وداعاً موسى وهبه!
رحل الصديق الكبير، موسى وهبة، المفكر والكاتب والمترجم وأستاذ الجامعة. رحلة طويلة مع المرض الخبيث، على مرحلتين: الأولى قاوم ببسالة، وتمكن من تجاوزه. وعندما قابلته، بعد شفائه في المقهى، ثم في أحد الأرصفة، بدا لي في حالة رائعة، ومعنويات عالية. عاد موسى ليلتقي أصدقاءه في المقهى. وهو من عشاقه. وعادت الابتسامة الشاقة الهادئة الى عينيه، ولم ينسَ مشيته المتباطئة، المميزة، تعلن أن مرحلة قد انقضت. جلسنا معاً مرات عديدة، وعادت النكتة ومعها المزاح، ومعهما أحوال البلد، والثقافة، الى مجاري الكلام.
لكن وبعد عدة أشهر، اختفى موسى. فقلت لعلّه في عكار مسقط رأسه. ثمّ انتظرته، ولم يأتِ.. سألت بعض الأصدقاء عنه، فنفوا رؤيته. اتصلت بهاتفه فلم يجب. لربما هو مسافر. وانتظرت، حتى جاءني الخبر الأسود: انتكس موىسى، وعاد السرطان أقوى،... ولم تنفع مغالبته هذه المرة، ولا مقاومته، لأعرف أنّه توفى.
رحل صديق، هو فعلاً رفيق كل الحروب التي اندلعت هنا وهناك، منذ الثمانينات. رفيق المقهى، وسهرات الشلة اليومية، في بيتي أو في بيت العزيز الراحل عصام محفوظ. كأنما كنا نقاوم كل جنون الحرب، والضجة، والخراب، واليأس، تلك اللقاءات اليومية، مع شعراء وكتاب ورفاق، عصام العبدالله، حسن عبدالله، الياس الديري وعبد الحسين الطويل ومحمد العبدالله، ونهاد حشيشو، الى علوية صبح. من هؤلاء من رَحَل... بكل أسف. لكن، كأنما كانت تلك العصبة تمثل بقايا بيروت السبعينات، بروحها، وازدهارها، وإبداعها، وفرادتها... وعظَمَتها وتنويرها.
آخر الراحلين موسى، الذي درس الفلسفة في الجامعة اللبنانية، بطريقة غير تقليدية، وجديدة، أثّرت عميقاً بطلابه. فإذا كانت الفلسفة تقوم على ركن العقل والمنطق والتحليل والاستقراء، فمن أجدر من موسى ليدرّسها. وإذا كانت الفلسفة تجري في عروقه، فمن أجدر منه بخوض مغامرة يتيمة بإصدار مجلة فلسفية في لبنان، أقصد لبنان الغارق بالجنون، والسحر، والخرافات والطائفية، والانقسامات، وانعدام العقل (الطائفية هي موت العقل)، لكنّ تجربته لم تتجاوز العدد الأول.
لكنّ موسى، وبأناة العقلاني، وببراعة الكاتب، وباتساع الحلم، قام بإنجاز كبير يتمثل بترجمة نقد العقل المحض للفيلسوف كانط. ونظن أن أوعر المهمات عندنا هي ترجمة الفلسفة، بدقة مصطلحاتها، وجلاء معانيها، وبيان مقاصدها، وصعوبة تبسيطها. نجح رهان موسى ليضيف الى المكتبة اللبنانية ترجمة لأحد أعمال أكبر الفلاسفة الكلاسيكيين. الترجمة (نحو 900 صفحة) حية برغم صرامة النص، وبواطنه، وطياته، وخصب تأويله، وصعوبته ومناعة فقهه، ومداركه، وأسراره. كأن هذا الكتاب هو كتاب عمره، الذي استغرق في انجازه سنوات، ليكون، من أفضل الترجمات الفلسفية التي عرفها العالم العربي.
وعندما كان يشارك موسى في بعض المؤتمرات الفكرية (كالذي حضرته في الجزائر)، فقد كان يظن كعلامة فارقة، في أطروحاته، ومعالجاته، وطزاجة أفكاره، وجسارته، وخروجه أحياناً كثيرة على المألوف المدرسي، أو الكلاسيكي أو الأكاديمي، ليرسم مقاربات مدهشة، كانت تفاجئ المشتركين. وأتذكر أن بعض احدى الندوات، أمطره بعض الباحثين في الفلسفة بالأسئلة، أو بالاستغراب، وأحياناً بالارتياب، وأخرى بمآلات جديدة.
