ثماني سنوات مرّت على رحيل الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، كأنها ثمانية عقود وأكثر. فالزمن يتثاقل بالنسبة إلى غياب الأصدقاء. يزحف هنا. يختفي هناك. يبرز في أمكنة عديدة. ذَهَب محمود ولمّا يكتمل لا حلمه بالكتابة (ككل الكبار) ولا حلمه بعودة فلسطين. فعليه إذن، بعدما غادر اسرائيل أن ينضم إلى المنافي: من مصر، إلى بيروت، إلى باريس، ولندن. المنافي الداخلية والنفسية والشعرية. كلها تتصادم وتتآلف وتتناكب وتتواكب لترسم صورة وطن يعيش في المنفى. وطن منفى ومنفى وطن. لكن، ظلت قضية درويش قدراً عليه، محكوماً به ومسوقاً له حتى لحظاته الأخيرة. وهنا سؤال لا بدّ من أن يطرح: الوطن أو المنفى. المنفى بديلاً من الوطن. أو الوطن بديلاً منه. لينسحب ذلك على الشعر: القدر السياسي أم الحرية الشعرية بكل مجازفاتها. من يكتب الآخر: الجمهور (أو القضية) يكتب قصائده، أم هو بكل حالاته الخاصة ومشاعره ولعبته الشعرية الخطرة المتفردة؟
بدأ محمود يكتب في فلسطين لفلسطين، شعراً هو سلاح في وجه الاحتلال: كل الشعر في خدمة الثورة الفلسطينية بصرخاته المدوية، بنبراته الرافضة وحشية بني صهيون واحتلالهم.
هنا بالذات بدأ محمود مع قصائد مثل سجّل انا عربي وسرحان ووطني ليس حقيبة وانا لست مسافر وأحمد الزعتر (بعد سقوط تل الزعتر بمؤامرة سورية اسرائيلية) الحدث يجر القصيدة إلى واقعها الضاغط. الجموع تشارك في الكتابة: الأطفال، الناس العاديون، المثقفون، الموتى، الأحياء (والموتى يكتبون أيضاً برؤوس أقلام الشعراء) وهنا بالذات التحق محمود بسرائره وبطبيعته ومباشرته وتلقائيته وبدور القصيدة العمومية التي لا تحتمل بفعل دورها جماليات متعددة أو ثورات لغوية، غامضة (ككل قصيدة ملتصقة بقضيتها). وفي هذه الفترة جافى محمود كل مغامرة شعرية أو غموضاً، أو لعباً، أو مخاطرة. أي جافى ما هو تجريبي في القصيدة، فالزمن للتحرير وللقضية نكون أو لا نكون!
والكل يذكر تلك المقالة العنيفة التي نشرها محمود في جريدة السفير بعنوان انقذونا من هذا الشعر (1982) وهاجم بعض الشعراء بعنف لا قصائد بياض ولا قصائد غير مفهومة ولا قصائد لنفسها ولا قصائد ونثر ولا فردية مطلقة في الكتابة ولا هروب من الواقع. (يذكر بماياكوفسكي عندما انتقل من الشعر المستقبلي التجريبي إلى الشعر في خدمة الثورة)! وكان الرد عليه عنيفاً (من الشعراء الذين قصدهم أو الذين أصابهم بمقالته، ونحن منهم. هذه المرحلة اختزلت بحالات محصورة عند درويش لكن، مع الوقت، وبعد نضاله شعرياً في وطنه، وفي العالم العربي، بدأ محمود يطرح أسئلة جديدة حول شعره. أأستمر في كتابة قصيدة يكتبها الجمهور ام علّي كتابة قصيدة تزدوج، بين القضية والتجاوز، بين الالتزام وحرية الداخل. أيمكن من باب الاخلاص للمسألة الوطنية، إعفاء كل ما يختلج في اللغة مواطن واحتمالات وفي القلب وفي الحب وفي العالم، أم الغوص بلغة جديدة وتعبير ينخرط في زمن الحداثة التجريبية؟ هذه الأسئلة حامَتْ كالأشباح حول درويش، كالهواجس.
