8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رحيل الممثل جان روشفور عن 87 عاماً: فارس السينما الفرنسية!


رحل الممثل المسرحي الكبير جان روشفور عن 87 عاماً، مخلفاً وراءه نحو 130 فيلماً سينمائياً، ونحو 30 عملاً تلفزيونياً، وعدداً من المسرحيات. إنه مع بلموندو وديلون ودوبارديو وفيليب نواري وبريجيت باردو، وكاترين دونوف، كانوا، من مناخ فني واحد، ومن أجيال متقاربة، ومن نكهات مختلفة. إنهم يمثلون، مع سواهم الزمن الذهبي للسينما الفرنسية. بدأ بالدخول الى الكونسرفاتور، ليكون موسيقياً. وقد نجح الى حد بعيد، عبر مشاركته في حفلات عديدة.
لكن، فجأة، أحس بالرغبة في السينما. فليكن. لعب أدواراً عادية، ولم يلفت الأنظار إليه سوى بعد سن الخامسة والأربعين.
إنه النجم الجنتلمان، لعب أدواراً كوميدية ودرامية، وأبدع في الإثنين. وبدأ نجمه يسطع بعد نيله أول جائزة سيزار. ثم كرت السبحة، بات نجم المسرح، والسينما، وقبلة الكاميرات واهتمام الصحافة، والناس.
من الأفلام التي تألق بها Acœur مع باردو، Couraje fuiyons مع دونوف، وميراي دارك في سهرة عند بوب، وجامكين بيسيه في المسطح الكبير، أما فيلم سنذهب الى الجنة فكان نجاحاً جماهيرياً كبيراً..
وقد نعاه بلموندو في حوار قصير لـباري ماتش أبعد من الحزن حزني دمّرني موته. كنت أخاف عليه منذ غيبوته (الكوما) الثالثة في مستشفى سان جوزيف: ذهبت الأسبوع الماضي للقائه.. بكل أسف لم أستطع رويته.
ويضيف إنه جزء من شبابي.. كنا في العشرين والثلاثين من عمرنا، مجهولين تماماً. وكان روشفور يعمل بشكل جنوني ليصبح ممثلاً. روشفور ينتمي الى هذه العصابة المسدودة.
كان المسرح أساس حياتنا المقبلة، وليس السينما. وجان، كان يسعى بكل جهد للوصول الى السينما، وكسب مكان في الريبرتوار.
تشاركنا لحظات رائعة، أثناء تصوير Tribulation d›un Chinois، سواء في هونغ كونغ، أو على منحدرات الجبل الأسود. وجميل أن يكون بيننا تواطؤ بعد ستين عاماً من الكونسرفاتوار. ما أجمل الهوية التي منحتنا لنا الحياة: كنا سعيدين معاً، حتى في صمتنا. أفكر بحنان بزوجته وأولاده، لكنهم يعرفون كل هذا. جعلته يركب الحصان للمرة الأولى في فيلم كرتوش وأصيب بشغف حقيقي بالأحصنة. وكان يمتلك في مزرعته الريفية عدة أحصنة. كان فارساً مجيداً، وفخوراً بتلقيه وسام الاستحقاق الزراعي.
لم ينتمِ روشفور الى أي مدرسة فنية أو قالب، أو فكرة نظرية. ولهذا بقي بعيداً عن الموجة الجديدة في السينما الفرنسية، لكنه لم ينقطع عنها، أو يتعرض لها، لانفتاحه الرحب على كل جديد، ممثل كلاسيكي متجدد، لم يتردد في تنويع أدواره بين الكوميديا الساخرة التي تخدش ولا تجرح وبين الدراما لكن البعيدة عن الرؤيا الميلودرامية.
وعلى هذا الأساس، لم يخضع لأي تصنيفات، أو قوالب. ورث ما تركه كبار السينمائيين في الخمسينات وما قبل لكنه انفتح على كل التجارب الحديثة، وكل المواضيع، لكن بحساسية الممثل الذي يؤدي الدور من دون أفكار جاهزة. وهذا ما سمح له بتنوع كبير، في التمثيل، والمواضيع، والمواقف والأدوار، من الأفلام الخفيفة، إلى الانتاجات الضخمة، ومن الشخصيات العادية الى التاريخية، والأسطورية. لكن موهبته وجهده، جعلاه يرتقي بالأداء الى مستويات مبتكرة. ونظن أن ذلك عائد الى صوغ أشكال جديدة من الإرث التقليدي. عمل في المسرح ونجح، لكن لا نجد أي أثر للمسرح في أدائه السينمائي، أو التلفزيوني. سينمائي في السينما. مسرحي على المسرح، وتلفزيوني في التلفزيون.
وعلى امتداد ستين عاماً من مهنته الفنية، زامن في نشاطه بين هذه الفنون الثلاثة، بتوازن، ومهارة، وإبداع. ونرى أنه حقّق الأمر نفسه بين التراجيديا، والدراما، والكوميديا.
صحيح أنه غلب على حضوره الدور الكوميدي، عبر أعمال لكبار الكتاب كموليير وبومارشيه ومارسل بانيول، وسواهم، إلا أن الممثل عرف كيف يؤدي الأدوار المركّبة، في التراجيديات التاريخية والمعاصرة. أي الشخصيات التي ليست ذات بعد واحد... كما عرف كيف يتقمص أدواراً معقدة، لكن بممارسة قريبة - عميقة.
