عشرون عاماً مرت على رحيل الشيخ عبدالله العلايلي، الشيخ الأحمر كما لقّب، المتحرر، المنفتح، المستنير، المتعدد، المتسامح، المتوقد العقل، المتوهج اللغة. كان تاريخاً طويلاً من الأحلام والتجارب الجريئة كأنه آخر الشهود وآخر القامات الجامعة التي تضيق بحدودها، وبسقوف السائد، والمفروض والتقليدي، من القيم والأفكار الجامدة.
هكذا كان الشيخ عبدالله العلايلي مرآة مضلّعة الزوايا، تلمع بكل المفارقات والتناقضات؛ ينفر من الأليف السهل، ومن الساكن الميت، والهامد. ينفر مما يجعل الحياة تنأسر بكلام يُخط أو بقوالب مغلقة.
من الأزهر الشريف إلى ذلك الفضاء الشاسع من النضال الذي رافقه حتى آخر رمق من أرماقه، بلا يأس ولا إحباط ولا كلل ولا ملل، على الرغم من خيبات اصابته عميقاً وهو يرى أن كل ما صَنع تاريخه، وما صنعه، وما عمل له وحلم به، وما اقضّى مضجعه ليتبدد أمامه في الحروب والهزائم وأشكال الارتداد والانطلاق والتعصب والطائفية والعنصرية وثقافة القتل واللاتسامح والقسمة، والجنون الأخرق.
كان الشاهد على عصر ثري متسع من التنوير والمعرفة، ثم الشاهد على زمن الظلاميات المتعددة والجهل. أف؟ وماذا تبقى في يد الشيخ الحالم، وفي ذاكرته وفي كتبه، وإبداعاته، ومغامراته اللغوية والاجتماعية والسياسية والدينية المتفردة؟ كأنه آخر الديناصورات المتفردة.
كان الشيخ العلايلي تجسيداً لكل ما اعتمل داخل أمة من قلق، ومن أسئلة، ومن شك، ومن توق إلى التحرر المعرفي والديني والاجتماعي. فكأنه في ذلك، ومن موقعه ووقعه، أبعد من أي تخوم تحدده. دائماً في صُلب الحركة. الحركة الحية، يفيض دائماً عن مألوف أمكنته المرسومة سلفاً.
كان الشيخ أزهرياً لكنه لم يركن لا إلى قراءة أحادية للكتب والمكتوب، ولا يكتفي بالقدر المرسوم. علمانياً كان ودينياً، اعتبر الدين حتى عنصراً ثانوياً في بناء القومية وفي بناء الوطن إزاء العامل اللغوي. فهو ينتمي إلى اللغة واحتمالاتها وأسرارها وكنوزها أكثر من انتمائه إلى أي أمور أخرى، وهذا يعني أن الدور القومي لا يرتكز على الدين بل على اللغة. فهو المنتمي إلى العقل أكثر من انتمائه إلى الظواهر الطارئة والخرافية ذلك لأن الدين ينبوعه العقل.
الشيخ الأزهري المسلم المؤمن اتهم بأنه يدعو إلى دين ثالث، مكوّن من روح الديانات الثلاثة: الإسلام، المسيحية واليهودية، لتكون أساساً في بناء وحدة اجتماعية روحية، بعيداً عن التعصب والتقوقع والعنصرية، بل لتكون خلفية لقومية تتجاوزها، فلا دين في القومية. لكن دينه الجديد كما اتهمه البعض ليس من خارج الإسلام نفسه: أوَلا تقول الآية الكريمة شرع لكم من الدين وصى به نوحاً والذين أوصينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.
فالشيخ الفقيه وفي إطار ثورته اللغوية طبق النظرية البيولوجية (داروين) على تطور اللغة التي تشبه ببنائها ومآلها الكائن الحي وتخضع لناموس الأنواع الذي يقضي بالانقراض عند وجود الأرقى (نظرية النشوء والارتقاء لداروين).
