الشاعر المصري جرجس شكري، يقول في مجموعته الجديدة أشياء ليس لها كلمات (دار آفاق، القاهرة)، ما يريد ألا يقوله أو لا يقول ما يريده. لحظات متواترة تتراكض، بإخفافٍ هوائية هنا، وبأقدام متثاقلة هناك، قد تصل لكي لا تصل، ولا تصل لكي لا تصل.
هنا بالذات المعنى الذي يغادر ثباته، ومكانه، لا ليصير فكرة من جديد، بل ليصير متاعاً، مجرد متاع يُهمل في مقهى، أو يُرمي على رصيف، أو يتنكر في أحواله، وأسرابه، وأسراره، وما يتمادى أمام بصره، وفي داخله، وفي مساحة من تلك المشاعر الحادة على تحولاتها، النازفة على جفافها، المترددة على جريها، المتوارية على بيانها. كأنّه يرى ولا يرى، من فرط ما يتراكم عليه من رؤى يحسبها ظاهرة، ومن مشهديات، تختلط تكاوينها، وجلودها؛ كأنّما كل شيء يتحرك، لكن بأجسام ناقصة. وكل عضو يشتعل بحركات متناقضة.
هنا الزمن على غير أمكنته، يتداخل في الحلم وفي المنام، والظهيرة؛ تحولات ابوكاليبتية يرصدها جرجس شكري، بوقاحتها، وشراستها، وقلّة رحمتها، وعنفها؛ يرصدها فيحسّها، في ملابسه، وفي قدميه، وفي سيجارته، وفي مقهاه. أبوكاليبيتيه موت الأشياء، والأفكار، وبتاريخ اللحظات القاطعة.
كأنّ كل ما فيه، وما يدور حوله، وما يتراءى إليه، وما يقترب منه، أو يلامسه، يصبح من هوامل، وأكاد أقول من نفايات تتدفق من المدن، والناس، والولاة، والحروب، والدماء، والقتل والقسوة. هوامل صارت، من أمتعة اليومي، ومن مرأى العادي، بل ومن ضرورة المعيش، ولزوم الأنفاس، وحاجات النبض، ومرمى البصائر. جحيم مفككة؛ بلا بدايات، ولا منتصفات، ولا أذناب، ولا سرائر.. مكشوفة على عراء تحتله اللاحقول، واللامعقول، اللا مهموس ولا المهجوس: الجماعات على مسافات التهديد، والفرع على منعطفات التفكك، والمدينة على خواء لا يشفع به خوف، ولا يمده قبول. إنه الخوف، في كل فصل من فصول النهار. وفي ثنية من ثنايا الليل. إنه خوف كأنما يحاول أن يصرخ ويعجز عنه الصراخ، وأن ينجو ويعجز عنه النجاة، وأن يقاوم فيخبطه القبول. لا بروميثاوس، ولا صخرته. ولا المسيح وصليبه، ولا انتيغون وشراستها، ولا الضحايا بشهدائهم، ولا الأحياء بغموض أسبابهم، وتلاشي أوطارهم. وإذا كان لنا أن نكسر ما للمرايا من صبر، وما للنوافذ من ستائر، فلنعثر على سطوة الخوف، وراء المرايا وخلف النوافذ، وفي امتداد الشوارع، وألوان القمصان، وسيور الأحذية، ودخان السجائر.
هنا بالذات يمكن أن نزيح ما في ظواهر الكلام وما في بواطن الأشياء. إنه الشعور بالنهاية في كل لحظة. كل بداية هي نهاية: الجسد إذا مشى. والجنازة إذا انقلبت، والقصيدة إذا وضعت. والمرأة إذا هرعت. جرجس شكري في مجموعته، يكتب ما يشبه نشيداً للخوف، أو ما شابهه، أو ما يشوبه، من قلق، وذاكرة ونسيان، وحركة، وصوت؛ وكل شيء كأنّه في مآله الأخير. ربما بلا وداع. ربما بلا انتباه. ربما بلا يقظة. لكن المشاعر تقص هذه الستُر لتسقط على ما يديم الأشياء والكائنات في لعبة الرعب. والرعب هو فُجاءة الوجود. ودهماء العدم. فأي حركة تساكنه، أو تعذبه، وأي وردة لا تسوء أمامه. وأي شاعر لا يستتبعه؛ فلا قدرة على استثنائه. ولا مصير على عواهنه: كل ذلك، وراء كل سطر من سطور جرجس شكري، بتتابع موضوعي، بلا فاصلة، أو مزدوجات، أو فراغات. أهو الاختناق يصنع صوته الداخلي وتداعياته، وتململاته، وهواجسه، وصراخه، وأصداءه؟ فجرجس ليس محارباً، ولا خبيراً بالمواجهة. إنه مرصد شاعر، يسجل ما يسجل، ويبقى نصفه في صمته، ونصفه الآخر في كلماته. أو كلوحة إدفارد مونش الصرخة يبقى كل شيء في صمت اللوحة، وفي النفق المظلم اللولبي الذي يحاصرها.
