8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الأسئلة المحرمة والأجوبة المعلقة

لم نعرف من وسائل إعلام الممانعة (السورية الإيرانية) في لبنان أو في عدد من المنصات ما يُفيد في موضوع انسحاب القوات الروسية من قلب العروبة النابض. هل هناك انسحاب جزئي، أم بداية انسحاب كلي؟ هل ثمة انسحاب أم مناورة بالانسحاب؟ هل هناك تشكيك في خطوة بوتين المفاجئة التي ذكرتنا بانسحاب الجيش السوياتي من أفغانستان؟ كل هذا يمكن أن نلحظه نسبياً في وسائل إعلام أخرى ميدانية أو غير ميدانية؟ خبراء مطلعون بوسائلهم العسكرية أو المخابراتية. عليك إذاً ان تطوي شاشات الممانعة من ميادينها إلى منارها وكذلك معظم صحفها لأنها كانت في مكان آخر، وفي وساوس أخرى؟ هذه الوساوس التي تستبطن أولاً وأخيراً إما كيف تم الانسحاب (أو لم يتم) وهل كان القرار من طرف واحد هو الروسي، أم ان هذه المبادرة تمت بالتنسيق مع ساكن قصر المهاجرين؟ والغريب أن ما زاد بلبلة بلابل المناعة (المقاومة طبعاً) ان بعض صحفها لم تذكر الخبر لا من قريب ولا من بعيد تيمناً بالوسائل الاعلامية الإيرانية. لا خبر عن الانسحاب ولا من يخبرون. لا تعليق ولا من يعلقون (اللهم التصريح المبين الذي أطلقه بخجل ووجل وزير خارجية إيران!).
لكن الصحف السورية عبأت مصادرها ومعلوماتها ونفختها على شاشاتها كبالونات بدأت تنفقع فور نفخها. ان بشار مرتاح لخطوة بوتين، وبوتين مرتاح لكلام بشار المباح بصباح أو بلا صباح. اذاً بشار مسرور، وسُرت به ألسنة حلفائه ومرتزقته وأبواقه. ولكن احدى الصحف المحلية عبرت عن بلبالها بسؤال غريب الأسد وافق على خطوة بوتين (أي ربما إلى مستلخصات مؤتمر جنيف والفترة الانتقالية وممثليها) فهل توافق إيران؟ كأنما لرمي الكرة في ملعب هذه الأخيرة.
حتى الآن لم تُفدنا هذه المنابر بما يفيد: لا حجم الانسحاب، ولا توقيعه ولا نيات الروس ولا الخطوات التالية ولا المفاعيل ولا الأهداف وربما منها الضغط على الأسد لتقديم تنازلات بعدما صرح بأنه سيسيطر على كل سوريا ليحكمها. أو ما صرح به وزير خارجيته الأسد خط أحمر. لا شيء. كل ما شغل بال هؤلاء تأكيدهم (لدحض الإشاعات والأكاذيب من خلال ان كل ما تم من عمليات الانسحاب جاء بعد تنسيق بين الكرملين وكوخ المهاجرين.
لكن هذا لم يمنع بعض الباحثين عن الانتصارات من القول إن خطوة بوتين صفعة للأميركيين! أو خطوة بوتين هي رمزية ورمزيتها دليل على استمراره دعم الأسد واعتراف بشرعيته وبصواب تفكيره واستراتيجياته ....
[عاصفة الغبار
حتى الآن، ومن خلال عاصفة الغبار الممانعة لم نعرف شيئاَ. فلا عرفنا شيئاَ عن الانسحاب. ولا أعداءه. ولا مُدتّه. ولا مساره. هل هو ثمرة تنسيق بين الولايات المتحدة وروسيا؟ هل هو تهديد سافر أو مبطن لترك الأسد يعود إلى نقطة ما قبل التدخل الروسي المباشر؟ هل هو تعبير عن فك الارتباط بإيران؟ هل هو تقرب من السعودية ومن دول الخليج؟ هل هو توجيه رسالة إلى الأوروبيين وتركيا وكل الدوائر، بأن روسيا باتت لاعباً أساسياً في منطقة الشرق الأوسط أقله مع الأميركيين؟ بل أتكون الخطوة المباغتة بادرة ايجابية نحو واشنطن.