[ الجدارية
لكن، عندما اصدر الجدارية ثمسرير الغربة... قرأنا نصاً مغايراً. انه محمود درويش الآخر. الشاعر بكل أسئلته الكتابية، يطل من نوافذ جديدة، غير المألوفة والقوية والنضرة والطازجة وعلى جمالية عالية. انه يكتب قصيدته الخاصة لا العمومية: الفردية الجماعية بكل لواعجها وسرائرها وداخليتها وغنائيتها وتجديدها على المستوى الشكلي والصرفي أو التركيبي. انها المرحلة الثانية (غير المنفصلة تماماً عن الأولى) المرحلة المفتوحة على المجهول (وكان شعره من نتاج المعيش المباشر والواقعي، والنضالي).
[ المقابلة
يومها أُجريتْ معي مقابلة في احدى الصحف الكويتية، ولأنني كنت من الذين ردوا بعنف على درويش في مقالته الشهيرة سُئلت وماذا عن محمود درويش؟ . اجبت بوضوح تام: محمود درويش على عكس معظم الشعراء العرب المعروفين: فهم كتبوا افضل ما عندهم في بداياتهم. ثم وقع بعضهم في التكرار... أما محمود فكتب في بداياته قصائد ملتزمة ليست أفضل شعره. قصائد محكوماً بها... وها هو اليوم بدأ يكتب قصيدته الجديدة. لكن، المحرر وضع عنواناً يحمل معنى مثيراً معكوساً محمود درويش بدأ يكتب الشعر! وأتذكر اننا التقينا بعد ذلك في القاهرة في أحد المهرجانات الشعرية، فما كان من محمود وما ان رآني حتى تقدم صوبي بمشيته الأنيقة لكن العصبية بول هل يمكن أن نأخذ فنجان قهوة معاً؟ فرحبت. وبادرني فوراً وقبل مجيء القهوة أنا بدأت اكتب الشعر اليوم؟ لماذا تهاجمني على هذا الشكل؟، فأجبت: وهل قرأت المقابلة كلها؟ فقال لا وكيف عرفت: قال قرأوا لي عنوانها على التلفون . فأجبت انا قلت العكس تماماً فهؤلاء الذين اخبروك لم يقرأوا المقابلة أو لم يفهموها وهنا رحت اشرح له بهدوء مشوب تفاصيل ما صرحت به مضيفاً انت عكس معظم الشعراء العرب بدأت في اللعبة الخطرة متأخراً، محكوماً بقضيتك. وابدعت وتألقت. بينما الآخرون تراجعوا بعد بداياتهم المهمة. استعاد محمود هنا هدوءه ومنذ تلك اللحظة انعقدت بيننا صداقة عميقة مديدة استمرت حتى رحيله... ونظن انه راح في تلك الفترة يقرأ بعين جديدة وبروح جديدة الشعراء المحدثين... دخل محمود في المغامرة الشعرية الصعبة، المركبة، المعقدة لكن على غير غموض مفتعل وعلى غير مجانية. وبدأت كتبه الرائعة، تصدر الواحد بعد الآخر، بتنوع خصب، وراح محمود يتفوق في كل تجربة على نفسه، وعلى أقرانه.
[ الثقافة الشعرية
واكتشفت كم أن محمود مهووس بالقراءة، والاطلاع على كل جديد، وكل مفتتح... عرفت ذلك عندما زرته في بيته في الأردن. وأول ما أحاول رؤيته أولاً لدى دخولي منزلاً ما هي المكتبة، وكانت مكتبته غنية ومتنوعة بالدواوين الشعرية الغربية، والتراثية، والعربية، والمعاصرة وكذلك بالكتب السياسية والنقدية. قارئ مُر محمود درويش، نفّاذ، شفاف. لكن الغريب أنه عندما اختط هذا الطريق المختلف والاستثنائي واجه من بعض الملتزمين نقداً ليس سهلاً: كأن قيل أنه تخلى عن شعر المقاومة، وانضم إلى شعراء الحداثة... أو أن شعره بات غامضاً بالنسبة للجمهور، وأنه نسي أنه شاعر قضية، وليس شاعراً بلا قضية... إلخ، علماً أن محمود درويش بقي في قلب المقاومة، وفي هموم الناس. ونتذكر قصيدته العمودية بالطفل الفلسطيني الشهيد محمد الدرّة، وهي تنبض بالثورة، وبالإحساس، وباللغة الحية. من دون أن ننسى بعض الحملات التي شنها عليه بعض الإسلاميين المناهضين للسلطة الفلسطينية، حتى وصل ببعض قردتهم تكفيره.. فالانقسام السياسي بين السلطة وبين حماس انعكس عليه، واشرأبت بعض العمامات تخلط بين ما هو سياسي وشعري...
