8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

نصوص شعرية لفريديريك نيتشه(1858 ـ 1888)

قصائد من مرحلة الشباب
1858 1871
[ في البعيد
في البعيد البعيد
تلمع نجوم حياتي
وأتأمل بحزن
سعادتي المولية
ناظراً بإرادة بإرادة بالغة
وبارتعاش متعة في الوراء
كما مسافر يقف في الأعالي
ويرصد بنظره الأبعاد،
الحقول المزهرة
حيث تمر موشوشة النسمات
الرقيقة، الدافئة، ويُصخي
برعب سري:
هكذا تمتد أمامي
عصور متسعة سعيدة وتنتشل
روحي من الحدود التعيسة
أفكار سلبية
لرفعها حتى المباهج الأبدية هناك.
أرى مركب شارون يتأرجح
أذكر بنبرات القيثارة الذهبية
اللواتي سقطن
ويقتربن مني ويضمنني
بأنوارهن السحرية.
أجهد لكي التقطهن فيشحبن
ولا بدّ لي سوى تركهن يتلاشين:
ليتداعى رجائي!
[ حنين
رنَّات المساء الناعمة
ثرّة على الريف
لكنها تعلمين
أن لا أحد في هذا العالم
وجد حقاً
مسقط رأسه وسعادة البلاد.
وعندما تقرع الأجراس هكذا
أشعر من جديد بأننا جميعاً
ما زلنا في الدرب
نحو الوطن الأبدي.
طوبى للذي ومن دون هدنة
يكافح لكي ينتزع من الأرض
ويغني الأناشيد الحنينية
لهذه الغبطة
(آب 1859)

[ عودة II
كان يوماً مؤلماً
عندما، أمس، قمت بوداعاتي:
وأشد قلقاً ومرارة
في اليوم الذي عدت فيه.
آمال السفر
تلاشت دفعة واحدة!
فيا للساعات الشقية!
ويا لليوم المشؤوم!
بكيت كثيراً
على قبر أبي
ودموع حرّى
سقطت على الشاهدة.
البيت الأبوي العزيز
بدا لي جد فارغ وحزين
الى درجة أنني تركته غالباً
لأذهب الى الغابة المعتمة.
وفي مساحتها المظلّلة
نسيت كل ألم
وبأحلام رقيقة
عاد السلام الى قلبي.
لمعان الأزهار الفتية،
الورد ولهو العبّرات
أضاءت نومي
في ظل شجرة الزان.
(25 آب 1859)
شذرات شعرية
(1884 1885)

[ الى حافظ
الحانة التي بنيتها لنفسك
أكبر من كل منزل
والمشروبات التي قطرتها فيها
لن يستنفدها العالم.
والعصفور الذي كان أمس الفينيقس
ضيفك،
الفأر، الذي يلد جبلاً
ها هنا هو أنت تقريباً!
أنت الكل ولا أحد، أنت الحانة والخمر،
أنت طائر الفينقس، الجبل والفأر،
تغوص أبدياً في ذاتك
تحلّق أبدياً خارج ذاتك.
أنت دُوّار كل المرتفعات
ضوء كل الهاويات،
ثمالة كل الثملين
فلِمَ إذاً فلمَ تقدم إليك الخمر.
[ الصياد البريّ
أنت يا ريح الليل في المسيل ماذا تقولين.
2
عندما يجتاح الخوف الكبير المستوحد، عندما يمشي، يمشي من دون أن يعرف الى أين؟
عندما تزأر عواصف رهيبة، عندما تشهر الصاعقة ضده، عندما يخيفه كهفه بأشباحه:
ليكن معصوماً للقرازم والكسالى:
من ليس عنده أي شيء ليبدعه، جاء أي شيء يدفعه الى الإبداع.
هنا يدور المستقبل على نفسه، هنا الهاوية فاغرة، هناك طلب الجحيم، يفتح فمه، ينبح، هنا الأكثر حكمة أصابه دوار.