بعد كل ما جرى بينهما من توتر بعد فصل القرم عن أوكرانيا وفرض عقوبات على روسيا؟
[الأسئلة الممنوعة
حتى الأسئلة التي كانت تتردد حول دور الروس الفعلي في سوريا... لم تعد تطرح؟ هل جاءت القوات الروسية لدعم داعش أم لضربها؟ هل جاءت باسم مكافحة الإرهاب لتكافح فعلياً الجيش الحر والقوى المعتدلة المحسوبة على الغرب... وعلى السعودية؟ وهل بات داعش أقوى بعد مجيء الروس أم أضعف؟ وإلى أي مدى تمكن الأسد من استرجاع ما أخذته المعارضة: الروس يقولون إنهم حرروا 400 بلدة من المعارضة، والخبراء يقولون ليس أكثر من 200. مع هذا فقد حقق بشار الأسد بواسطة سوخوي الروسية حيثية كان افتقدها بحروبه الفاشلة مع حلفائه إيران وحزب الله والمجرم سليماني.. فهل روسيا حسمت؟ ربما، ضمن هذه الزاوية: فقد أجّلت رحيل الأسد وعززت جدران قصره. لكن في المقابل، علينا الاعتراف بأن هجمة بوتين على سوريا، دليل على فشل إيران وحلفائها في حماية الدكتاتور ومن تابع تلك المراحل يعرف بسهولة إلى أي مدى أثرت الخسائر البشرية التي أصابت مقاتلي حزب الله في معنوياته، وفي موقع بيئته منه: تصدّع في الكانتون، وسقوط هالة ميليشيا حزب الله التي لا تقهر وتزعزع صدقية السيد حسن نصرالله...
فإيران (ومن وراءها) باتت تفصيلاً هامشياً في حربها الشعواء المعلنة على الشعب السوري. وهذا بالتحديد ما يجعل الخطوة الروسية على هذه الأرجحية. فلو كانت ايران ما زالت فاعلة، كما في أيام الحرب الأولى، لما انصّب الاهتمام على ما أقدم عليه بوتين: فاللاعب الأساسي هدّد بالخروج من الملعب، أو وضع نفسه في الاحتياط، أو ترك الساحة لداعش والقوى الأخرى. أيعود الأسد إلى مربعاته الأولى؟ ومن سيحميه؟ ومن سيبقيه بيدقاً مكسوراً على طاولة النرد بعدما كش إلى خارجها؟
[الرؤوس والأموال
... ودفن الرؤوس في الرمال مستمر تتدفق معها الأسباب والوقائع والأهداف الحقيقية، لكن المصادر الروسية تقول إن جيشها حقق أهدافه كلها. فاذا كان ذلك صحيحاً، فيعني أن العملية هذه حققت المصالح الروسية العسكرية (قواعدها في سوريا) واختراق المجال الحيوي العربي لا سيما الخليج وبالأخص السعودية وكذلك فتح ثغرة واسعة في قرارات الولايات المتحدة المتصلة بالعقوبات المفروضة عليها، والتي من نتائجها تدهور عملتها الوطنية وغرقها في أزمة اقتصادية كبيرة من دون أن ننسى ان نجاح روسيا في منع سقوط الأسد الساقط بلا قرار، هو كذلك نجاح باهر لنرجسية بوتين في فرض نفسه كدور فاعل في الشرق الأوسط، بعدما تراجع الاهتمام بغزوه أوكرانيا وفصل القرم عنها، وجرائمه في الشيشان... كأنها عملية تبرئة لكل مرتكبات بوتين وغسل لآثامه وعملية تجميل جراحية لوجهه الجديد: القيصر الستاليني الذي يقف على أرض صلبة في روسيا وفي العالم.
