8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

خريف الأفاعي

النتائج التي اسفرت عنها الدورات الثلاث للبلديات والمخاتير، بيروت، جبل لبنان، الجنوب، كانت معبرة عن صمود الروح الديموقراطية عند اللبنانيين، التي حاول كل منتهكي السيادة والحرية من ميليشيات مذهبية منذ السبعينات وحتى تشريف حزب سليماني بعد تحرير الجنوب من احتلال واحد اسرائيل، وتسليمه إلى احتلالين سوري- إيراني، من اطفائها. بل كأن بعض النتائج اطفأت بعض هؤلاء الذين لم يعرفوا يوماً طعم الحرية ولا السيادة. ولعلّ صحوة الخلايا المدنية من سكونها هي أبرز ما تمخضت عنه هذه الانتخابات التجريبية جنوباً، وجبلاً. وبين ذلك، في ما يعني، ان اسطورة الحزب الواحد والقائد الواحد تفككت. تداخلت الأصوات والانتماءات وعاد من عاد من ماضيه المجيد ليسجل حضوراً (الحزب الشيوعي) وترحل من ترحل وتلاشى من تلاشى من تسونامي هنا واعصار هناك وجموح هنالك. فلا الثنائيات تثنّتْ ولا الأحاديات اتحدت. فالثنائيات المغلقة تشقق كثير من أبوابها وتحطمَ كثيرٌ من زجاجها، وظهرت بأحجام محسوبة على الأرض بعدما كانت أساطير غير محدودة في السماء. وإذا كان بعضهم حاول طمس تلك الصحوة على تواضعها، بادعاء انها انتخابات عائلية داخل الصف الواحد والمصادرة الواحدة فإن حدة الصراع التي برزت بين اللوائح توحي بقوة ان المسألة تتجاوز المعطيات العائلية على أهميتها. وإذا قلّل بعضهم من حجم الاختراقات الفردية والجماعية والهزائم، فلأنه استشف ان وراءها تصدعاً لمكانته، وادعاءاته ونرجسياته ونبرات تحتية احتجاجية على ممارساته وأفعاله.
كسرت هذه الانتخابات البلدية أوهاماً كبيرة عاش أصحابها سكرى بها إلى ان تحولت كوابيس وحسابات وأرقاماً هي من الدلالات الدامغة على انفتاح المجموعات اللبنانية على هواجسها ومسائلها ومعاناتها ومستقبلها سواء كانت على المستويات المطلبية الاجتماعية، أو السياسية، أو المناطقية. بهذا المعنى بدت الظواهر المدنية على الأرض وكأنها تنفي طغيان الكيانات المعلبة أو الأفكار الجاهزة، او اليقينيات المؤكدة. لا شيء من كل ذلك بل على العكس تماماً، بدت الأمور إلى حد ما، معكوسة، فقد وجه أصحاب التسونامي عواصفهم وسيولهم على بعضهم، من باب تأكيد التحالفات لنفيها، لتصبح معارك مستورة ومكشوفة بينهم من دون أن يغفلوا الآخر المحدد وغير المحدد، الخصم وغير الخصم، الحليف وغير الحليف. وهذا ما كشف الفيروس الإلغائي المنتشر والمتأصل في بعض الرؤوس: إلغاء الحليف وفي الوقت نفسه مع الحليف لالغاء كل خصم: إلغاء في حدود الصف الواحد (وهذا ما عرفناه وتشرفنا بمعرفته في الحرب وما بعدها عن أحزاب الهيمنات المذهبية كانت في الحرب بقوة السلاح والمجازر واليوم بقوة التشهير والاعلام والتصويت. فسوسة الإلغاء أي مصادرة كل مختلف، أو كل مدى متعدد، ما زالت تنخر أذهان هؤلاء والمنطق: اذا لم يتمكن قائد من توحيد مجتمعه تحت رايته وهيبته فلتكن ثنائية مموهة، لا تلغي الخصم، بل القريب أولاً؛ فكأن احزاب اليوم جنوباً وجبلاً يقلدون أنفسهم تارة ليسترجع بعضهم أحاديته على بيئته، أو يقلدون بعضهم بثنائيات زجلية، هوائية، ولا مقومات فكرية ولا وطنية ولا سياسية لها.
