في الحلقات الثلاث الماضية تناولنا وقائع الافتتاح، وعدداً من العروض في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي الخامس عشر، نستكمل المقاربة.
الأيام الحلوة
ـ "الأيام الحلوة" (صموئيل بيكيت، الصياغة العربية خالدة سعيد، إخراج مها الصالح، سوريا). بين صناديق القمامة والطرق المبهمة وما يشبه الحفر الرملية، عالم مليء بالعزلة، عند بيكيت. عالم النهايات أو ما قبلها أو ما بعدها، في كل أعماله. منها "غودو" الى "نهاية اللعبة" الى "آه، الأيام الجميلة" (أو بالعامية رزق الله على الأيام الحلوة). شخصيات مقتلعة. بلا تاريخ هنا. ومجرد تذكارات وحنين هناك. أو حفنة من كلام ما يطفو فوق هاوية، أو داخل حفرة، أو صندوق قمامة "نهاية اللعبة". شخصيات تلفظ كلماتها الأخيرة على سطح من الرمل. حيث لا أحد يذهب الى أحد، ولا أحد يأتي من مكان أو يمضي إليه. رحلة واقفة. شخصيات منها من يقف ولا يستطيع، ومنها من هو مقعد ولا يستطيع المشي. أو الوقوف. ومنها من اختار حفرة (أو هاوية). دائماً الأمكنة والشخصيات على علاقة ملتبسة.. الأجساد تشبه الأمكنة. والأمكنة ناصلة كالنطق والكلام والحواس والتذكر. من يتلو ختام اللعبة في ما تبقى من حياة كاملة: مرآة. مظلة. عصى. جريدة. مسدس. حقيبة تحتوي على نوافل والحياة "البائدة" أو التي تبيد أيام صاحبها. رمل قاس. صلب. هذه هي أشياء الشخصيتين في "آه، الأيام الحلوة". أشياء تشير الى اختزال العالم بتفاصيله غير المجدية سوى في انتظار بلوغ الهاوية، أو إدراكها بعد غرق طويل في الذات وفي الماضي وصولاً الى القعر. كل شيء يسقط. نعم! ينهار نعم! لكن ببطء. لكن بما يشيعه من بوح النهايات. أو الأحرى من بوح العزلة. وعندما تتكلم المرأة (من شروخ زمن مجهول) كما تفيض منه الكلمات بلا وجهة ولا هدف ولا مآل. كمن يعرق. أو كمن يقضي حاجة. أو يتقيأ. إذاً شخصية من بقايا الأمكنة. ومن بقايا التاريخ. ومن بقايا السكان. شخصية بقايا وركام. لكن ما زال عندها القدرة على قول لغة فسيفسائية. متقطعة. ذات فجوات (كالمكان الذي تبرك فيه وتغرق في عدمها). وهنا الصعوبة في التعاطي الأدائي مع شخصية المرأة في "آه، الأيام الجميلة". ليست شخصية تقليدية. بلا مواصفات. ولا هوية. ولا مزاج واضح. ولا تطور. ولا تأخر. ولا حيادية هناك. وعندما اختارت مها الصالح هذه الشخصية عرفت أنها لا تتعامل مع شخصيات نسائية مصنفة كـ"الآنسة جوليا" لسترندبرج، أو الليدي مكبث عند شكسبير، أو حتى الليدي هاملت، أو ميدبا عند أوريبيدس أو أندروماك. هذه الشخصيات، على عكس "اللاشخصيات" عند بيكيت. من هنا الصعوبة. والوعورة، لا في الاخراج فحسب، وإنما في الأداء. والسؤال: كيف يؤدى دور بلا شخصية واضحة، أو شخصية بلا دور. على أن مها الصالح كأنما رأت أن اللادور هو دور. وهذا صحيح. واللاشخصية هي شخصية. إذا عدنا الى الجوهر الدرامي. الجوهر الانساني. فاختارت صيغة خاصة في الأداء: الحيادية الحية. الكلام قناع الشخصية: النبرة غير الملونة. الملامح الجامدة. اختزال الحركة. عدم تلوين الصوت. رتابة ظاهرية هي ما عناه في العمق بيكيت. حركة محدودة. إيقاع ضيق. مساحة تتضاءل نحو القعر. فجوة. نصف الجسم. ثم ربعه. ثم الرأس. ثم العينان. ثم الهاوية. يتحول الوجود أخيراً الى شيء من الصمت. وشيء من الصوت. بل الى صوت (بيكيت يعشق الصوت). وقد تمكنت مها الصالح باحتراف ملحوظ، وبتمكن، من أداء أو صوغ هذا الدور الصعب باختزالاته العديدة، وظلاله الكثيفة. أما الشخصية الأخرى (الرجل) جهاد الزغبي الذي يطفو ويختفي. المُقعد الذي بقي له أن يقول جملاً مكررة. أو شتاتاً من التصويت، أو كسوراً من الحركة، فهو أيضاً (وجدي) كان الصوت الآخر في هذه الخربة الضيّقة. وضمن حدود دوره الضيق فقد سجل حضوراً. ونظن أنه لولا الصوغ العربي الذي قامت به خالدة السعيد، والذي يتميّز أولاً بمحافظته على الروح البيكيتية، وثانياً بتقديمه لغة درامية (لا أدبية كما يفعل كثيرون من المعدين والمترجمين) قابلة للنطق، والتقطيع. ومجردة من كل ما يُعيقها من أن تكون سهلة التقديم، ملتبسة حيث الالتباس، وواضحة حيث الوضوح، وهامسة حيث الهمس، وحيادية حيث للحيادية أن تكون، فلولا هذا الصوغ لما تعامل الممثلان بمثل هذا الإيقاع الممسرح (الدرامي) مع النص براحة ويسر. أما السينوغرافيا فجاءت من عمق النص، لا سيما الإضاءة (ماهر هريش) التي لعبت دوراً أساسياً في تكثيف المناخات الداخلية، والتقلبات، عبر تدرجات الأحمر القوي، الى الأحمر الأقل قوة، الى الشاحب الذي يعطي انطباعاً بحضور العدم. ونص بيكيت (والحمد لله) لا يتحمل بهرجة لا في الديكور، ولا في الملابس، ولا في الإضاءة.
ثمة ملاحظة أولى: كان يمكن أن يوحي الإيقاع بسقوط متدرج، أو بتهاو ملموس، لكي نحس أكثر بأعراض الأفول التي ترافق الشخصية منذ البدايات. وملاحظة ثانية: ما دام مسرح بيكيت لا ينتمي لا الى مكان، ولا الى محلية، أو لم يكن ممكناً عدم تعريب الأسماء. وحتى الموسيقى والغناء. كان "التغريب" واللامألوف ربما أقوى. فبيكيت يختلف عن برشت وتشيخوف وغوغول. هم كتّاب أمكنة وأزمنة وقضايا، ومن المفيد عربنة نصهم، ليتلاءم مع واقعنا. أما بيكيت فهو مسرحي اللامكان. واللازمان. فلماذا ننفي هاتين الصفتين الأساسيتين عن مسرحه؟
في السماء
ـ "في السماء" (إعداد أركنك، إخراج عوني كرومي، لبنان). كل في هذا العمل مفتوح. من النص، الى السينوغرافيا، الى الدلالات، الى الفضاء المسرحي. ذلك أن البؤرة الأولى للعمل، (فلنقل الكلام)، هي مزيج من النص المكتوب (بالفصحى)، والحوارات العامية (باللبنانية). نص على نص، فكرة على فكرة، جملة على جملة، شعر على شعر، إنشاء على إنشاء، واقعية على التباس... ولعلّ هذا سرّ المسرحية الأولى. أو مفتاحها. وهذا ما يفضي الى خليط أو توليفة من الحالات والمواقف ضمن حبكة غامضة، وواضحة معاً، والتي تتمثل بالبحث. الحاجة الى البحث، أكثر من البحث نفسه. لأنه في النهاية، وكما هي أحوالنا، بحث يمشي في لاجدواه. أو فلنقل الى لا جدواه أيضاً. ولكن بين هذه الرغبة واللاجدوى كأنما نقطة أو معبر بين الحياة والموت، بين اليأس والرجاء، بين العنف والحنان، بين الحب ووجوهه القاسية، بين مشاعر الذنب والقهر، بين الحروب والخراب وما ينبثق منها سعياً الى السلام، عوني كرومي إزاء هذه المناخات الضاغطة التي تحاصر ثلاث نساء يبحثن عن أزواجهن الذين وراء مصائر معدومة أو مجهولة أمواتاً أو يائسين، أو مشردين، أو باحثين في اللاجدوى والعبث وعنهما. فهل تلتقي الرغبتان في ما أسماه كرومي "الهبط". نقطة فاصلة بين المصائر والأسماء والتكاوين والموتى والحياة؟
نظن، ان المخرج، وجد في هذه الالتباسات ذريعة لتفتيح الفضاء (السكاني) على سينوغرافيا ضخمة، تحفل بالأدوات المستخدمة من قبل الممثلين. (وسينوغرافيا لا يلمسها الممثل هي سينوغرافيا ميتة).