[رأس الأسد
لكن كل ذلك لم يتم إلاّ باستخدام بوتين سوريا ورأس الأسد ودماء السوريين ودمار المدن وجرائم السوخوي للضغط على المجتمع الدولي وخصوصاً على الولايات المتحدة للاعتراف بأهدافه والتخفيف من مصاعبه. فهل حدث كل ذلك؟ تقول الولايات المتحدة ان كل شيء وخصوصاً الانسحاب (أو بدء الانسحاب) من سوريا تمّ بالتنسيق معها، لكن أين دور اسرائيل المستميتة للحفاظ على نظام آل الأسد الذي باتت تربطهم بها صداقة مُعتقة تليدة (التنسيق لتفجير لبنان 1975) والجديدة بدعم الأسد، وداعش وإيران، وحزب الله، كمكونات ضرورية للقضاء على الجيش الحر والتشجيع على استخدام النظام الأسلحة الفتاكة الكيميائية والبراميل المتفجرة.
[التوقيت
وهنا يأتي توقيت عملية الانسحاب بالتزامن مع انعقاد المفاوضات بين المعارضة والنظام. المعارضة بفصائلها والنظام بفلوله. وقد يكون مسار وقائع المؤتمر من المفاتيح الأساسية لتبيان أثر هذه الخطوة البوتينية. لكن الغريب ما ورد في جريدة الشرق الأوسط ان مكالمة عاصفة جرت بين بوتين والأسد عاصفة؟ ربما! ويعني ذلك أولاً وأخيراً ان قرار روسيا اتخذ من طرف واحد. وان مفاعيله سترتب على الدكتاتور الصغير تقديم تنازلات بعد تفرده بتعيين موعد الانتخابات في نيسان المقبل. ثم طوي هذا القرار وبعد تصريح وزير الخارجية المعلم بأن الأسد خط أحمر وكذلك بعدما أحرج رئيس جمهورية قصر المهاجرين الروس بإعلانه بأنه سيحرر كل سوريا ويحكمها، وهذا يعني سقوط التهديد بفدرلة سوريا فدرلة مذهبية. وهذا يعني بالنسبة إلى روسيا ان مثل هذه القرارات تتخذها كل الأطراف المشاركة في المؤتمر، استأسد الأسد بسوخوي الروسية وبحيثيته الجديدة متوهماً (من باب الشيزوفرانيا) انه هو الذي حقق كل هذه الانتصارات، كأنما غاب عنه ان الروس لم يأتوا إلى سوريا لانقاذه فقط، وانما أيضاً لمصالحهم. وانه عندما يتصلب بمواقفه كأنه يتصلب ضد المصالح الروسية، بل نسي هذا الدكتاتور ان بوتين تعامل مع سوريا كورقة (تماماً كما تعامل آل الأسد مع لبنان على امتداد أربعين عاماً) فالتاريخ يكرر نفسه. لكن الآن بطريقة ميلو- تراجيدية. وكذلك ايران؟ فهذه الأخيرة قد تكون هي التي ورطته في كل هذا المآسي والحروب لكي تضعفه وتمسك هي بورقة سوريا ليس كوصاية أو لعبة سياسية فقط، بل لتتمكن من حكمها، كولاية من ولايات إيران. (وهذا ما صرّح به مراراً العديد من الرموز الفارسية). وقد اُستُخدمت سوريا كمنصة لتقسيمها، او للاعتداء على العالم العربي والخليج... فسوريا منصة إيرانية كما يحاول حزب الله أن يجعل من لبنان، أو من اليمن، أو البحرين، أو العراق: وتحديداً تنفيذ مخططه الصهيوني الهلال الشيعي لتدمير الأمة العربية والاسلامية الأكثرية، لتكون هذه البلدان خاضعة لهيمنة السلطانية لتستعيد بها عظمة الفرس الذين هزمهم العرب شر هزيمة وكذلك صدام حسين قبل التآمر الأميركي البوشي والإيراني على العراق.