ففِعل الإناءات النرجسية هذا يئد كل حيوية سجالية، أو حوارية، في هذه البنية أو تلك، ويفرض نوعاً من القطيعية باعتبار ان الجمهور ليس أكثر من قطيع مذهبي بالنسبة إليهم يساق بشكل عمودي: أو يساق بالإغراء والمال وتحشيد خطاب التطرف والتخويف والتشويه والعنف. فكل قطيع يحتاج إلى راع يحمل عصاه واذا عجز راع وحده فليكن هناك راعيان لقطيع واحد. لكن المهم ان يحافظ هؤلاء على غيبوبة القطيع وخنوعه وطاعته والاستقالة من عقله ومنطقه ليعبر جيداً عن غرائزه ونحن نعيش زمن الغرائز المصنوعة منذ عام 1975 وحتى اليوم. وبعض صُناع الغرائز في الماضي يعودون بالمعزوفات ذاتها وبعض صناع الغرائز الجدد (حزب الله) يستلهم ماضي هؤلاء ويكرسه ويوسعه في اطار أبعد من المناطق والحدود أي إلى اطار المذهبية والمعولمة أو الغريزية المُعدية.
ونظن ان الطائفية كما علمنا وخبرنا وعشنا، تصنع بمواد باتت معروفة كأي صناعات أخرى تماماً كصناعة الأحذية والحلويات والملابس والأمراض. تُقولَب، تُجمَّل، تُبرّج، ثم تغلف بشعارات تحريرية ومقاومة جهادية وأصولية بغية إحداث الانقسامات الوهمية بين الناس. كان منطق الاستعمار فرّق تسدْ أخذه فتوات الطوائف التقليديين أو النيو تقليديين، وطبقوه حتى داخل بنياتهم فقسموها في حروب ومعارك الغائية... (تذكروا السبعينات والثمانينات تجدوا الجواب الشافي).
والغريب، ان هؤلاء الهوسة بأحادية الحزب والقائد (تيمناً بشيخ القبيلة) قد شارك بعضهم إما في مقاومة مشرفة كما حزب الله مع اسرائيل، أم في ثورة الأرز التي بدت وكأنها استوعبت تلك الرموزيات الواحدية وخلطت الأفكار والأحاسيس والمشاعر الوطنية والسيادية والديموقراطية عسى ان تطل على زمن جديد بعدما طردت الوصاية السورية من لبنان بقوتها السلمية وبنضارتها الديموقراطية وبتجددها الوطني.
[ سيادية
وكلنا يعرف أن معظم الأحزاب التي تسمى سيادية ساهمت بشكل كبير في صناعة هذه الأسطورة الشعبية اللبنانية. وكان على خصومها العمل على تفكيكها سواء بالقتل، أم بالغزوات (7 أيار) ، أو بتعطيل مفاعيلها على الصعيد الرئاسي والحكومي والبرلماني والميداني. فكأنما بعضهم لبّى ذلك النداء، مأخوذاً بوساوسه الشخصية أو بمصالحه السلطوية، ليشكل بذلك ضربات موجعة لهذه الظاهرة التاريخية. وعندما تتالت هذه الضربات بدأ بعض الأحزاب يتقلص إلى نفسه، إلى جغرافيته، خوفاً على كيانيته، وحضوره وخلفياته وأسبابه. انها العودة إلى الصراعات الموضعية بين هذه الأحزاب. ألم يعد من حُلم لإكمال مشوار ثورة الأرز. فبات لكل منهم ثورته وهدفه وحتى تحالفاته وأوكاره... حتى مع اعداء ثورة الأرز.
فلتتفكك أسطورة 14 آذار لمصلحة مفردات متناهضة أو متقابلة، أو متهافتة على حصصها في السلطة تحت شعار المحاصصة أو المشاطرة، ضمن حسابات ضيقة جداً وان بدت كبيرة (لمسألة ترشيح الجنرال عون إلى الرئاسة!) وكذلك ما يراود آخرين عجزوا عن اتمام شروط التوافق....

