يبدأ عبدالإله بلقزيز بالكتابة كمساحة أخيرة، أو كحدود خاصة، أو كهواء ملتبس، أو كمتعة متمنّعة، تسبق ما فيها ومن فيها، وتهجس فيما لا تهجس، وتقول ما يقال وثم ما لا يقال، ما يُشفي وما يمسح الجذور بالماء، أو الجروح بالطيب، وبالملح. من سعادة الكتابة إلى شقائها. من تأكيدها إلى نفيها. حقيقة تنقض نفسها لما يؤكدها، تؤكد بما يواربها، تمتع بما ينتج من مغالق، وكوامن، وكمائن في الجسد، والداخل، والروح، والماضي، وما لا يسترجعه، والحاضر بما لا يعزز. لعبة الكتابة هي لعبة البدايات وكذلك لعبة النهايات. فلنقل أنها أدوات بحث عن الهويات المتراكمة، أو المستبقة، أو المتضاربة أو المتحولة: أوليست كل كتابة سيرة. هنا السيرة، مساكن مهجورة، بمواصفات محظورة، أو فائضة، أو خبيئة. عبدالإله، يُعد سيرة فتعرج إلى تاريخ من غوائله أن يفتح ما انطوى، ثم يطوي ما انفتح. لكنها في الحالين، سباق إلى الخوف، مباراة بين الذاكرة والمتخيل، بين الحميمي والشائع، بين الطفولة وأسبابها، والكهولة ولوازمها. كل سيرة هي بحث في الأولويات المتشابكة، في الهويات. والكاتب بلقزيز موسوس بالهويات. فالطفولة نفسها هوية أو مجموع مواصفات، تبقى ولا تبقى كالأشباح. والأفكار. ومن قال أن الطفولة ليست فكرة. تصير أفكاراً مع تنائيها، بلا تصفّ، ولا إفراز، بحيث تلتبس بالزمن، وبالوجوه. والطفولة فقدان، وعند عبدالإله فقدان مضاعف. لا أب. أو أم. بل ما يعوض عنهما: الجدة، الأخت... الحنان كأنما حقيقة الطفولة، وردم العُزلة، والخسران. لكنها تبقى جرحاً. الطفولة جرح في بدن النسيان. جرح لا يلتئم، يبحث عن بدائل، على امتداد التاريخ. وهنا بالذات، يأتي السؤال الكبير، وتتزاحم الأسئلة: نتذكر ما ملك إيماننا وتضيع البقية في زحمة الزمن... مساحة النسيان أوسع من حديقة المحفوظ. ذلك أن كل محفوظ بديدٌ ما. فتيت ما تمسحه اليدان، ولا الكتابة، ولا الإمعان في تحفير الذات. مكامن الصورة تلهب الحنين غيرما تستعيد من غير نوافل. لكنها النوافل النوافل، ما يتبقى على سطوح التذكر. والتذكر بعثرة الخروج منه. ولميم ما ينضحه. والسيرة وهي ناقصة بعزتها عند بلقزيز. ومفلتة بحدائقها المُسيّجة... تلتبس بالروائح، وبالألوان، والموسيقى، والأصوات، وعلى امتداد دروب يأنسها ما ينافرها، وينافرها ما يلازم حواسها، ووحشها، ورفيفها، وشوكها ومسارها في رحلتها الباحثة بعناء المستقى منها، والموفور عليها، لكي يجد ولا يجد، وما يتجاوز وما يتكرر وجدت يومي مثل أمسي خالياً مني ومن روائح المكان. أتعثر في مشيتي كمن يحبو على قارعة الطفولة. يسير ولا يسير. يتسكع ولا يتسكع. يقف ولا يتوقف. يتوقف كيف يصفو ما لا يصفو منه. لكنه وهم. أوزع الزمان على أصابعي كما أوزع الأدوار على أوهامي. وهمٌ وسلام. في قصيدة بقافية أو بلا قافية. نزول إلى حيث تصطدم الأمكنة بالأمكنة. والأزمنة بالأزمنة... تصل ثم لا تصل. تنزل وكأنك تصعد. تصعد نزولاً، أو تنزل صعوداً. فلا صعود ولا نزول: إنها الحركة المنفية، في ارتطامها بالجسد، وعوامله، وبالعافية وشحيحها... على الجسد بصمات أمل، والجينات، أي القدر. قدر الدم ومراتبه، وأصنافه... رحلة الخروج هي رحلة الدخول. الخروج من الطفولة وقوع في الطفولة. الخروج من جينات الانساب سقوط من أشجارها، لكن ارتداد إليها، بما تيسر من فقدان، وإرهاق، وملاذات، إنه الوعي السعيد! وأي سعادة في وعي قعره لا يدركه الحبر، ولا الأصابع، ولا العيون، من عمق الهاوية... كأنها سياحة الكتابة في معقولها. في هوياتها المتقادمة. في شهوائها المفقودة: وجدت في المتنبي شهيتي(...) ما أصعب وطأة الشعر في أول الوصال. ولماذا ليس في آخر الوصال، هذا صحيح إن في الشعر وصالاً كأنما الحقائق، ومنتجعات الحركة، نسبي عن الطريق. من متاع هش. لكن من أحوال هي على شقائها تبذر المتعة. وكل متعة في أوارها نزف الزمن. والجسد. والموت. والخلاء. وسكان الترحل، والإقامة. بل كأنما يمر ولا يمر، هو الموت. فهل يجد ما فيه على امتداد صحواته أو مناماته؟ يرفع المعري في الهُجاس حين أقرأ يأسه في فنجان الحساء.
