رحل أحد رواد المسرح اللبناني الكبار منير أبو دبس إثر أزمة صحية حادة في باريس. إنه المنظّر الأول، والمخرج اللامع الذي أحدث ثورة في المسرح اللبناني، في الستينات بعد عودته من فرنسا. وقد اسس مدرسة المسرح الحديث في بيروت، وفرقة مسرحية ضمت أبرز العاملين على الخشبة من ممثلين ومؤدين، مثل ريمون جبارة، أنطوان كرباج وأنطوان ملتقى ورضى خوري..
وكان أبو دبس مدرسة جديدة وضعت الممثل في المكانة العليا، بالنسبة إلى النص الممثل هو النص، بعد أن كان النص في الفترات السابقة هو الأساس. بين النص والممثل علاقة اندماجية، صوفية، عضوية، طقوسية، يفجرها الممثل كبؤرة أساسية، بعدما يذيبها في جسده. الجسد للمرة الأولى علامة العرض، يحمل في غرائزه وانفعالاته وأحواله وتحولاته مراحل الكلمة، والديكور، والماكياج، والملابس، والإضاءة! الجسد مركز كل شيء. أي الممثل. وعندما نقول الممثل فيعني المخرج، أي المخرج سيد النص وليس عبده، يكفيه بحسب مدلوله الخاص، ورؤيته، ورؤياه، ومشهديته، ذلك أن النص عندما كان العنصر الأساسي في الدراماتورجيا، كان دور المخرج ثانوياً، والديكور أقرب إلى محاكاة المكان، منه إلى عنصر درامي أساسي. وعندما قدم أبو دبس، بالاتفاق مع مهرجانات بعلبك، مسرحيات هي محطات أساسية في مسار المسرح اللبناني، ومنها أوديب وملوك طيبا والملك يموت وفاوست، التي قدمت في الهواء الطلق، وكذلك على المنصات الكبيرة، ولقيت نجاحاً من جمهور جديد يختلف بذائقته عن القديم. لكن إذا استمر أبو دبس في منحاه، فلا يعني أنه وقع في تكرار التجارب ومشابهاتها. فالطوفان، التي أخرجها، وشارك في أدائها كل من ميراي معلوف، رضا خوري وجوزف بونصار، غرقت في الطقوسية؛ باعتبار أن النص من مختارات نشيد الأناشيد والمزامير وعظة الجبل لكنها طقوسية احتفالية، صوفية... دينية، تنضح بالشعر، والغرابة، والسحر، وتفجير الحركات في حالاتها الجوانية القصوى.
وقد ربط أبو دبس علاقته بالجمهور انطلاقاً من علاقته بالمسرح، وليس العكس. وهنا، وفي تحوله، عبر الطوفان أبرز الجسد بكل طاقاته اللاواعية، واللاعقلانية، والغريزية، والسرية، والجذورية. وهنا بالذات تستعيد الكلمة قوتها لتنافس الجسد، كأبجدية مفتوحة.
إن تجربة أبو دبس الجديدة، طالعة من عمق الطليعية المسرحية الأوروبية من ستانسلافسكي إلى غروتوفسكي. فهذا الأخير أحدث ثورة في السياق الدرامي، فكان رداً على البرشتية بملحميتها، ليعانق مسرح الفقير، التراجيدي، الجوهري، الكينوني. فأبو دبس تبنى مجمل علامات غروتوفسكي (المتأثر أصلاً بأنطونان أرطو) من خلع كل الأدوات الخارجية للمسرح، من تزويق، وديكورات، وجماليات مجانية، ليختزلها كلها في علاقات حميمة بين الممثل والمسرح، بين الممثل والجمهور. وهنا بالذات تمحى العلاقة بين العناصر الثلاثة: الخشبة، الممثل والجمهور. فالعلاقة الحميمة القائمة بين النص والممثل تنتقل إلى الجمهور، فيحدث ما يشبه الوشيجة الداخلية، الصوفية، الروحانية والمادية أيضاً. فالجسد مادة مفتوحة على كل الماورائيات، ودواخل النفس، ومشاعرها الباطنية، وكلماتها الدفينة.
إنه المسرح الاندماجي (على طريقة غروتوفسكي، وستانسلافسكي) النقيض للمسرح البرشتي التغريبي الذي يضع مساحة العقد الواعي بين الجمهور والعمل.
فَقَدَ لبنان رائداً كبيراً من رواد مسرحه، ومكتشفاً جديداً لمغاليق العمل، وشاقّاً طرقاً غير مطروقة.
أبو دبس كان الثورة الأولى في المسرح اللبناني.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.