لكن جرجس شكري، عرف كيف يداعب هذا الوحش، كيف يستنفره لكي يراوده، كيف يستسلم له، لكي ينتشي بنهشه، على امتداد القصائد في المجموعة. إنها ليست تكرار الصرخة، بل تهاويلها أيضاً. وانشراطاتها أيضاً، ومسافاتها المعبورة أيضاً: صرخة الخوف أقوى من الخوف، وأقسى، وأعزّ منه. كتب بعريه كتابة، تشبه حالاته، بلا تجميل، أو تحويل، أو أقنعة، أو مجازات، أو تزويق، أو توضيح. إنه الوحش الذي يتخذ كل الأشكال والوجوه والأشياء، أمام شاعر يقابله بأهواله اليومية، ووساوسه، بما يماثل طبيعته: كتابة منقطعة الى تفاصيلها، وحواسها، وغرائزها الأولى، وبصائرها، بصور من مآلاتها، وجمل من مساراتها، وتداعٍ من تغيراتها، وإيقاع من أخطارها. فعندما يرى الشاعر أنّ كل شيء مهدّد، فيعني أنّ الإصابة شاملة؛ لا استثناء فيها. بل كأنّ الناس إزاء ما يواجهونه، تحولوا الى شكل واحد، نحته الخوف، وحفره اللامعقول. أكل الكائنات باتت متشابهة تماثل ما أفرزته الحروب، والانحطاطات، والتآكل، والتمزق، والعدمية المنتتة، والشروق المفترس!
يجول جرجس شكري، بين الخرائب، وكأنّه بات جزءاً منها؛ ويحوم حول الموت وكأنّه دليله، ويجري الى مجهول فيصطدم بألفة ما يفرزه اليأس، وما يرفعه الخوف من جدران. كل هذه الحالات، قالها جرجس شكري، في أشطره، وجمله، وحكماته، مستعيداً من عادات المآسي، وأزمنة الانهيار، ما يعينه على تفكيك العالم كأنّما لوحات تكعيبية هنا، أو أخرى سوريالية، أو مفازات مكتظة بالراحلين بلا عودة ولا وجوه ولا أجسام، ولا أمتعة. إنه شاعر المشهدية، أو اللقطة المكبرة، أو البانورامية، الثابتة أو الدينامية، الجامدة أو المتحولة؟ بل كأنه أحياناً يجعل من إيقاع لقطاته ما يشبه الصور المتحركة، أو الاسترجاعات الضبابية، أو الصور المدافعة، القوية، المحفرة، وراء سديم واسع من الريبة والاهتزاز، والتراجع، والتقدم والوقوف أمام كاميرا تطلع من الوجه، واليدين، والجلد، والرأس والملابس؛ كأنها كاميرا تلعب بالنرد، أو تتروض بالسيرك، والحبال المعلقة على الأعناق، والمشانق التي يقفز عليها البلهوان، أو المتصلة التي يرقص عليه الدب؛ عالم يتغير ولا يتغيّر؛ لكنه يبدل سُحنه ولا يتنكر، يُعدل قسماته ولا يرتاح.
أشياء، ليس لها كلمات لجرجس شكري، من أكثر المجموعات التي عبّرت عن خراب هذا العالم، المقلق، وعن عدمية ما يتحرك من ظلال، ولا معقولية ما يصدر من كلمات، ولا شيئية ما تجري إليه الأقدام...
جرجس شكري كأنّه ضيف الرعب القابل والمُقبل.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.