8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رحيل المفكر السوري الكبير صادق جلال العظم

رحل الفيلسوف السوري الكبير صادق جلال العظم في المنفى في أحد مستشفيات ألمانيا. لم يكن يريد أن يموت خارج سوريا، خصوصاً بعد اندلاع الثورة الشعبية فيها ضد النظام المذهبي – العائلي الاستبدادي.
هكذا بادرني أثناء وجوده في بيروت، قبل أن يسافر إلى منفاه. كأنني بهذا المفكر الجذري ربيب المنافي، فمن دمشق، إلى بيروت، إلى الولايات المتحدة، إلى ألمانيا، وهو، في حسه المتحول، كأنه كاسر التابوات، والمحرمات، من كتابه نقد الفكر الديني (في السبعينات)، إلى ذهنية التحريم أثار ضجة كبيرة، اتهم فيها بالإلحاد، والكفر، والزندقة، ودخل فترة قصيرة إلى السجن. بقي على افكاره التغييرية، العلمانية، المدنية، العقلانية، على الرغم من كل ما أصاب عقول بعض المفكرين العرب (والأجانب)، من خضوع لظواهر المراحل، وارتداد خصوصاً اليساريين بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. إنه صادق، لا يرحم بتشريحه وتفكيكه للواقع، وبنقده لبعض المقولات المكرسة، الأبدية، سياسياً ودينياً واجتماعياً. كأنه آخر يساري، يطوي ثورته ويرحل. بل آخر الضمائر الفكرية الكبيرة في عالمنا العربي. وقد عرف كيف يقارب الامور المستجدة، وبعض التحولات، بما امتلكه من أدوات تعف عن الوقوع في الغيبية، والاثنية، والمذهبية، وعن أي تنازل أو إغراء أو تواطؤ مع هذا النظام أو تلك السلطة. كتاباته وآراؤه ومواقفه هي فعل حرية، وكذلك فعل مقاومة، ومواجهة، وتحد لمجمل القيم الموروثة، وفي هذا الزمن الذي خلع الكثير الكثير أفكارهم، وتاريخهم، وطليعيتهم، لينضموا إلى المرجعيات الدكتاتورية، والمذهبية، والعنصرية. ها هو الصديق الكبير، صديق الجلسة اليومية في مقهى ليناز في بيروت، على إصراره، وأكثر من أي وقت مضى، على الانحياز إلى العقل، كفيصل حاسم، وإلى الثورة السورية، والربيع العربي. فالفيلسوف صادق جلال العظم، على الرغم من طول باعه في القضايا الفكرية، فإنه لم يبق في برج عاجي، ليتعامل مع المفاهيم التجريدية الفلسفية الأبدية، بل انصهر في الواقع الذي استلهم منه أفكاره وأدواته. وها هي الثورة السورية بتجلياتها الأولى (قبل أن يحولها النظام وإيران وروسيا إلى حرب مذهبية مدمرة). كأنه يحس أفكاره. ولا يفكرها فقط. يعيشها. يعقلن الظواهر الدامغة، وتمده بأفكاره. ومن خلال لقاءاتي الكثيرة معه أثناء وجوده في بيروت وقبل سفره إلى ألمانيا، لمست هذا التجذر في التاريخ، وفي المعطيات الدينية، والماركسية، وما قبلها وما بعدها. صحيح أنه كان ماركسياً، لكنه ماركسي حر، بلا التزامات حزبية ولا حتى استنساخات منهجية أو أيديولوجية. بمعنى آخر كأنه يساري مستقل، يغرف ما يغرف من مبادئه من الواقع وليس من الأيديولوجيا، أو الأنظمة التوتاليتارية. آخر مرة قابلته فيها، وكانت الثورة السورية في مستهلها، قال لي: سأسافر إلى ألمانيا، وأتمنى أن نذهب معاً إلى دمشق بعد تحريرها من هؤلاء المستبدين.. وكنت أحياناً أتسقط أخباره، وأقرأ بعض مقابلاته، وتصريحاته المؤكدة مواقفه السابقة، وأكثر ما سرّني انتخابه بالاجماع أميناً عاماً لرابطة الكتّاب السوريين في المنفى واتصاله المستمر بالثوار السوريين خارج سوريا. هذا الذي رفض أن تسمى الثورة احتجاجاً أو معارضة، لجذرية موقفه، وبُعد نظره، لم يعُد إلى سوريا السابقة، ولا إلى سوريا اللاحقة، فكان ترك بيروت التي أحبها وأقام فيها طويلاً، كان وداعاً لبيروت وكذلك لوطنه.
مات المنفى فيه أم مات هو في المنفى.
برحيل صادق جلال العظم خسر العرب والعالم فيلسوفاً شرساً، مواجهاً للأفكار السائدة، المتعفّنة، بكليشياتها، مخترقاً كل ما سماه ذهنية التحريم، معانقاً دائماً للحرية، ومؤيداً الشعوب كلها في تقرير مصائرها، وإسقاط وحوشها الدكتاتورية... كشعبه السوري.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00