ومن جديد تكر الأقمار والسنوات، ويبيض شعر زرداشت، لكن زرداشت الجالس في كهفه، ينظر الى الخارج، ولا يلحظ الزمن. أترى نسي العالم زرداشت: أتراه نسي هو العالم أيضاً؟
كبلت قدماك، ولا تقدر حالياً أن تجرح بمخلبك، أنت الهرة التي تجرح بمخلبها.
بسيوف متعطشة، جافة، لمعت طويلاً
على الحائط، وبسيوف تشبه أفاعي مبقعة بالدم.
[ الساحر

أنا منهك: عبثاً بحثت عن حياتي من خلال رجل عظيم. لكن لم يعد ثمة زرداشت...
أعرفك، قال زرداشت بغضب، أنت بالنسبة الى الجميع، الساحر، لكن يبدو لي أنك حصدت القرف بالنسبة إليك وحدك.
يشرفك أن تبحث عن العظمة، وهذا ما خانك أيضاً: أنت لست عظيماً.
من أنت؟ قالها برعب وحقد بنظرته، من يجرؤ على مخاطبتي هكذا؟
إحساسك بالخطأ رد زرداشت
وأدار ظهره للساحر.
الى أين تريد أن تذهب؟ قال له بصوت عالٍ، وصوته ارتد اليه غريباً ومتغيراً لا أعرف. وحيواناتك أين حيواناتك؟
آه يا زرداشت، من الآن وصاعداً كل الذين تحبهم لم يعودوا أحياء..
وارتمى أرضاً، صرخ من الألم وغرز يديه في الأرض.
وكل شيء كان باطلاً!.

وهكذا نهض زرداشت كشمس الصباح التي تبزغ من الجبال: قوياً ومتوهماً، يتقدم حتى عز الظهيرة التي يتوق قلبه إليها، ثم ينحدر الى غروبه.
كمثل ريح تضيء كل السموات وتجعل كل البحار تجأر، مدفوعين هنا وهناك، مرتفعين كأعاصير، أنتم غير المستقرين، نمتم ذات يوم على كل أديم، أنتم غبار كل زجاج، وكل مرآة عديمة الجدوى.
يغني: حلق عندها أبعد حتى من شقائه، العصفور الحر؟ لأن الشقي يصمت.
أعطني أن أتكهن: ببرهانك تتعب شهية فكري.
يبتكرون لهم الضجر ورغبة أيام الاثنين وأيام العمل.
هنا تزوبع وتدور أشياء مظنونة، هنا تنفغر الهاوية، ينبح كلب الجحيم الذي يسمى المستقبل، هنا النفس الكبرى تصاب بالغثيان.
[ العزلات السبع
وإذا كان لا بد، ذات يوم، من أن أعوي مع الذئاب، سأفعل ذلك بطريقة جيدة جداً، ومن وقت الى آخر يقول ذئب: أنت قوي أفضل منا، نحن معشر الذئاب.
الشذرات الأخيرة (1888)
صمت الفولاذ
خمس آذان ولا نغمة واحدة ترن!..
أصبح العالم أخرس...
أصغيت بأذني فضولي:
خمس مرات ألقيت خيط صنارتي في البعيد
وخمس مرات لم أصطد سمكة واحدة
سألت ولا أي جواب رمي في شبكتي.
أصغيت بإذن الحب.

نفسٌ مغطاة بالثلوج، تحاول
ريحٌ مذوبة الثلج مداهنتها
سيل يلمع ويرقص، وطبقة حجارة متعرجة
تحاصرها: بين حجارة سوداء
نفاد صبرها يتوهج ويرتعش.
السماء ملتهبة، والبحر
يبصق علينا.

إنما ضدك صريف أسنان البحر

لا تخطئ!
انه بلا شك يضحك
كبرق:
لكن، بعدها،
يقصف، غضوباً، رعده الطويل

أرادت حكمتي أن تقلد الشمس:
أردت إشعالها،
لكني بهرتها،
شمس حكمتي
أحرقت العينين...

