليل
حاملة أحلامنا في المحطات...
لو كنتم تعرفون كل ذلك،
وأنا عارفة، ما كنتم تستطيعون أن تعرفوا.

لماذا كلمتي بهذه الفجاءة
في دخان السيجارة الأبدي
وكم من حزن أسود
يزمجر تحت شعري المضيء.
(1913)

[ إلى بايرون (شاعر إنكليزي)
أفكر في صبح مجدك
في صبح حياتك،
عندما شيطاناً استيقظت
والله من أجل الإنسان.

أفكر في حاجبيك
اللذين يطوقان شعلة عينيك
إلى حمم دمك القديم
الذي يجري في عروقك

أفكر في أصابعك جد الطويلة
في شعرك المعقود
والنظرات التي كانت تفترسك
في الصالونات والممرات.

أفكر في هذه القلوب، الغنية جداً،
لم يكن عندك وقت للقراءة
بين أقمار تنبثق
وتنطفئ لمجدك.

أفكر في هذا الصالون الغامض،
في المخمل المنحني على الدانتيل،
عليك، وأنت قرأت لي من أشعارك
وعليّ، وأنا قرأت لك من أشعاري.

ما زلت أفكر في الغبار
الذي تبقى على شفتيك وعينيك
في كل تلك العيون التي ترقد مستريحة
فيهم. كلهم، فينا...
(1913)

A.S.E.
[ ()
بتحد أضع خاتمه!
أنا زوجته أمام الأبدية، ليس على هذه الورقة.
وجهه حاد
كسيف.

فمه أخرس، الزوايا منخفضة،
حاجباه مؤلمان ورائعان.
في وجهه الفاجع امتزجت
سلالتان قديمتان.

إنه دقيق كالأغصان النابتة.
عيناه مدهشتان غير مجديتين.
تحت الحاجبين المجنحين، المنبسطين،
هوتان.

أبقى وفية لوجهه الفروسي،
لكم جميعاً من تموتون وتعيشون بلا خوف
في الأيام المقدرة نغني
مثل هذه الأناشيد قبل الذهاب إلى المقصلة.
[ ()
أنا لا أفكر، ولا ألوم، ولا أناقش نفسي.
أنا لا أنام.
لا أرغب في شمس، ولا قمر، ولا بحر
ولا مركب.
لا أحس درجة الحرارة المرتفعة بين هذه الجدران،
ولا كمَ الحديقة خضراء.
وهذه الهدية، التي طالما رغبت، وانتظرت
ما عدت أنتظرها.

لا يُبهجني هذا الصباح، ولا هذا القطار
الصخب المبتهج
أعيش من دون أن أرى النهار، ناسية
من الزمن، السنة والساعة.
كأن على جبل مشقوق راقصُ صغير.
أنا ظل، ظل، أنا قمرية
من قمرين مظلمين.
(1914)

[ إلى ابنته
مع السنونوة جئت،
في الساعة ذاتها
فرح جسم صغير،
عينين جديدتين.

الولادة في شهر آذار
أترى يا رب هذه التحية
يعني أن تكوني عصفورة
على الأرض

السنونوات تغوص في السماء
المنازل رأساً على عقب:
الطفل يغرد، والعصفور يزقزق
خارجاً.
الأيام، في تشرين الثاني قصيرة،
طويلة الليالي.
السنونوة بأذنابها الزرق
ما وراء البحار!
برودة هذه الأراضي القاسية
تضغط على الصدر الناعم.
السنونوات أخذت
الطفل.
إكليل فقير على الجبهة، جامد،
جفون ناعمة جامد الطرف.
نامي يا طفلتي، عصفورة الله،
نامي، نامي!
(1914)

[ الحرب، الحرب
الحرب، الحرب! بحور وأيقونات
المهاميز تقعقع،
لكن ليس لي ما أفعل لا للقيصر
ولا لخلافات الشعوب.
كما على حبل مشقوق
أرقص راقص صغير.
أنا ظل ظل. أنا قمرية
بين قمرين مظلمين.
(1914)

[ الأوراق ماتت...
ماتت الأوراق على قبرك،
وهذا يوحي الشتاء.
إصغ إليّ، أيها الراحل، إصغ إلي أيها الحبيب:
أنت مع هذا ما زلت لي.
كنت تضحك تحت حجيجك!
القمر عالٍ.
لي: مؤكد وثابت
مثل هذا الصباح.

مرة أخرى، وصرة الثياب في يدي
سأجيء باب المستشفى
ذهبت إلى هذه البلدان الحارة،
بالبحار الواسعة.

كنت أعانقك، ألعب الساحرات!
أسخر من هذه الظلمات الأبدية!
لا أؤمن بالموت ستعود من المحطة!
إلى بيتي.

سيان الأوراق المتساقطة؛ على
التيجان،
الكلمات مشطوبة، ممحوة.
حتى ولو اعتقد العالم كله أنك ميّت،
فأنا ميّتة أيضاً.

أرى، أحس أحسك في كل شيء.
تسقط الأوراق من تيجانك.
لم أنسك فلا تنسني
أبداً.

بهذه الوعود أعرف الغرور
واللامجدي.
رسالة في العدم. رسالة في اللانهاية
رسالة في الفراغ.

[ الحياة...
الحياة ليست ضوضاء ولا عاصفة،
هي هكذا: تثلج
المنزل يضيء
شخص ما يقترب.
ببطء، يتلألأ الجرس،
يدخل. يرفع عينيه.
ولا أي ضجة.
الأيقونات تشتعل.
(1915)

[ من أين يجيئني الحنان؟
من أين يجيئني الحنان؟
دغدغت أقراطاً أخرى
وعرفت شفاهاً
أكثر قتامة من شفتيك.