إنه المسار وتكوّن ما يبقى ولا يبقى، هويات النوازع تصنع هويات التظنن. التظنن وسواسي: يمرضني ويشفيني، قليله تطهير من اليقين. اليقين هوية الموتى. سكون الأعمدة. والتظنن منقلباتها وتحولاتها. نفي المطلق. والحقائق. والثبات. وترف سعادات الخلاء!
في هذه الشرائط المتتابعة المتدفقة، يعبر عبدالإله بلقزيز مسارات طويلة، يجدها ولا يجدها. إنها من مصنف المتواريات باستدامة؛ بل فلنقل الأثر: ما يتبقى على الأصابع من روائح المزمن في الزمن غير المزمن. ما يعلل وجوهاً، ونصوصاً، وأسماء، بقيت أنصافها في العتمة. كأنه الماضي في مصنعه الصاهر، يؤلف حقائق منقوضة.
إنه المسافر في الزمن. بلقزيز ركب عربة الزمن، مستعيدها من حطامها، ليمتطي صهوة مترجرجة، يمسكها الكلام هنا، وتفلت منه هناك إلى القادم ارتحلت. لكن أي قادم يستقل عربة السابق. وأي وصول متقطع السبل، والأسباب. فالقادم من أثر ما انتهره في عواهنه ونوازعه، ووساوسه. كأنه القلب لمحط والقافلة المنتظرة، ومستعيد المعنى المسروق، والمحمول إلى البعيد: المعلوم يفضي إلى المجهول. تناهش المرئي ومربعاته الخادعة، والسياسة، في مراعيها البائرة، ليودعها. كل لقاء ثناء. وكل دهشة في الباهر. ولا يد إلى المسلول بدونكيشوتية الخيول والسياحة، والهروب، والوصال. وهنا بالذات مرامي الضعف. المحطات السائبة. المهجورة، ومن آثارها لميم، يخترق صلابة التظنن، واسمنت اليقين. شريط الحب هنا إلى عينيها، الواحدة ثم الأكثر، وكالشباب، لا يستثمر غير المحبين، لكن من ركام ما يُغري، وما يستعذب. إنها رحلة دانتي إلى طبقات الدينونة: السماء، المطهر، والجحيم. لكن كل هذه الطبقات ليست سوى واحدة. بلا فكاك. ولا انتهاز. ولا بقية سوى ما يفترض الظن، ويمسحه الحنين. المرأة الأمل. المرأة الخلاص. لكن بلقزيز وجدها في طفولة. وجد المرأة في جدته. وشقيقته. كما وجدها في عشقه. هنا بالذات يتشابه الكلام، بين كل النساء. بل تتشابه المسميات، والكلام، والترداد، والمواصفات. المرأة الأولى الجدة، تمتد إلى كل النساء، وكأنها المثال المفقود الذي يبحث عنه. إنها البركة القديمة التي تمسح أيامه بزيت الحنان، يراها ولا يراها في نسائه، يفتقدها على قدر ما لا ينساها. أو الأحرى يحاول نسيانها كل يوم أو الأحرى يحاول تذكرها كل يوم. فالحب ذكرى منذ اللمسة الأولى. ذكرى الطفولة، ومحفوظاتها، ومشتقاتها، وما عزّ فيها، وما تناثر.