وليس جديداً القول أن حملات مماثلة شُنّت عليه من مرتزقة النظام السوري، باعتباره ركناً شعرياً وسياسياً في القيادة الفلسطينية. وأتذكر أن درويش، عندما كان يريد زيارة لبنان، كان عليه أن يأخذ إذناً.. من الوصاية السورية التي رفضت مراراً دخوله إلى بيروت... فالموقف واحد بينها وبين إسرائيل.
[ الحصار
وهل ننسى ما كابد محمود في بيروت كاللبنانيين، أثناء غزوة شارون لبنان وحصار العاصمة، وما نتج عن ذلك من ضيق، وتخوّف، و.. كذلك من مقاومة ولدت في هذه المدينة، وكانت طلائعها في عملية الويمبي التي قَتَلَ فيها أحد المقاومين بضعة جنود إسرائيليين. وهل ننسى كيف هرب الجنود الصهاينة من عاصمة المقاومة، بعدما تتالت عليهم ضرباتها وانها المقاومة التي صفاها النظام السوري خدمة لحليفه العدو العبري؟ وكان على محمود مغادرة بيروت، فقصد باريس.. فإلى بعض العواصم الأخرى. من منفى إلى منفى ومن بيروت خيمتنا الأخيرة إلى الخيم الأخرى في العالم. لكن وعلى امتداد تلك المراحل بدأ شعر محمود يتبلور أكثر فأكثر، ويضيء أكثر فأكثر... وها هو في عمّان... ومنها إلى العالم... وها هو محمود في قلب الشعر العربي، يترجم إلى لغات عديدة، فصار نجماً مزدوجاً: نجم القضية الفلسطينية، ونجم الشعر الحديث. وعندما كنت أزور باريس، وأقصد المكتبات أولاً، كانت أعماله المترجمة تتصدر الرفوف، يقاسمه ذلك طبعاً أدونيس، فهما يكادان يكونان الوحيدين المعروفين جيداً من الشعراء العرب في الغرب، فما إن تسأل ناقداً أو مفكراً أو شاعراً فرنسياً أو مستشرقاً عن الشعر العربي حتى يذكر هذين الاسمين دون سواهما. نقول ذلك بصراحة. أما في العالم العربي فكان ذا الحضور اللامع، الحضور الجماهيري المكتظ، الذي يجمع المثقفين جمعه الناس الآخرين: من مؤيدي الثورة الفلسطينية وكذلك من محبي شعره الجديد، وكان مجرد الإعلان عن أمسية له، حتى يتدفق الناس، من المدن، والمخيمات والدساكر: فهم في حضرة حضوره، كما استمروا في حضرة الغياب. فالحضوران تجذرا في ضمائر الناس، وفي ذائقتهم، وفي الكاريزما التي كانت تتدفق من صوته وقامته...
لكن الزمن الرديء لا يأتي فقط من الخارج، بل ينهش الداخل... المرض ظهر، وراح محمود يعالجه، ويقاومه، بعمليات جراحية في باريس... وأخيراً في أميركا... إنه القدر الآخر الذي خانه: جسده حتى قال لي يوماً أنا أحمل في صدري قنبلة موقوتة، لا أعرف متى تنفجر، في السرير، في الشارع، في البيت... في اليقظة، في النوم... الخارج خانه، وكذلك جسمه، حتى غادر لإجراء عمليته الجراحية الأخيرة في الولايات المتحدة. وكان يعرف محمود أن نسبة نجاح العملية ضئيل، لكن أصر على الخضوع لها: لا أريد أن أموت في الشارع... فمات على سرير المستشفى في أوج تفجره الشعري.
[ الموت في المنفى
إنها سنوات ثمان مرت على تلك اللحظة الفاصلة، القاطعة، التي أسدلت ستارة حياة محمود درويش، وفي المنفى. عاش فيه، ورحل فيه. لم يرحل سعيداً، لكنه لم يرحل يائساً. فهو كما قال الصديق الراحل سعدالله ونوس محكوم بالأمل. وكلنا، وعلى الرغم من كل شيء، محكومون بهذا الأمل الذي تركه لنا درويش في حياته وفي شعره. قاوم بقصائده كسلاح مباشر، وقاوم بقصائده الطليعية. والمقاومتان تلازمتا.