كانت النجوم تتلألأ وتموت
(من أين يجيئني هذا الحنان؟)
كانت العيون تتلألأ وتموت
غائصة في عينيّ.

سمعت أغانيَ أخرى
في الليل المُظلم والأسود.
(من أي يجيئني هذا الحنان؟)
الرأس على قلب المغني.

من أين يجيئني هذا الحنان؟
وما عساني أفعل به، مراهق
ماكر، مغنٍ جوال
ذو أهداب أطول من طويلة؟

[ منافسة...
منافسة، سآتي إليك ذات يوم؛
على الأرجح ليلاً، في ضوء القمر،
عندما نقيق الضفادع في المستنقع،
وتهذي الشفقة.
ومحنوة بخفق
أجفانك الغير
سأقول لك: لست موجودة،
أنا حلم وأنت تحلمني.
وسأقول عَرّني
فقلبي المجروح يتحطم،
وسأقول الهواء عليل
السماء تشتعل بالنجوم.
(1916)

[ الأجنحة الناعمة
مد الصديق يده.
حط العصفور جناحه الناعم
كم أنا عصفور صديق
لشقائي، فهمت!
لكنك لن تذهب إلى
أٌقصى حناني المجنون!
و، شاكراً حرارته
تقبل الجناح الناعم.
الريح تطفئ الحرائق
وتنفخ الأستار.
الريح تزيح عن يديك
العصفور ودغدغته!
ويهب: لا تفتح قلبك
للنساء ذوات الأجنة الناعمة.
(1916)

[ دون جوان
[(I)
في الفجر القارس،
تحت شجرة البتولة السادسة،
خلف الكنيسة
أنتظر، يا دون جوان!

لكن أسفاً، أحلف
بحياتي، يا عاشقي،
أننا في بلادنا
لا نقبل!

هنا، لا جداول،
الآبار مجلّدة
وللمريمات العذراوات
نظرات قاسية.

ولكي لا تسمع
الجميلات تفاهات،
عندنا دقات
الجرس المرنانة.
(1917)

[ طويلاً

طويلاً، كنت في الفجر الضبابي
تنوح العاصفة.
نُوِّم دون جوان
في سرير من ثلج.

فلا من جدول مُرّ
ولا من نجمة ملتهبة..
على صدر دون جوان
صليب أرثوذكسي.

ولكي تكون الليلة الأبدية
لك أكثر إشعاعاً
أحمل إليك إليك مروحة.
اشبيلية السوداء.

ولكي بعينيك
ترى الجمال الأنثوي،
هذا المساء، هذه الليلة
سأحمل إليك قلبي.
في انتظار ذلك نم جيداً...
جئتني من أصقاع
بعيدة. لائحتك
ختمت، يا دون جوان
(1917)

[ سيف

كان عند دون جوان سيف
كان عند دون جوان دونا آنا.
وهذا كل ما قيل لي
من رائع وتعيس عن دون جوان.

لكنني اليوم أنا شاطرة:
منتصف الليل، كنت أمشي على الطريق
وشخص ما يتبعني عن قرب
منادياً أسماء.
في الضباب تبيّض عصا غريبة...
ودون جوان لم يعد عنده دونا آنا!
(1917)

[ قصائد إلى يوسيب ماندستام
[(I)
كنت أتمنى أن أعيش معك
في مدينة صغيرة
بأغساق أبدية
بنواقيس أبدية.
وفي حانة صغيرة في الريف
دقات نحيلة
من ساعة قديمة
الزمن قطرة قطرة.
وأحياناً، مساء، طالعاً من سقيفة،
سقيفة - مزمار،
والعازف نفسه في النافذة.
وأزهار توليب كبيرة على النوافذ.
وربما ما كانت لتحب...

في وسط الغرفة مدفأة خزف
ضخمة،
على كل مربع صورة:
وردة، قلب وسفينة.
بينما في النافذة الوحيدة
تثلج تثلج تثلج
كنتَ تمددت كما أحبك: كسولاً، غير مبالٍ
خفيفاً..
وبين الحين والآخر
حركة حادة لعود ثقاب.
تشتعل السيجارة وتنفد،
وطويلاً حتى آخرها،
- عمود رمادي طويل يرتعش
الرماد..
لم يكن عندك حتى الشجاعة لترميها
وكل السيجارة تطير في الهواء.
(1916)

[ قصيدة الجبل
[(I)
كان هذا الجبل جذعاً
تمثال مجند سقط بالقصف.
كان الجبل يريد عرساً،
شفاهاً عذراء، احتفالية

- هذا الجبل يفرضها.
اضطراب المحيط في الأذن،
صارخاً هورا دفعة واحدة.
كان هذا الجبل يتوه ويحارب.

جبل شبيه بالصاعقة.
عبثاً نلاعب الجبابرة!
من الجبل البيت الأخير
على طرف الضاحية: تتذكر!

من العالم هذا الجبل!
من أجل العالم يأخذ غالياً
الأخاديد تأتي من الجبل
كان الجبل فوق المدينة.

[ آذار
آه، يا بكاء الحب، غضب!
ينفجر من تلقائه!
آه! البوهيمية ملء دموعها!
في إسبانيا: الدم!

أسود، يا جبلاً
يبسط ظله على العالم كله؛
أيها المبدع: الوقت الكبير
لرد بطاقتي.

رفض أن تكون. أن تتبع.
مصح اللاّناس.
أرفض أن أعيش فيه
مع الأوصياء الذئاب

الشوارع أزعق: أرفض.
أما بالنسبة إلى أسماك القرش السهول
كلا! أن أنزلق: أرفض
والقيود على طول الظهر.
الأذنان مسدودتان،
وعيناي ملتبستان.
إلى عالمك التافة
لا أقول سوى: الرفض.

(1939)

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00