قاسية شفقتُه
ثقل حبه يسحق!
لا تعطِ اليد الى عملاق!

هذه هي إرادتي
ومنذ أن كانت هكذا إرادتي،
كل شيء يسير كما تمنيته:
لأن هذه هي إرادتي العليا:
ما وجب عليّ أن أفعله، أردته
وهكذا هزمت كلّ واجب،
منذ ذلك الحين أجهل كل واجب

ناس متواضعون
واثقون، منفتحون
لكن الأبواب واطئة جداً
وعلى المرء أن يكون واطئاً ليعبرها

أتريد الإمساك بهم،
مع كلبهم
كما الى نعاج ضالة:
طريقكم، آه طريقكم،
أضعتموها
وفي الحال يتبعون
من يطريهم هكذا.
ـ ماذا؟ أكان عندنا طريق؟
يقولون في سرهم:
كأنما، في الحقيقة، عندنا طريق

لا تأخذوا علي نومي:
كنت مرتعباً فقط، لم أكن ميتاً.
كان صوتي يرن بطريقة غير جميلة:
لكن لم يكن سوى شخير، لهاث،
أغنية رجل تعب:
لا دعوة للموت،
لا جاذبية القبر.

ما الفائدة! قلبه
ضيق؟ كل روحه
في هذا القفص الصغير
أسيرة ومسحوقة
أيها الحكماء الصارمون
صار كل شيء بالنسبة اليه لعباً

أين النفوس المحدودة
نفوس الدكانجية!
عندما تقع الفلوس في الدرج
نفوسكم تتبعها فجأة.

ألم تعد تحتمل
قدرك الإجباري؟
أَحبَّه، لأنه لم يعد لك من خيار آخر!

الوحدة
لا تزرعُ شيئاً: إنها تُنضج...
وما زال عليك أن تحتاج صداقة الشمس.
ارمِ في الهاوية ما يثقل عليك!
أيها الإنسان، إنسَ! أيها الإنسان إنسَ.
إلهي فن النسيان!
إذا أردت أن تطير
إذا أردت أن تكون عندك في الأعالي
ارم في البحر حملك الأثقل!
ها هو البحر ارم نفسك في البحر!
الهيٌ فن النسيان.
[الساحرة

كنا نظن سوءاً الواحد بالآخر
كنّا متباعدين جداً.
لكن الآن في هذا الكوخ الضيّق،
مقيدين بالقدر ذاته،
كيف يمكننا البقاء أعداء؟
لأنه يجب أن نحب بعضنا
عندما نعجز عن الهروب.
[ مجد
أنا مقيم في المرتفعات
لا أشعر بحنين الى المرتفعات
لا أرفع عيني إليها:
أنا شخص ينظر الى الأسفل
شخص يجب أن يبارك:
كل المباركين ينظرون الى أسفل

عيون بطيئة
نادراً ما تحب:
لكن إذا أحبت، ترمي وميضاً
كمناجم الذهب
حيث يحرس تنين كنز الحب

تريد أن تمد يدك الى الأشواك؟
أصابعك ستدفع الثمن غالياً
مدّ يدك الى الخنجر.

هل أنت هش؟
إذاً، لا تثق بأيدي الأطفال
لا يستطيع أن يعيش الطفل
من دون أن يكسر شيئاً.

مسافر تَعِبٌ
يستقبله كلب بقسوة
وهو ينبح.

طويلاً كان في زنزانة
هذا الهارب!
طويلاً خاف من عصا
الجلاد.
خائفاً، يمضي الآن في سبيله
كل شيء يجعله يتعثر
ظل عصا يجعله يتعثر

أنظر أمامك! لا تنظر وراءك!
من فرط ما نريد الذهاب الى عمق
الأشياء نغرق في العمق

مرحبة بالناس وبالمصادفات،
بقعة شمس
على المنحنيات الشتائية
أيتها الأيام المستوحدة
يلزمك أن تتقدمي بخطى أكثر جسارة!

