8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مئة عام على رحيل الجمركجي روسو

كان النقاد يسخرون من أعماله، بل كان مضحكة. تماماً كما سخر المسرحيون والكتّاب من شكسبير وأعماله وثقافته وأصله وكذلك من سرفانتس صاحب الرائعة دون كيشوت... ذلك لأنه لم يدخل أي محترف، ولا أي مدرسة. تعلم على نفسه، وعلى تجاربه، وعلى موهبته الفطرية. لا يعرف أصول الرسم الأكاديمية (الضرورية). ولا المحترفات، ولا التنظير، ولا الأحجام، ولا الثوابت، ولا المتغيرات. إنه الجمركجي روسو، سماه بلقبه بعض كبار أصدقائه، (منهم ألفرد جاري)، لأنه اشتغل في الجمرك طيلة عشرين عاماً. والغريب أنه تلقى مدحاً بسبب فطريته، واحتقاراً للسبب ذاته. أنا أحببت هذا الفنان منذ بداية تطلعاتي إلى الفنون: أحببت ذلك الغموض الذي تتركه اعماله، ألوانه، أحجامه، الحيوانات التي كانت تظهر وكأنها كائنات سرية، ليلية. وأحببت تلقائيته، الهشة، والتي من هشاشتها قوتها؛ كأن ما بعد اللوحة، وما توحي، مصدر لغزها، أو سرها. وصودف في تلك المرحلة أن تعرفت على جاري الرسام خليل زغيب، في سن الفيل، والذي كان أيضاً فناناً فطرياً، ذا موهبة فياضة بالمناظر الطبيعية، والأشياء، والمتاع، بطريقة رائعة. كأن لعبته التعليمية منحته حرية الخروج على أحجام الشكل وهندسته ومعماريته، وبيوته، بل كأن الضعف الرسمي الأكاديمي، خلق مثل هذه المشاعر الطفولية، الأولى، ببراءاتها، وجمالياتها العفوية، والأولية. لكن خليل زغيب الذي اكتشفه بعض الفنانين والنقاد، وأقام معارض عدة، أهمل بعد رحيله، ولا أحد يعرف مصير أعماله...
روسو أسرار توقظ غموضاً، وحلاوة المجهول والخوف، والريبة، على جماليات مكثفة، لا تترك مساحة أو نقطة فارغة في اللوحة. ولا أعرف لماذا يذكرني بكثافة نصوص لوتريامون، أو غرابة بيكاسو، أو تحرر سيزان. كأنه من مفتتحات اللوحات المحملة بالفنون على غير رمزية موجهة، أو أفكار مقننة، أو تجريبيات ذهنية. هكذا أحببته، لأنه يلعب بالأحجام، والتوازنات، وبالألوان، لتكون من جبلة مشاعره، وسلوكه، ونظرته. كل شيء رسمه مغموس بحواسه المفتوحة.
صحيح أنه واجه نقاداً أكاديميين محدودي النظرة إلى الفن، ومسحوقين بالقواعد، إلاّ أن هناك كباراً عرفوا قيمته. الرائد المسرحي ألفرد جاري (صاحب أوبو ملكاً)، والشاعر الكبير شارل بودلير الذي حيا سذاجته (عفويته) الفنية، ولم يكن أحد بحساسية بودلير نحو الفن الفطري (كان يكره الصورة الفوتوغرافية).
واللافت أن بودلير الذي تآخى وهذا الفن المتدفق، بلا وسيط ثقافي، هو من الشعراء الذين كانوا يمارسون أقصى التحبير، والجمالية، والأسلوب في قصائده. كأنه النقيض المسحور بنقيضه. ولهذا فقد استخدم كلمات عديدة في مقاربته لروسو مثل مبتكر، ساذج، طفولي، وحشي وهو يمتدح نضارته.
فبودلير كان ينتظر من الفنان السذاجة، والتعبير الصادق عن مزاجه، تساعده على ذلك وسائله التي توفّرها له مهنته، وإعجابه بالروائي بالزاك صاحب الأب غوريو يعود أساساً إلى الجانب العفوي، وهي صفة يتبعها بانتظام على قوته. بل إنه يميل إلى الفنان غير المكتمل على مستويات التأليف، والعشرة، والطفولة لكن ذات حرارة قوية...