على هذا الأساس، تمكن أن يجمع جمهوراً واسعاً من الناس، ينتمون الى النخب انتماءهم الى الحس الشعبي. كأنه وسع أحياناً الأعمال النخبوية الى مجال عمومي. وهنا موهبته. وذلك يجمعه بدوبارديو، وديلون، وتواري، وكبار السينمائيين الذي ربوا شعبية كبيرة، من دون أن يتخلوا عن خصوصيات مستلزمات الأعمال الخاصة أو التي تتوجه الى الجمهور الضيق. وهنا بالذات، تكمن قوة تجاربه: في جمع ما يصعب جمعه، فهو ليس لويس دو فنيس، هذا الكوميدي العبقري، لكنه لم يقصّر في تقديم كوميديا مجرّدة من التهريج، والهزل المجاني، والتنازل. وهو، بالمعادلة ذاتها، ليس مارلون براندو، مخترق التجريب السينمائية بهالة خاصة؛ أو أورسون ويلز (كممثل) في المسرح هاملت أو في السينما المواطن كين، كعبقرية تجترح الإخراج، كالتمثيل. بل يمكن مقارنته بجان غابان، الكلاسيكي التي فتح طريق التجديد، بين سينما تقليدية وجمهور تقليدي، وبين أداء جديد.
إنه الذي اختار المسرح أولاً، لكنه حلم بالسينما. التي فتحت له ذراعيها، لكن بطريقة محدودة، ولم يعرف النجاح المؤكد إلا وهو في الثانية والثلاثين مع فيلم قرطوش (1962)؛ وفي عام 1973 جعله فيلم ساعاتي سانت بيار مع المخرج المميز برتران تافرتيه وقال فيه جان روشفور جعلني أريح أعصابي أمام الكاميرا.
أما فيلم فليبدأ الاحتفال (1975) مع تافرتيه أيضاً فحمل له، وهو في الخامسة والأربعين أول جائزة سيزار لدوره الثاني.
أما العصابة التي لم تكن تفترق فمؤلفة منه وبيار تافرنيه، وجان - بول بلموندو، وبرونو كريمر وميشال بون.
بعد نيله سيزار راحت الأفلام تتكاثر بوتيرة عالية، حيث بدأ كبار المخرجين يعرضون عليه أدواراً Le Crabe tamban لبيار شوندورفر، وحصد به جائزة سيزار الثانية، كأفضل ممثل.. وهذا لم يثنه عن المسرح، فلعب في مسرحية جان روسان الدور الأول. ثم قرر أن يصبح فارساً كبيراً. طريقة لإعادة الارتباط بتاريخه. فجدّه كان حوذياً في دينان، وأقنع فيليب نواريه بالانضمام إليه في عالم الفروسية. وتلقى دروساً في هذا المجال، حتى أنه صور فيلماً في ريو ليكمل به تدريباته. وهكذا أصبح يتقاسم وقته بين المسرح والسينما والخيول.
الخيول تمنعني من أن أصبح نرجسياً. وانطلق في الاستثمارات التي أفضت به الى تصوير أفلام أكثر. وفي غالب الأحيان أفلام طويلة تصوّر في إيطاليا، التي لم تلفت انتباهاً في فرنسا.
أول صدمة تلقاها، عندما كان يصور فيلم دانكيشوت لتيري جيليام، مع جوني ويب عام 2000، عندما عجز عن إكمال الفيلم بسبب أعراض مرضية ونفسية. وما أزعجه كثيراً أن المخرج تيري جيليام منع إطعام الحصان أربعين يوماً. وراح التقنيون يطعمونه تفاحاً لكي يتقدم. وجنّ جنون روشفور لكنه التزم الصمت. ثم دماغي وعمودي الفقري قالا: لا أوافق فلنتوقف. صهيل مزدوج منعه من الركوب - وما يشبه الانهيار العصبي أصابه بشعوره بالذنب.
على امتداد 50 عاماً لم أفوت يوماً واحداً من التصوير. كنت أريد أن أصبح دون كيشوت. سيرفانس لم يرد ذلك. الهزة الكبرى أصابته بموت صديقه فيليب نواريه عام 2006.
منذ وفاته لم أمنع نفسه من سؤاله عدة مرات في اليوم ماذا كانت لتفعل في مكاني؟! مع أنه أي نواري لم يعلمني بمرضه. مرة واحدة قال لي شهيتي أقل. وفهمت أن الحالة خطرة.
في السابعة والثمانين كان يرى أن كلمة الشيخوخة كريهة. وكان يقاوم تدهور جسمه بشجاعة كبيرة. هناك آلام تأتي ولا تغادرك أبداً. فالألم وحده. مهووساً بمظهره في الثمانين كان يختار بعناية ملابسه: بنطاله المخملي الملون، أحذيته الأميركية، جواربه ذات الألوان الغامقة وقميصه الـV، الزهري، أو المفتوح، ووشاح الحرير، وقبّعته. كل ذلك لصنع مظهر مشرق لكي يغطي آثار السنين. لكنه، ارتأى قلقاً، هشاً، راودته أشباح أصدقائه: نواري، كريمر، لانو، ريش، جيراردو، الذين رحلوا، ولم يتبقَ أحياء سوى ادي ميتشل، كاترين ريش، وخصوصاً جان - بول بلموندو.
كان فلوريدا آخر مشروع له، لأنه عشق المخرج فيليب لوغي. لكن لعب دور أب مصاب بمرض الالزهايمر أقلقه بشكل غير معقول، وقد استغرق وقتاً للخروج من هذه الحالة..
كان في أسابيعه الأخيرة فرحاً، وشفافاً. وأحسّ بشعور كبير بحب أهله، ولكن أيضاً بحب الفرنسيين.
وأغمض عينيه، محاطاً بعائلته وأصدقائه. أناقة في الحياة وأناقة في الموت.
جان روشفور أحد أسياد السينما الفرنسية... امتد مساره أكثر من خمسين عاماً، ليكون واحداً من صنّاع السينما الفرنسية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00