وماذا اليوم يا صديقي الراحل؟ نتذكرك في شعرك ونتذكرك في حضرة الغياب، وماذا أخبرك يا محمود عن الربيع العربي، والوضع الفلسطيني، والاحتلال الصهيوني، وخراب البصرة وسوريا واليمن والعراق... وهل أخبرك بصوت عال كيف أُجهض حلم الربيع العربي؟ وكيف دحر طغاة دمشق وإيران واسرائيل هذا الأمل المشرق، وحولوه كابوساً وخراباً، وتدميراً: لم يبق شيء في سوريا، هجرها الملايين من أهلها، تحت ضربات حزب الله، وروسيا والحرس الثوري. إنهم ينتقمون من كل ما هو عربي... وحضاري... هؤلاء الداعشيون... داعشيو الدول، وإرهابيوها... وماذا أخبرك عن وطنك العربي، كيف يتمزق بالمذهبية المصنوعة، وبالأصوليات والسلفيات؛ كيف أخبرك كيف صار العالم كله متنكراً لإرثه التنويري، مُلوثاً بالعنصرية، والعنف، والتفكك. إنه العالم الذي كان يضيء بالمستقبل، ينطفئ يوماً بعد يوم، حتى كأنه أصبح مصحاً للجنون، والتخلّف، والتقهقر. وماذا أخبرك عن فلسطينك، وأنت في ترابها الغالي، كيف تقسمت، وصارت فريسة لإرهابيي المستوطنات، والتطرف، والهمجية الإسرائيلية!..
أما أنا يا محمود، فأحب أن أقول لك إنني ما زلت أحتفظ برقمك في هاتفي النقّال. أحياناً أمر به، وأهمُ أن أطلب رقمك لعلّك تجيبني، وما زالت كُتبك مصفوفة في مكان خاص في مكتبتي، أتصفحها من وقت إلى آخر، وأشتم فوحها الشعري، وتغمرني كلماتها...
إنه الاشتياق يا محمود أعالجه بالتذكّر وبقراءتك، وأقول لك يا محمود، إن المقهى الذي كنا نرتاده في باريس لو باري، والذي قلت لي إنه مقهانا قصدته عند أول زيارة لي للعاصمة الفرنسية: هنا جلسنا محمود وأنا... صباحات عدة. هنا شربنا القهوة. هنا تبادلنا الطرائف، وأحاديث الشعر. وهل تصدق يا محمود أنني ما إن جلست في ذلك المقهى، حتى كدت أطلب فنجاني قهوة، واحداً لك وآخر لي. لكن عندما رفعت الفنجان في أول رشفة خلت كأنك تشاركني إياه. فنجان واحد لصديقين. وكرسي واحد لصديقين. وصمت واحد لصديقين. جالستني. وكدت أكلمك بصوت عال... بل كدت أسأل عنك الغارسون الذي تعرّف إليك يومئذ هل جاء صديقي محمود؟. ولكن، مُصراً على تلبية دعوتك، سلكت الطريق التي سلكنا في طريقنا إلى أحد المطاعم التي دعوتني إليها بدي عرّفك على مطعم رائع.
وفي الطريق الطويل يا محمود وين آخذني، استغرقنا ساعة في المشي، فتجيبني وتشير هنا كان بيتي. وعرفت أنك كنت تحب تذكر بيتك في باريس بقدر ما تحب الذهاب إلى المطعم... ولا أنسى عندما أخبرتني وأنت تضحك كنت أشتري الباغيت (الخبز الافرنجي)، وآكله حاف قبل الوصول إلى البيت.. لحظات حميمة يا محمود. لحظات الفقدان زمن محفور في السرائر. كأن الفقدان معرفة متأخر للكبار، والأصدقاء، والأعزاء.
وعندما أعلن النبأ المشؤوم بموتك، اتصل بي الزميل الكاتب الأردني موسى برهومي (وهو مقرب كثيراً من درويش)، وقال لي عندي أمانة لك يا صديقي، عندما ودعني محمود ذاهباً إلى أميركا لإجراء العملية، قال لي سلّم على بول وعلى بيروت. وهذه الجملة كتبها موسى برهومة في مقالته عن الراحل الكبير.
سلاماً يا صديقي سلاماً، وأنا أعرف أن دمعة واحدة لا تكفي لكل هذه الصداقات، ولا لكل هذه الكلمات التي أتحفتنا بها! دمعة واحدة لا تكفي لكل هذا الشوق الذي يختلج في قلوب الكثيرين لك في الوطن العربي!
دمعة واحدة لا تكفي لهذا الرحيل الطويل! فسلاماً يا صاحبي.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.