لكن وصف روسو بالأمي، أو الفطري، أو العفوي غير دقيق ببعض المواصفات؛ فروسو كان يتردد إلى المتاحف والمعارض، بل كان يحب الفنانين الأكاديميين كجاره فيليكس أوغست كليمان، ويردد بعض الأكاديميين والمطلعين أن روسو عرف جيداً الفنانين الفطريين الإيطاليين ونحاتاً مجهولين من القرون الوسطى. وما هو أكيد أنه كان يثقف نفسه من مصادر متنوعة ومبتكرة، نذكر منها ألبوم الحيوانات المفترسة. وكان يتردد أحياناً إلى المتاحف الخاصة بذلك مثل دولاكروا وباريس.
تقول الناقدة كلير برناردي نحن لا نقيمه لأننا نضعه إلى جوار الكبار أمثال باولو أوسولو، أو انغريز، أو بيكاسو، وإنما لأننا نطرح أسئلة حول ماذا الذي قدر على رؤيته، وما وجده عنده لسحر الأطفال. فقبل بضع سنوات خاضت مسألة مرجعيات فنه وجذورها.. وأخيراً، أقيم له معرض استرجاعي في مؤسسة بايلر دوبال ركزت على روائعه. وفي معرض أورسي أعدناه إلى عصره. فلوحات مثل صيادون بالشبكة (1909) أو المباريات الرياضية لاعبو كرة القدم (1908) بنيويورك، وفي بداية بناء برج إيفل كذلك حيث يظهر روسو أكبر منها، وهو يحمل ريشته مثل فيلاسكيز أو بوسان.
وما يلفت (بمرارة) أن روسو كان يعرف أنه موضع سخرية، بلقطاته الخلفية، وبأحجامه غير المتوازنة، مع أنه كان يأخذ مقاسات موديلاته من الباتوغراف، أو من الصور الفوتوغرافية، وكانت تصله الانتقادات حول أعناقه المنسية، أيديه المقلوبة، والسيقان المطوية، حتى وصفوه بـفنان يوم الأحد. وعندما عرض أعماله للمرة الأولى في صالونات المستقلين، وصفوا أعماله بأنها تليق بصبيان في سن العاشرة، وشخصياته بـكرتون ملون، ولم يقدروا فيه سوى مخيلته، ولا شيء سوى ذلك!
لكن أول من استمتع بروسو، أبولينير وبيكاسو في مرحلة شبابه، الذي كان يتسلى بهذا الرجل الطيب، ووضع إحدى لوحاته في محترفه ووضع كذلك بضعة أعمال له اشتراها بخمسة فرنكات إلى جانب منحوتاته الأفريقية الثمينة.
ونجد، أن رسم الكاتب بيار لوتي في أورسي، الذي وضعه روسو يقدم الخطوط ذاتها للأقنعة والتماثيل الزنجية، كأنه يبشر بالتكعيبية قبل التكعيبية، أو بتبسيطات الفنان فرنان ليجيه.
ويظهر هذا المعرض أن كثيراً من الفنانين الطليعيين اهتموا بالأخطاء الرسمية. ألوان حية، سميكة ومسطحة؛ وهذا ما أوحى عام 1916 رومانطيقيات الفنان المستقبلي كارلو كارا؛ ونتذكر هنا قول غوغان المشهور أن اللون الأسود عند روسو غير قابل للتقليد. وكتب الناقد بيتري ريفيير أنه قبل الحرب العالمية الأولى لمع الجمركي روسو خارج الحدود الفرنسية، وصاحبه في ذلك اهتمام عالمي حول رسومه النساء والطفولات القاسية والأمكنة الغريبة. فالإيطاليون مثل الميتافيزيقي شارتو، وكارا، الذي وجد عند روسو حلم عصر قبلي أو جيورجو موراندي الذي كان يمتلك بعض لوحاته، وها هو الفنان الطبيعي المكسيكي صاحب الجداريات المذهلة، وأميركيون مجهولون، وألمان تعبيريون، وكذلك الموضوعية وثم كاندانسكي الذي أحب أعماله... وهكذا يمكن أن يكون وببساطة من الذين استوحاهم السورياليون، برؤاه الغرائبية، التي تعتبر مفتوحة على اللاوعي، والتي تبشر بفنانين كدالي، أو مخرجين كبونوييل احتفل به الشاعر جان كوكتو.
يُذكر أنه لا يقل عن 200 مليون دولار لتأمين لوحاته!
مات فقيراً... كفان غوغ، ومحاطاً بالمجد بعد موته.
يُقام المعرض الجمركجي روسو، البراءة البدائية في متحف أورسي، باريس، حتى السابع عشر من تموز المقبل.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00