8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

نظم كأنه نثر .. درويش والشعر العربي الحديث لـ سليمان جبران: بحث جدّي ربط تطوّر درويش بنظرية مفترضة!


صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، كتاب للباحث سليمان جبران بعنوان نظم كأنه نثر، محمود درويش والشعر العربي الحديث.
يحتوي هذا الكتاب على قضايا ثلاث: التعريف بدرويش وهواجسه الشعرية المستمرة التي كانت تملي عليه الانتقال من طور إبداعي إلى آخر، والعمل الهادئ على صوغ شبه نظرية للإيقاع وتطوّره في الشعر العربي (!!) ما يُفصح عنه طموح في إنشاء نظرية للإيقاع!!. تحتضن الشعر العربي كله: (هذا ما جاء في كلمة الغلاف مأخوذ من د. فيصل دراج)، والقضية الثالثة كما جاء على الغلاف هي امتداد للقضيتين السابقتين ماثلة في: حيز النثر في مشروع محمود الشعري الذي لازمه طيلة حياته، واحتجب وراء صيغ فنية مختلفة.
ما يقدمه د. دراج قابل للمناقشة، فهذا النمط النقدي في القصيدة الموزونة يعود إلى العصر الجاهلي، مروراً بالأموي، والعباسي، وصولاً إلى الشعر الحديث، ولا ننسى نزار قباني اليوم، والمهلل في الجاهلية أو مع أبي العتاهية أو حتى مع بعض أبي نواس.. ونظن أن هذه المسألة تتجاوز ما نُسب إلى استعمال بعض الشعراء بعض الأوزان كالمتقارب أو المتدارك أو الرجز أو الخبب، فالشعر العربي منذ بداياته قبل الإسلام، قسّم في اتجاهات: 1) عبيد الشعر، والشعر الشفوي، ونتذكر هنا زهير في الخاصة الأولى وحولياتهوعمرو بن كلثوم في نبراته العالية (الشعرية)، وهذا يعود إلى مواصفتين: الشعر الذي يقترب من المكتوب (النابغة، زهير، طرفة... وصولاً إلى الأخطل... وأبي تمام، والمتنبي، والشريف الرضي وأبي العلاء المعري).
ونظن أن تفكيك البيت الشعري العمودي إلى بيت حر (أو جملة حرة)، وإلى اعتماد الموشحات، والعمل على كوريغرافيا الصفحة، من أهل شعر التفعيلة، هو الذي قرب الشعر من النثر، يقابل في ذلك توغل الشعر في النثر: مع رسائل العشاق.. والصوفيين، وابن حزم، والمحاسبي، وأبي حيان التوحيدي (في اشراقياته)...
من هنا ان هذه الأوزان التي عينها المؤلف لتجانس تفعيلاتها تقرب النثر والشعر مغلوطة من أساسها، ولا تحتمل أي نظرية نهائية، فالمسألة نسبية، ويمكن شاعراً ما أن يستخدمالطويل، أوالمنسرحأوالرمل.. ويقع في الايقاعات النثرية، أو يستعمل المتدارك في قصيدة لا تذكر بمواصفات النثر..
ولا أظن أن محمود درويش سعى إلىإنشاء نظرية للإيقاعوهو الذي يمج كل النظريات التي تسبق كتابة الشعر. فقصائده الأولى التي كانت تمليه عليه قضيته الوطنية، ومنها ما ليس على بحر الخبب أو المتدارك أو المتقارب ونجد فيها نثرية.. يعبّر عنه سهولة ايقاعاتها، ويسرها، ورنينها.. وهي ما يسمّى القصيدة الجماهيرية!
فمحمود درويش كما أعرفه يعتبر أن تطور الشاعر يأتي من الداخل، من داخل التجربة، ومن عناصرها، ومن مخزونها اللغوي، واستخداماته. وهذا بالذات ما جعله ينتقل من القصيدة التي تغلب عليها الشفوية (المباشرة النثرية) إلى القصيدة المرئية، كما فيالجداريةوسريم الغريبةوسواهما، التي ثار فيها على نفسه، وعلىقدريةالقصيدة الجماهيرية!