شاشات في أقصى الخشبة: تلفزيونية. الواح متراكبة تحت الشاشات. الرباطات (القيود) التي تكبل الشخصيات ببعضها. ملاءات من النايلون. بروجكتورات. كرسي نقال للمقعدين.. يضاف مؤثرات صوتية عنيفة يمتزج فيها الغناء (الديني) بالأصوات بالصخب الموسيقي. ولكن هل تلاقت هذه العناصر على جوهر الكلام الذي يتلوه الممثلون؟ أو بالأحرى هل خدمت السينوغرافيا الصوتية والموسيقية، وكذلك سينوغرافيا الإضاءة التي لعبت دوراً في هذه المناخات، دلالات النص أم ضخمتها بحيث انتفخت على تلك المساحة المكتظة؟
الواقع ان عوني كرومي استطاع أولاً ان يكوّن مناخاً ما في هذا العمل: مناخاً يتناوب فيه التعبير بالإيحاء (موجه نحو الحواس)، والتعبير بالمباشرة. لكن ايضاً تمكن من تكوين علاقات سرية بين ما هو مرئي وبين ما هو مسموع في ما يسمى مسرح الصورة انها صور تهطل علينا من كل الجهات. أحياناً تصفو على معانيها، وأحياناً تستقل في جمالياتها، وأحياناً تشرد في مجانيتها، لكن من دون ان تنفصل عن المناخ العام. صحيح ان المفردات السينوغرافية او معظمها مستخدمة من قبل: الشاشة، أو الشرائط المصورة، أو الشرائط التي تعكس ما يدور على الخشبة، إلا أنها بتواترها واتصالها تزخّم الجو، ولكن تكراراتها أحياناً كثيرة تؤثر سلباً في الإيقاع العام. وكذلك البروجكتورات التي تستخدم ربما من قبل "الهابنغ شيتر"، أو "الأوبنينغ شيتر" في أميركا الستينات وتباعاً في العديد من المسرحيات العربية. وكذلك ملاءات النايلون سواء في تركيب المشهديات أو في غيرها...
لكن كرومي عرف كيف يجمع هذه العناصر بطريقة توحي بالجديد لتكون الصورة العمومية للعمل.
وهنا يأتي دور الممثلين وهو الأساس. والبادي ان المخرج الذي اختار (بعد صعوبات جمة واجهها في بيروت وهو يقدم باختياراته وتمارينه) خامات فنية فتية وطازجة تمكن بعد شغل وتجارب ان يكون فريقاً متجانساً. فالممثلون والممثلات انخرطوا في هذه المناخات الملتبسة، وأدوا أدوارهم أداء حياً، ومنسجماً، وداخلياً، وإن شعرنا أحياناً انهم كانوا يحتاجون الى مزيد من التمارين لبلورة حركتهم على الخشبة، بل وخفنا احياناً أن تبتلعهم السينوغرافيا (الثرثارة) أو المؤثرات...
ذاكرة التراب
"ذاكرة التراب" (تأليف أمير الحناوي، وإخراج شادي عشور، السعودية). موضوع يجمع بين الرؤيا الميتافيزيقية للأمور، والحس الانساني المباشر. فها هي عجلة الزمن الهائلة تعود الى حقبة من التاريخ اختفت خلالها مظاهر الحياة وإشاراتها. بحيث أصبح التراب هو السيد الآمر، الذي يطغى على قوانين الحياة، والذاكرة السائدة التي يحيا في داخلها كل من حلت عليه اللعنة من أهالي ضلمة. طقوس الموت، والعدم، والاشارات والشعائر تكثف كلها هذه المناخات القاحلة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.