مجموعة ليلى عساف الشعرية لن أدع يوماً...
فكرة صفراء طارت من رأس امرأة
مجموعة ليلى عساف الجديدة لن أدع يوماً (عن دار نلسن، بيروت)، قد لا يختلف عن أعمالها السابقة، ولكن لا يعني ذلك تردادها. فالترداد له أسراره.. وله مخابئه وراء الكلمات، والمعاني، والمقاسات، لكن نبرتها ما زالت ملازمة لكتابتها. والنبرة هنا مجموعة الإيقاعات المتصادمة، أو المتلاقية على تنافر. في قصائدها الجديدة، نوع من الطعم غير المسبوق مذاقه. تغرف من حبرها.. وفي حبرها ماء قليل. يدفع، يشرط، يلوث، يهذي، يغني، يهرب، يتردد، يبوح، يحنّ إلى ماضٍ بلا ماضٍ، ويعيش في الحاضر بلا حاضر. لحظات مطلقة في حبرها الكثيف. أي لحظات منفردة تجتمع لكي تختلف. وتختلف لكي ترحل. هنا بالذات يمكن القول أن الترحال بين المخيلة (المضبوطة)، والذكرى الهشة، كما في عودات بلا حدود، وبلا أسفار لا تعود أيضاً.
كل نص من نصوصها يعيش مصاباً بالحركة المكتومة. بالانطلاق العاجز. بالموت الفجائي. بالفجر المخادع. وهذا ما أحببته في شعرها. تبحث عن الجملة وعندما تعثر عليها ترميها. تعطيك نصاً (طويلاً كان أو قصيراً)، وتخاله استقر في معارضاته، لتكتشف أن فوضاه تحمله بعيداً. إنها الفوضى المتوازية بعناصرها وبملامحها، وماديتها، وأثيريتها. لكن الفوضى هنا سر الوحدة. والتبعثر علامة الالتباس. كأنها شاعرة الندوب الحية، ينزف يباسها هنا، ويتجمد ماؤها هناك، لكي تبقى جرحاً غامضاً، بلا تذكارات، ولا أحداث. الندوب في قصائدها هي ما ينفتح في الداخل من شقاء روحي، ومن كسور، قد تكون أبعد من الجسد، والملمس، والجلد، والحواس. وهذا دهليزها الطويل.. الذي قد يفضي وقد لا يفضي إلى ضوء. حتى عندما يستعمل ضوء ما، فلينكسر على تفاصيله، ومساحاته، وأوراقه. بمعنى آخر كأنها شاعرة الندوب التي تكرر الأعمار، والتواريخ، مرة بخوف، وأخرى بمتعة، لكي لا تقول انها لذاذة التعذيب الذاتي. كل شيء يعبر ويعود بشبح آخر. بميسم آخر. بقسوة أخرى، قلما يرسل ظلالاً، في صحراء، أو دفئاً بين الأشجار. وكل هذا من صفات الأمكنة العابرة. السائلة، المترحلة مع ترحال الزمن، والكوابيس، والتتمات الناقصة، والورود المعطوبة، والحب المسكون بالعدم. ولهذا نجد في قصائدها أن التذكارات متعطلة بقدر ما تلح عليها، والحاضر متفعل بقوة انغرازه الحاد والمستقبل، تعروه مزق، حطام بين اليدين، تشوش في العينين، حروق في الجلد. لكن من سمة التذكارات، قاسية أو حنينية، التقطع، والاختراق، وعدم الاكتمال. فالذكرى خداعة وخائنة، لأنها تصل ولا تصل، وإذا وصلت فلا يبقى منها سوى رذاذ، أو كسور، على أن تصبح مخيلة. والمخيلة ليس أكثر من خراب الماضي في الحاضر. وهو الخراب الجميل، مازج كل العناصر بكل الأشياء، كاسر افقية الزمان، متابع غموضه، وهشاشته، واحتضاره. فالمخيلة، تعني، رواسب ما تكدس في لاوعينا، أو ما تكدس، عشوائياً، في حواسنا. وهذا ما يظهر في قصائد ليلى عساف: مخيلة مشوشة حرة في جنونها، أو هشة مقيدة بضعفها. فمن يتخيل من، ومَن يتخيل مَن، وما هي المسافة التي تفصل بين الاثنين. من هنا التناقض الواضح في الجملة: بين المعيش وما هو غير المعيش. بين الوهم وما هو غير وهم: الجملة تتفكك بصورة والصور تتداخل بأحجامها، والوجوه تضيع في الوجوه، وهذا ما يجعلنا نرى في التفاصيل ما ينفيها. ما ينزعها عن وظيفتها. وعن وحدتها. ما يدفعها إلى الغربة والغرابة. وهكذا نجد الجمل الناقصة من حطام الذاكرة. ونتف التفاصيل، من سبايا المخيلة. ومن حضور المادة، التعبيرية المنظورة، الملموسة ما يدفعها إلى التجريد. أي إلى العزلة، أي إلى حياتها الخاصة، وأدواتها السائبة، وعلينا هنا، أن نمسك شظاياها لايجاد ما يتبعها، وما يوافيها، وما يشاطرها انفصالاتها. وهنا لقاء المتنافرات الجميل، الاشارات المجردة مجردة من ثقلها الموزون، او من خفتها، أو من شقوقها.