إلى أين تذهب؟ من يعرف؟
ما هو أكيد، أنها تغرب.
نجمة تنطفئ في الفضاء الصحراوي:
عندها يصبح الفضاء صحراء حقيقية..

هذا وحده ينقذ من كل ألم
وعليك أن تختار:
الموت السريع
أو الحب الطويل

انه ذئب ما أوصاني به:
تعوي، قال لي، افضل منها نحن معشر الذئاب

معذباً
بسعادة جديدة

بجمال هذه الحجارة
ينتعش قلبي الملتهب

تتمنطق بليالٍ جديدة
قائمتك كأسد ابتكرت صحارى جديدة

رأيت أشياء أكثر قتامة ورهبة
مما رآه أي راء إطلاقاً،
نشوة الجحيم، لم يعبرها أي حكيم

بعيداً أمامي، في محيط المستقبل
فوق رأسي، أطلق خطي

محملاً بأثقل خطأ
وعلى كل الفضائل
أن تركع أمام خطأي

الحيلة هل تساوي أفضل من القوة؟

أعطيت كل شيء،
كل ما كنت أملك:
لم يبقَ لي شيء
سواك! أيها الأمل الواسع

حيثما الخطر
هناك أحس بأني في عناصري،
هناك أكبر وأنمو خارج الأرض

هكذا يتكلم كل جنرال:
لا تترك بسلام
لا المنتصر ولا المهزوم!

الساعة القصوى وصلت
خطر الاخطار
نفسي تلتزم الصمت..
من تراه قادراً على تقييم حقك؟
إذاً، امسك بنفسك حقك!

حطام النجوم،
بهذا الحكام بنيت عالمي

معلقاً بهذه الفكرة
كل المستقبل أشده إليّ

ماذا يحدث، أهو البحر ينخفض؟
كلا، هي أرضي تصعد!
نارٌ جديدة ترفعها!

حبك الخادع
للماضي:
حبك حفار
يجرد الحياة:
سرقت منه مستقبله

اعتراضي الأخطر
قتلته لك: الحياة تصبح مملة:
أرفضها، لكي تعاود تذوقها!

هذه العقبة الكبرى
فكرة الأفكار هذه
من خلقها؟
الحياة نفسها هي التي خلقت
عقبتها الكبرى:
الآن، تقفز بخطى متوازية فوق فكرتها

الحالمون، الكائنات العشقية،
وكل ما،
بين المساء والليل
يزحف، يطير، ويتأرجح على قدميه

ما يسكن حولك
سيعتاد قريباً أن يسكن فيك:
حيثما تقيم إقامة طويلة موقعك
تزهر عاداتك

ضفاف الأنهر الجافة،
نفوس قاسية ورملية

برودته
أيجمد ذكرياتي؟
اتراها أحست أبداً بهذا القلب
يخفق ويلتهب بي ومن أجلي؟

في نجوم فضيلتي الاثنتي عشرة:
فيها كل الفصول.
بحثنا عن الحقيقة
أهو بحث عن السعادة؟

لا نظل طيبين إلا إذا نسينا
الأطفال الذين لا ينسون التوبيخ والعقاب
يصبحون مرائين ومنغلقين.

الفجر
وقحاً بنقائه
يلقي نظرة ويتلاشى
غيوم عاصفة تعقبه.

حقائق مصنوعة لأقدامنا
حقائق تستطيع أن ترقص.

غيوم العاصفة.. أي أهمية
توليننا اياها، نفوس حرة فرحة كالهواء؟

عندما يتملك المتوحد
الرعب
ويجري كمجنون
من دون حتى أن يعرف إلى أين،
عندما تطارده العواصف زائرة،
عندما يهاجمه البرق،
عندما تخيفه مغارته بأشباحها

لست سوى صانع كلمات
أي أهمية للكلمات؟
وأنا أي أهمية لي؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00