[ أين الجماهير؟
لكن أين راحت جماهير 14 آذار المليونية؟ فهي لم تكن كلها حزبية، أو منتمية إلى مجموعات أو حركات منظمة، بل حملتها وطنيتها وأحلامها بالديموقراطية والحرية إلى النزول إلى التظاهرات. ومن بدّد هذه الجماهير؟ وأين صارت؟ وما مشاعرها؟ وما مواقفها؟ وما انتماءاتها وما مدى احباطاتها؟ فكأن الحكاية انتهت أي الحلم، واليوتوبيا والأسطورة التي تصنع كل ثورة كبرت أم صغرت، وكل ظاهرة من الثورة الفرنسية إلى البولشفية، إلى النازية، إلى الفاشية، إلى التنويرية العربية، والنهضوية وصولاً إلى القومية العربية، والشيوعية واليسارية والناصرية نفسها... وصولاً إلى القضية الفلسطينية، والمقاومة الوطنية، فإلى حزب الله والربيع العربي. كلها حكايات (Recits) صنعت فوارق ثم صَمت الكلام المباح... نحس اليوم ان اسطورة الثورة الفرنسية قد انتهت. وقبلها الشيوعية، وان صيروة التنوير ارتبكت واضطربت لتحل محلها اسطورة جديدة نعيشها اليوم الظلامية العنصرية الدينية والاثنية واللونية واللغوية... فكأن الوحيدين الذين يمتلكون اليوم اسطورة ولو مصنوعة ومعلبة هم المتطرفون والظلاميون والفئويون، من أميركا (ترامب، وقبله حزب الشاي) فإلى لوبان ومعها اليسار المتطرف، فإلى اسبانيا واليمين المتطرف ميلانشون، وكذلك في اليونان بيسارها الشعبوي.... وصولاً إلى إيران ونزعتها العنصرية (الفارسية) والمذهبية (الشيعية) ليقابلها داعش (وهو من صنائعها وتحفها) الذي يرفع شعار اسلام لا نعرفه وممارسات تذكر بالبرابرة والنازيين والصهاينة.
[ الحلف الثلاثي
ونتذكر هنا عرضاً حكاية الحلف الثلاثي في السبعينات (اده، شمعون، الجميل) وكيف كبرت كرياتها لتُطيح العهد الشهابي باسم الديموقراطية ومواجهة المكتب الثاني، لكن اترى ساعد هذا الحلف الثلاثي الماروني على التمهيد للحوادث التي اندلعت في 1975 وأوصلت إلى حروب لا تنتهي. فكأن بدائل الثلاثي الماروني، انبعثت في ثنائيات شيعية وأيضاً مارونية. وهذا يعني ان التجمعات التي تمت من ثنائية إلى ثلاثية فإلى جماعية (الحركة الوطنية) أو ثلاثية من موقع آخر المقاومة الوطنية (القومي، الشيوعي، منظمة العمل) ما كانت لتقوم إلا بنزعة أيديولوجية مادية، تاريخية، قومية... وجميعها صنعت قصتها ويوتوبيتها... وحروبها وانقساماتها ثم تلاشت. فكأننا نقول إن كل الأحزاب التي شاركت في الحروب منذ 1975 وحتى 1990 قد انتهت، أو تحولت دساكر جغرافية ريفية أو مدنية محددة، بحيث بدأ اكتفاؤها بأدوارها الصغيرة كافياً لتحفير مواقع سلطوية لها... أو تآزرت لتحول دون ذوبانها، او تهميش مصالحها الأكبر منها.. بل السؤال إذا كانت ثورة الأرز في وضعها غير المريح وغير المؤتمن وغير الصلب قد سجلت ما سجلت من تهافت، أترى الأحزاب نفسها التي كان من الممكن أن توسع دوائر رؤاها السياسية وتعدل من اداءاتها الفئوية ارتباطاً بهذه الظاهرة سجلت خروجاً يتيماً من هذه الأسطورة بلا هالات ولا معجزات، فكانت انعكاساً لمآلات ثورة الأرز؟ أترى ارتكبت هذه الأحزاب أخطاء استراتيجية بتهميشها هذه الثورة الشعبية، ارتدت عليها اقتناعاً بما اتحدت فيه من أدوار اجرائية أو مساع إلى جهات أخرى، لتعوض ما لم تستطع استرجاعه مع 14 آذار؟ وهل رأت، ان هذا الحد الشعبي الذي فتح ابواباً كثيرة ومازج الجماهير المختلفة بات خطراً على مصالحها، فانزوت إلى دوائرها الصغرى المذهبية أو الاجتماعية، لتقنع بما هو دون الحدود الدنيا من ماضيها أو حتى من احتمالات حاضرها. من هنا نفسر ان هذه الثنائيات أو الثلاثيات، لم تكن سوى تناكب بعض هذه الحركات والأحزاب لتعويم دورها الوطني الكبير، في هواجس بلدية أو حتى نيابية أو حكومية؟ كأن هذه التحالفات وابتكرت صمام أمان وهمياً لتشكيل خرافة مذهبية تواجه خرافة مذهبية أخرى؟ أو اذا شئنا لابتكار قصة أو اسطورة... بالشروط التي كانت سائدة منذ الاربعينات وحتى اليوم؛ وأي درع واقية أصلب بالنسبة إلى هؤلاء من نزعة الغائية ضمن ما يسمى الصف الواحد لتمتين الهشاشة وتأمين الاستمرار مجرد الاستمرار.

