صدمة كانت رحيل المخرج المسرحي الكويتي الكبير فؤاد الشطي. نزل عليّ الخبر بكل سواده، فهو صديق عقود، تمتد إلى نهاية السبعينات، ومن فقد صديقاً كمن فقد جزءاً من عمره. اتصلوا بي من الكويت، وأخبروني ولم أعرف سبب موته. كنّا رفاق المهرجانات من الكويت، إلى بغداد إلى القاهرة إلى دمشق، والأردن... لكنه كان أيضاً صديق لبنان وبيروت، كان يقضي (قبل حرب 1975) الصيف في بحمدون، ولم تكن تمر سنة من دون أن يزور بيروت، وبعض المناطق كالجبل، وصيدا، وطرابلس.
تابعت فؤاد منذ أول أعماله، بعدما عاد من الولايات المتحدة متخصصاً بالمسرح، وقدم أعمالاً تعتبر المحطة الأساسية الثانية، بعد المحطة الأولى التي جسدها كل من المخرج المسرحي الكويتي صقر الرشود، والكاتب عبدالعزيز السريع. ونظن أن المنحى المتجدد الذي خطاه الثنائي الرشود والسريع، والذي أنتج أعمالاً مسرحية بارزة، ومهمة، وفاصلة في المسرح الكويتي والعربي، فإن فؤاد الشطي استمر بتجسيد هذه الطبيعة، والإبداعية، من خلال أعمال مسرحية نال على إحداها الجائزة الكبرى في مهرجان بغداد المسرحي الأول. وشاركنا معاً في لجان تحكيم عدة في المسرح التجريبي في القاهرة، وفي الأردن، وفي الكويت... كما شارك الشطي في العديد من الندوات الفكرية التي كانت تعقد على هامش المهرجانات، من بغداد إلى تونس، إلى الجزائر والقاهرة، وكان معروفاً بصراحته، وبدفاعه عن كل جديد يخترق المسرح العربي، منتقداً بشدة بعض الاتجاهات التقليدية، سواء تمت باسم التراث كبديل من الغرب، أم الإفراط في استخدام الديكورات بالجمالية التي من شأنها أن تخنق النص والإخراج والتمثيل والدلالات، خصوصاً المسرح التجاري. فالمسرح الحقيقي كما كان يردد بتجرد من كل عوامل خارجية تحت مسمى الجمهور عايز كده، ومن كل ما يجعله سوقاً أيديولوجية أو استهلاكية، أو سياسية مباشرة. فالمسرح فن الاحتجاج، لكن بمواصفاته الخاصة، وبشروطه الخاصة، وبهواجسه الخاصة، وبهوياته الخاصة. فالمسرحية هي الأساس، أي تحويل كل مادة، أياً كانت مواصفاتها، مسرحاً، من النص المكتوب، إلى الشفاهي، إلى الشعر، إلى القصة... فالمسرح الإبداعي لا يمس نصاً ويحوله إلى عمل أو عرض.
وعلى امتداد هذه السنوات من الصداقة كان اصدقاء آخرون يشاركوننا اياها: كعبدالعزيز السريع، ووليد ابو بكر، واسعد فضة، وكم اتذكر تلك الليالي التي كنا نقضيها معا اما خارج الفنادق في المقاهي، وعلى ارصفة المدن، ام في الغرف، وحتى الصباح. ففؤاد يحب السهر، وتبدأ سهرته بعد منتصف الليل، وهكذا نحن: جميعاً نحب الليل والمسرح. والشغف بالسياسة وبالشعر.
ويتميز فؤاد بشغفه بالسياسة، يقرأ عدة صحف يومياً، يتابع الأخبار العربية والعالمية، من محطة تلفزيونية الى أخرى، واذا لم يتوفر التلفزيون، بالراديو، مسيس فؤاد ليس بالمعنى الحزبي، بل بالمعنى الذي يرى فيه السياسة مركزة للبلد تعكس صراع الافكار، والاتجاهات، علمًا ان الكويت في السبعينات والثمانينات كانت تعج بالتعددية السياسية، والقومية، والفكرية.. وأتذكر انه عندما غزا العراق الكويت، قلقت على اصحابي هناك ولا سيما عبدالعزيز السريع وفؤاد، وعرفت من صديق عبدالعزيز الذي كان في القاهرة، ان فؤاد قرر البقاء في الكويت. لن يغادرها: وليكن ما يكون، وهكذا له ان يقاوم ببقائه اولاً، ويصمد صمود الفنان والمواطن الذي احب بلاده الكويت، وأحب الوطن العربي كله.
رحيل الصديق فؤاد جرح آخر من جروح رحيل آخرين، ربطتنا بهم وشائج الفن والأدب والفكر والهموم، والنكسات، والانتصارات، والانكسارات.
فؤاد كان شاهداً حياً على مراحل المسرح من صعوده.. الى نزوله، وعلى كل ما حل بهذه الأمة العربية.. ملتزماً عروبته وتقدميته وجوهر ابداعه.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.