ونظن أن المؤلف الذي دأب بشكل جدّي، وعالم، وتقني، على ربط التحول الدرويشي أو اقتحامه النثر بالمنظوم الشعري ضمن استعماله بعض الأوزان، مما يقربه من قصيدة النثر، فهذا أيضاً خاضع للمناقشة، خصوصاً أن جبران الذي نحيي جهوده واكتشافاته، اقتصرت هذه الجهود على بعض شعراء الخمسينات والستينات، وبعض شعراء السبعينات الذين تأثروا بهذه التجارب. فقصيدة النثر التي أسسها جبران خليل ومارسها أمين الريحاني، وفؤاد سليمان (وقبلهم الشاعر الصوفي الكبير النفري في مواقعه)، هم الروّاد الأصليون لها، قبل وصول جماعة مجلةشعرأومواقفأوالآدابأوحوار..
لكن إذا كان هؤلاء المؤسسون سموا نثراً شعرياً (على غير دقة)، فإن شعراء أمثال يوسف الخال، وأنسي الحاج، وشوقي أبي شقرا، ومحمد الماغوط، كانوا وصلات بين النثر الشعري في بدايات القرن الماضي وبين قصيدة النثر المتحولة، في نصوصها، والمتعددة، والمرئية، والمغامرة سواء في القصائد الطويلة أو الشذرات، أو قصائد البياض، أو ما يسمّى القصيدة البصرية. وهؤلاء الشعراء الذين نشروا أعمالهم في نهاية السبعينات والثمانينات والتسعينات، لم يلتفت إليهم الباحث، خصوصاً أن لبعضهم دراسات أكاديمية حول قصيدة النثر (وهي الأولى في الدراسات الجامعية (1970)، (لكاتب هذه السطور)، أو بحوث قدمت في بعض لقاءات حول قصيدة النثر العربية. فالمسألة بسطها المؤلف جبران، وعاجلها من الخارج، أو من خلال الورق أو الشكل؛ ذلك أن التحولات الاجتماعية والشعرية واللغوية والفكرية والسياسية والعاطفية.. هي التي تعتبر من العوامل الرئيسية التي تحدث تحولات في القصيدة.. كما أن الثقافة الشعرية والمسرحية والروائية والفلسفية هي شريك متفاعل في تشكيل القصيدة، وبؤرها، وصوغها، وحياتها، وتميزاتها.. من هنا جاءت التعددية المتفجرة في شعر قصائد السبعينات وما بعدها، من لبنان، إلى مصر، إلى سوريا، إلى العراق، إلى تونس، فالمغرب، فالكويت، ففلسطين، وحتى السعودية.
كل هؤلاء الشعراء والباحثين الجدد استغنى عنهم المؤلف الذي نشهد على تمرّسه وعمقه، وثقافته واطلاعه.. واكتفى بناس ما زالت مسألة الثنائية بين قصيدة النثر والتفعيلة قائمة. وهذه الثنائية من صنع نظري متهافت. لأن التجارب الشعرية قادرة على مزج النثر والتفعيلة والعمودي في قصيدة واحدة.. قصيدة شاملة. (وقرأنا عند بعض الشعراء مثل هذه النصوص المفتوحة خصوصاً سليم بركات أو أدونيس أو اراغون أو ايت بونغوا أو حتى عند أبي حيان التوحيدي). ينبغي أن نتعامل مع الشعر من حيث وصل اليوم في عام 2017، وليس من خلال مرحلة تجاوزت كلها شعراً ونثراً وفكراً وحساسية. وهذا بالذات ما لا نجده في بحث د. جبران، ونتمنى له كباحث جدّي، ومستنير، ومتحرر من الأفكار الجاهزة، والقوالب الدوغماتية والثنائيات، أن يعير اهتمامه هذه التطورات.
فعظمة محمود درويش انه، وخلافاً عن معظم الشعراء مجايليه، وغير مجايليه، أنه بثورة داخلية، اجتماعية، وبانفتاح على كل أشكال الشعر لا سيما قصيدة النثر التي كان يرفضها في البدايات. حقق معجزة – مثالاً: كيف يتجاوز شاعر كل النظريات.. ويوافي الحرية لا في الشكل فقط وإنما في عمق الكائن، وقلقه، وتفجراته، وآفاقه المفتوحة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00