[ ثنائيات
هذا بالذات ما كشفته نتائج الانتخابات البلدية والاختيارية فكأنها كانت معارك ثنائيات وثلاثيات لإعدام كل تململ تحتي، سفلي على صعيد القواعد، وكل احتجاج عال لدى المجتمع المدني، وكل تمرد لدى الظواهر الشبابية لإعلان زمن جديد... هو في الحقيقة من اصلاب ثورة الأرز بنواحيها الشعبية غير المؤطرة، اي تلك الحية الحرة التي تلاحق أحلامها العالية، ومطالبها الوطنية والاجتماعية القائمة خارج ما يسمى الاصطفافات الطائفية المغلقة: عودة الاختيار الممنوع تشبه استرجاع الشارع المحرم والميادين والساحات كأمكنة لرسم العينات والحركات الشعبية. على هذا الأساس يمكن القول، إن كل تحرك متجدد من قوى جديدة لا بد ان يحمل أفكاراً جديدة. فالاحتجاج يكون جزءاً من الأفكار أو لا يكون جزءاً من ثقافة مستعادة أو لا يكون، جزءاً من رؤيا تنطلق من معطيات الواقع اللبناني العربي أو لا تكون. وهذا يعني أن الرد على التجمعيات المذهبية التاريخية لا يمكن ان يتخذ مدى متنامياً إلا باستقاء الأفكار الطالعة من المجتمع ومن الأفراد ومن الظواهر ومن حيوية التحرك بمضامينها الفكرية والسياسية والاجتماعية المفتوحة وهذا يعني الاختلاف. إذ لا يمكن مواجهة المعلبات المذهبية إلا بتقديم معطيات مختلفة عنها لكي لا تبتلعها أو تستوعبها أو تنقض اختلافاتها . على هذا الأساس نرى ان ما ظهر من ملامح احتجاجية في الانتخابات البلدية لن يكون له أن يستمر. إلاّ اذا بحث عن أطر تنظيمية جديدة تختلف عن الأطر الحزبية الراهنة سواء يسارية أو يمينية أو مذهبية وتؤمن استمراراً لها وهنا الصعوبة؛ كيف يمكن أن تنظم احتجاجات موضعية، أو نقابية، أو انتخابية، أو حركية، لكي لا تتلاشى مع زوال مناسباتها ودوافعها اي كيف تتحول الاحتجاجات وأشكال الرفض والتمرد ولتحافظ على سياق وجودها (المستقل وتطورها) وقطورها.. ذلك اننا نعتبر ان ما لحظنا حتى الآن ان الخمائر موجودة وان الجموع موجودة.. لكن من يضمن انفتاحها على بعضها، ومن يؤمن الشروط المادية والفكرية لاستمرارها، لكي لا تكون مجرد فقاعة انتخابية، او مناسبة، أو فوران يكثر زبده مع الوقت... ونظن ان بعض الشروط الملازمة لها انفتاحها على بعضها، بقنوات تحتية، وفكرية مشتركة، لكي لا يقتصر على كل وحدة من هذه الوحدات، أو كل جماعة على نفسها،... فيسهل تضاؤلها وانكماشها واستيعابها!
هل نعيش اليوم الزمن الآخر لثورة الأرز؟ ربما علم! وربما لا! لكن يبقى الحلم، في كل الأحوال، مشعاً، والحكاية مليئة بالوعود، والآمال.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00