[..واسرائيل
أما دعم اسرائيل آل الأسد فيصب في هذا الاتجاه ايضاً. استخدام النظام السوري كرديف لتمزيق القضية الفلسطينية (وهذا ما فعله في تل الزعتر وحرب المخيمات والشمال وصولاً إلى تصفية المقاومة الفلسطينية ورديفها المقاومة الوطنية) والامساك بقرار الحرب والسلم في جنوب لبنان وفي كل لبنان. وهذا بالذات ما جعل اسرائيل تولي آل الأسد ثقتها الكبيرة والأهم عرقلة كل حل ممكن لإقامة دولة فلسطينية مستقلة سيادية. ونظن أن نموذج الجولان هو المثل المحتذى: فآل الأسد سلموا الجولان لإسرائيل مقابل لبنان، والورقة الفلسطينية المنتزعة من أيدي اصحابها. فاذا كان الجولان قد هُوّد تحت حماية النظام السوري فلِمَ لا يُسورَن لبنان بغطاء اسرائيلي: احتلال الجولان بغطاء البعث واحتلال لبنان بغطاء اسرائيل. وهذا ينسحب على فلسطين: فلمَ لا تبقى فلسطين تحت الاحتلال الاسرائيلي اذا كانت ورقتها في أيدي الإيرانيين والسوريين كما تحاول اسرائيل احتلال الضفة الغربية بمستوطناتها تحت غطاء الدولتين الممانعتين؟
انها اللعبة التي دارت فصولها في سوريا (وقبلها في العراق ولبنان) لكن بوتين، بتدخله العسكري الذي أخل بالتوازنات الميدانية، وانقذ الأسد من سقوط مدوٍ ها هو ينسحب: اخذ الورقتين الأسدية والخامنئية وفاوض بهما ونغّص على نظام الملالي انتصارات مكسورة وعرقل مشروعه المذهبي. فإيران اليوم معزولة كما لم تعزل من قبل. فهل تعارض الخطة الروسية وتخربط كل حل بين المعارضة والنظام في جنيف (كما فعلت مع الفلسطينيين واسرائيل بطلب من هذه الأخيرة) ثم تعمد إلى تصعيد إرهابها وعملياتها التخريبية لتعطل مفاعيل الانسحاب الروسي، وتأثيره على المفاوضات الجارية؟ لكن هذا يعيدها إلى المربعات الأولى قبل دخول الجيش الروسي أي مربعات العجز عن تحقيق انتصار (ولو بالرافد الداعشي الميداني) أو منع سقوط الأسد. فالأسد لوتو إيران واسرائيل كنزها، فهل ترمي ورقة اللوتو بالبحر لأن أرقامها خاسرة، أو تلوذ بإسرائيل التي لم تعد قادرة على تجاوز نفسها في دعم النظام السوري؟ ذلك ان التنسيق الأميركي الروسي، يعني تنسيقاً بين حليفيها. فهل ترفع التحدي او تركب المغامرة، أو تمخر في الجنون؟ فحزبها الأثيري واداتها المطيعة حزب الله غارق حتى أذنيه في الخسائر والهزائم خصوصاً وانه وسع مشاريعه التخريبية من لبنان إلى العالم العربي الإسلامي الأكثري، فإلى دول أجنبية أخرى لينسحب ذلك على مشاركته الإرهابية في 11 أيلول عام 2006 بالتنسيق مع القاعدة: كل هذا يطرح أسئلة جديدة: وماذا عن لبنان؟ فبعدما أمعن حزب إيران في تهديم الكيان اللبناني والدولة والمؤسسات والاقتصاد، وما حقق من محاولة عزل لبنان عن أرومته العربية فها هو معزول لبنانياً من أكثرية اللبنانيين وعربياً ودولياً. وعزلته من عزلة أربابه الإيرانيين. فهل يُقدِم الحزب على مراجعة لحساباته ومخططاته التخريبية والإرهابية ويعود بالشباب اللبناني الذي نذر أرواحهم كرمى للمرشد الفارسي، بعدما انتفى دوره في سوريا وبات أداة بلا فاعلية أو قوة فائضة لا لزوم لها؟
هذه هي بعض الأسئلة التي تنتظر أجوبة من خلال تداعيات الأحداث في لبنان وسوريا.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00