على أن الشيخ العلايلي يُوحد بين الدين والنضال السياسي والاجتهاد المعرفي في مختلف المستويات. ومن منطلق ثوري اشتراكي مادي وعلماني. أوَلم يشارك في تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي عام 1946، وكان بين المؤسسين آنئذ جواد وفيليب بولس، وصبحي المحمصاني، ومحيي الدين النصولي وجورج حنا؟. أوَلم تكن له مساهمات في تنظيمات سياسية مثل جبهة العمل القومي وكذلك في حزب الفداء مع كاظم الصلح؟؛ أوَلم يكن من أبرز المساهمين في حركة أنصار السلم؟
إنه حامل التناقضات الحية، والمفارقة المدهشة. ذلك أنه، أولاً وأخيراً، الابن البار لروح النهضة العربية والتنويرية التي عرفت تجلياتها في مصر ولبنان وسوريا والجزائر والعراق...
وعندما سافر إلى القاهرة للالتحاق بجامعة الأزهر عام 1924، كانت العاصمة المصرية تعيش أخصب الحركات النضالية، على صعد التحرر والتجديد والإبداع والخروج من أزمنة الانحطاط والظلامية.. وكان لبنان آنئذ مساهماً بارزاً في النهضة مع كبار أمثال أحمد فارس الشدياق، وجبران ومخائيل نعيمة. وهنا نغنم هذه الجرأة على اقتحام مسلمات لغوية راسخة. فالشيخ الثائر هو ابن التحولات التي كانت تعتمل داخل عالم العرب، وهو جزء منتم إلى تلك التواريخ والحركات التي كانت محمّلة بالوعود والأحلام وبالثورة وبالمستقبل.
لكن الشيخ رحل متحسراً. فالثائر غادر مخلّفاً وراءه زمناً آخر لا ينتسب إلى زمنه. زمن بلا وجه ولا تاريخ ولا رحمة ولا وطن ولا أرض ولا حرية. فلا قومية قائمة على اللغة أو الدين أو الأرض، وإنما قوميات مذهبية وعرقية وقبلية بلا انتماء. ولا لغة عربية تبدع وتتجدد وتتجاوز، وإنما لغة تكاد (اليوم) تنقرض في جمودها ومواتها وعمقها. ولا دين أو أديان تخدم الإنسان وقيمته بقدر ما يخدمها، وإنما أديان تخدم الإنسان وقيمته بقدر ما يخدمها، وإنما أديان جعلها رجالها واجهات للقتل والارتهان والتدمير والمغانم. ولا حقيقة لبنانية تخرج لبنان من مجهوله، ومن مصائره الملبدة، ومن مذهبيته المرتهنة، وإنما انتفت الحقيقة اللبنانية في صيغ جامدة. ولا أحزاب تكون عصب الأمة، وإنما أحزاب انحلت خارج انتماءاتها وتحولت أدوات ارتهان، وخيانة، وإنتاج تعصب، وبناء هياكل جوفاء. ولا أفكار كبيرة (وحتى صغيرة) في عصر ما بعد التاريخ، الذي صار بلا أفكار ولا قضايا...
لكن الشيخ الثائر، على الرغم من مراراته، وتحسراته بقي ثائراً على هذا الوضع الذي خلفته حروب 1975، بقي ثائراً منسجماً مع نفسه، على الرغم من كل ضروب التنكر والتراجع والانحطاط والجنون حوله.
رحل الشيخ الثائر لكن جمرته المتوهجة لا تزال فينا، نحن الذين نهتدي جرأته، وتحرره، وانتماءه إلى الحرية والحياة والإيمان...
ولد العلايلي في بيروت في 20 تشرين الثاني عام 1914، بدأ تعليمه في كتاتيبها. وفي عام 1924 انتقل إلى الأزهر في القاهرة حيث تلقى علومه الدينية واللغوية حتى عام 1936. وفي عام 1945 تولى وظيفة مدرس فتوى، وفي عام 1946 ألقى خطاباً عنيفاً ضد الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح بطلب من عصبة تكريم الشهداء، كما شارك في تأسيس حركة التحرر الوطني التي يرأسها عبدالحميد كرامي، كما شارك في تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي، وكانت له مساهمات في تنظيمات عدة مثل جبهة العمل القومي وحزب الفداء.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.