ابن عكار موسى. استبقى لهجته العكارية وإن على شيء من التلطيف في بيروت، وباريس، في الفترات السابقة، عندما كان في لبنان وفرنسا مناضلاً في الحزب الشيوعي اللبناني بخلفية راديكالية، وجمعه ذلك بالمفكر اليساري الشهيد مهدي عامل... وكذلك بحسين مروة، وقد شارك أثناء إقامته الدراسية في باريس، بتحركات نضالية، واحتجاجية، لا سيما دعماً للقضية الفلسطينية، من ضمن اليسار الفرنسي، وتحديداً الشيوعي الفرنسي، كأنما كان هناك يستكمل ما بدأه في لبنان.. وبرغم راديكاليته، وتشدده الأيديولوجي، في كلتا العاصمتين اللبنانية والفرنسية، فإنه استبقى ذلك الهامش الحر، الذي انطلق منه يمارس نقداً على العديد من المواقف الحزبية.
لكن الغريب، أنّ بعد عودته الى بيروت، (وهي الفترة التي ترافقنا فيها)، اكتشفتُ موسى آخر. موسى كفر بالعمل الحزبي برمّته..، وبكل عمل جماعي مشترك. وكما كان على هامش الحزب ها هو على هامش كل الأحزاب اللبنانية: والرائع، (والذي عزّز صداقتنا)، أنّه حافظ على مواقعه العلمانية، والمدنية، والحضارية، والنقدية! استقل عن كل جامع عائلي، أو مذهبي، أو مناطقي، ليستقر في حريّته الفردية، واستقلاليته الفكرية.
وإذا كان موسى قد ترك الإيديولوجيا الضيقة، الأحادية، الشمولية، فإنه تمسك بأفكاره الكبرى: العقلانية، الحرية، الديموقراطية، المجتمعية المدنية، وحرية الفرد، عندما شهدنا موسم هجرة المثقفين والكتّاب والشعراء الى خرافات المذهبية، وعمقها وضلالها، وشموليتها.
كنا عصبة تمتّن علاقاتها، ويجمعها التمسك بروح مدينة بيروت التي أفسدتها القوى الميليشيوية، والأحزاب الطائفية، بيروت المنارة، والإبداع والفكر والحوار واحترام الآخر، ومدينة العلاقات، والانفتاح، والتحرر من التقاليد.
هو ابن عكار.. طبعاً.. (كما معظمنا أيضاً من الأرياف). لكنّه ابن المدينة، والمدافع عن روحها، ورافض تحويلها كانتوناً، شبيهاً بالكانتونات السائدة.
ومع أمثاله، ناضل بسلوكه، وإيمانه بالحياة، ورفضه لثقافة الهويات القاتلة، من أجل بقاء بيروت آخر واحات الديموقراطية في العالم العربي.
وماذا نقول في رحيلك يا موسى، وقد تكاثر الراحلون قبلك، أنسي الحاج، عصام محفوظ، محمد العبدالله، ونصير الأسعد، ورفيق شرف، وريمون جبارة، ويعقوب الشدراوي، وأسامة عارف... فالعالم يتغيّر، والزمن الراصد والمرصود ثابت. كأنما تُفرع المدينة، شيئاً فشيئاً، وإسماً بعد إسم، وقامة بعد قامة، ومبدعاً إثر مبدع، من حواضرها وشواهدها وكبارها وصُنّاعها لكي لا يبقى سوى أسف على راحلين ومخافة على المتبقّين. فقد باتت تندر شيئاً فشيئاً نكهة المدينة، وتنقرض يوماً بعد يوم مقاعد خلاّنها الاستثنائيين.
رحلت يا موسى. ويا للأسف.. لكن، وكما كنت وفياً لمدينتك، وعشيقاً لها، نابضاً في هوائها، مختلفاً بين اختلافاتها، ومتفرداً بين متفرديها... ستبقى يا موسى.
صديق أوسع من الصداقة؛ ونبرة أرحب من مسافاتها. ومزاج لا يخص سوى المتميّزين، والهامشيين، والخارجين على مواكب القبائل والمذاهب والخرافات!
سلاماً لك يا موسى!
أنت في القلب.
8 آذار 2019 00:00
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.