ولهذا فالجمل النافعة ولكي تجد أزراً لها، تلتقي في نقصانها، فالنقصان هو مساحة البياض التي يقرأها القارئ، بما وراءها. وعليك هنا أن ترى ما لا تراه، وتلمس ما لا تلمسه، بمعنى آخر أن تردم الفجوات، والشعر قوي بفجواته، لا بمسافاته الأفقية المسطحة. ومدهش بتعرجاته وبحركاته المتصادمة، وليس باستقامة مساره، أو فراغ أدواره، لكن ما لفتني في نص ليلى عساف أيضاً أن سرديتها كثيرة. والسردية ترمي القصيدة إلى غير أمكنتها، وتلحقها بسواها. وهذا ما انتبهت إليه الشاعرة: فالسردية عندها تلغي السردية. والرواية بمواصفاتها تكسر صوت الرواية. والوصف، في هذا الإطار يتراجع بتشوشه أمام تلك الفجوات التي تجعل النص عديداً بمحموله، متنوعاً في دلالاته، يوحي أكثر مما يسرد، ويفتح المخيلة، أكثر مما يلجأ إلى أحادية الذهن. لعبة المجهول هي لعبة المفاجأة. قد تكون ليلى عساف استفادت من السوريالية، والغنائية، لكن غرابتها تشحن ذاتها، لكن فوضاها تتروض بنضجها، ولا معقولها التعبيري يبحث عمن يريحه، ويضيء بعض شروده أو جنوحه.
ونظن أن الغنائية (أقصد الحالة الداخلية لا ممارسة حرية التراكيب، والصفات) جزء غامض، وخجول، ينبعث من الأعماق، كبصيص، أو التماع، من دون الوقوع. في رخاوة الواقعية، أو السيلان اللفظي، والإنشائي، والمبالغة اللفظية. غنائيتها داخلية، كنشيد يجيء من شقوق الحواس، والتذكارات، والحنين، وربما الحب..
لكن لا بد من إبداء ملاحظات سريعة تعبّر عن بعض سهولة، وإهمال، في حركة الإيقاع والصورة، أو في جمع ما يسمّى العناصر المختلفة للبنية، لا سيما ختام القصائد، التي كان على ليلى عساف، أن تعتني بها أكثر، لأن الختام هو تتويج للإيقاع، وملاذ للصورة، ومحجّة اللمسة الأخيرة. وكان يمكن الشاعرة أن تتجنب بعض الأخطاء اللغوية..
عدا ذلك، فقد استمتعت حقاً بهذه المجموعة، برغم كل شيء!
مختارات
] تمر غيوم...
تمر غيوم
أكثر قساوة من حجر
روح... ترتفع عالياً
مثل فأس يضرب
بحراً يتجمّد...
المكان نفسه
يبدو أكثر بهجة
قبل ثلاثين عاماً
مرت عليه فتاة..
بقلب مزهر..
يفل من عينيها الآن
] ربيع
ما تركناه وراءنا
لم يكن سوى ظل
ونور يعدو إلى نافذة
ابتعدت مليون عام
] صيف
كل هذه الشمس لا تبلغ صقيعي
ولا تأخذني إلا إلى مؤونة
لا تفضي بسرها إلى أحد
] خريف
خشخشة في ارتعاشتها الأولى
وعلى المائدة
فكرة صفراء
طارت من رأس امرأة
أصابتها تجاعيد
تتسلق في البعيد
] شتاء
ماضية نحو شتاء
لا يبتلع سخونته
إلا ثلج يتتبعني
منذ الولادة
لن أدع يوماً...
لن أدع يوماً يمر دون أن أخبر الذين أحبهم
أنني أحبهم
حتى الغرباء الذين أراهم بيوتاً لا أعرف
أسرارها
سوف أنام أقل وأحلم أكثر...
لن أنتظر الصيف حتى أستمتع بـآيس كريم الشوكولا
أزحف عند شجرة ذي نغمات ناعمة
قرب نهر ينزع عني قشور الحرب
لم أعد أملك جسماً
ولا قمراً بلون الحليب
فقط صرخة قلما بدأت
وعينين من طين
يمتص نجوماً أبصرت هوة
نبقى فيها
نتفاءل - أو نكترث
في انعكاسات
بحر وشمس
يقاسيان ألماً
يطال بيوتاً مع أصحابها
أرصفة
مصابيح
مساء
هواء معادن
وأشياء أطول بقاء منا
تسير بمحاذاتنا.
8 آذار 2019 00:00
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.