إنها المعاني بامتياز. السيرة معنى. والجدة معنى. والشعر معنى. والموت معنى. لأنها سؤال. وكل سؤال في طبائعه وعاداته ومعدنه ليس أحادياً. يخصب في المَحْل. ويُمحل في الخصب: المعنى متعدد في الواحد. والمتعدد هنا مكمن نفيه. ونفيه إغراء وجوده. ولهذا، نرى أن بلقزيز يفكك هذا المعنى، بمفاعيله، وآثاره، ومواده، لكي يقع في النهاية، على ما هو ليس معنى لا حقيقة ولا حقائق.
عندما تنفي الحقيقة نفسها لا تنجب حقائق. وعندما يتعدد المعنى، يتكر لنفسه. إنه القلق بعينه. أو الشطط العقلي، أو هذيان الحواس، أو فيض المشاعر. بل عندما يصبح صناعة يقع في الهشاشة. المعنى لا يُصنع، بل هو المعيش. هذا ما يستنفره بلقزيز في تجواله على ظواهره، ومنقلباته، وشدائده، وسعاداته. المعنى المفقود سر الغامض في الغامض. التشويق الذي لا يروي ولا يرتوي. فلا العقل ملاذه. ولا السجية. ولا الغرائز. ولا الرؤى. ولا اللغة. لا شيء ليستوعب حدوده السائبة: المعنى لعبة عصية على الكبير الذي صرته. لعبة المعاني هي حلبة بلا لاعبين، ولا ملاكمين، ولا سباق، ولا وصول: إشارات تضيء وتنطفئ لتنطفئ فتضيء. لعبة الزمن. ليس لكبيره أن يفككه ليدرك سره، ولا لصغيره أن يعابثه ليلتقط خفته: سينهار المعنى بعد برهة. على عتبة بلا أبواب. أو على أبواب بلا عتبات. ولهذا نجد بلقزيز يتحول إلى مجاري إيقاعات المعنى. يستنسبها. يستلذ حدودها. يستعذب شقاءه في عجزه. ويستمتع عجزه في سرها. يتحول لكي لا يتحول. وما التحول في مساراته سوى استدراك التاريخ المبهم. وهنا نستذكر النفري، في تساؤلاته، وأبا حيان في إشراقاته... والسورياليين في غضبهم المعلب، والرومانطيقيين في مثالياتهم الزجاجية، وأفلاطون في كهفه وكامو في سقطته، والمعري في نفوره... وهكذا يقول بلقزيز المعنى كائن حي: يولد وينمو ويشيخ ويذبل، المعنى بلا صاحبه: في العنفوان، وحين، في النهاية، يأفل. الأفول. لكن يعني ذلك أن المعنى عاقر، وعقوق، كائناً وشبحاً. حتى عند الصوفيين، يمشي بلا قدمين، أو من يخرج المعنى من اللامعنى يعيد إلى الطبيعة حقها في العبث بالطبيعتين. ولماذا لا يخرج اللامعنى من المعنى. وما الفارق، ما دام الخروج أفولاً.
وقد عمد بلقزيز إلى وضع المعنى كجواب هنا، أو كشطط هناك. فلا هو جواب، ولا شطط، ولا سؤال بالمعنى الفلسفي، أو الذهني، أو الديكارتي، أو الينشوي. العالم كله مكان خال من المعاني. هو جزء من تواطؤ المجتمعات على تكون آلياتها، على مسارات عيشها، وخيباتها... الخوف صنع المعنى الإلهي، والسلام الاجتماعي والحب، والكراهية، والحروب. ومن قال أن ليس للحروب معانيها. وللدين معانيه. وللفلسفة. واللاعقلانية. لكنها معان مصنوعة على هامش الكائن، تخضع لتبدلاتها الوضعية والفكرية، أحياناً على حساب الكائن، وأخرى على حساب نفسها.
وهنا تحديداً يعبر بلقزيز عن سبيله الصعب.. وعن جهله ذاته كأنما طليقان يتبادلان التحية. غربة؟ أم تغريب؟ على الطريقة البرشتية، أم استلاب؟ إنه الخوف، وراء كل ذلك: سلاماً أيها الخوف. الخوف الذي رافقه. من كائنه المجهول، ومما يعتمل فيه، وحوله، منذ الطفولة إلى آخر العمر. وقد عبر عن ذلك في هذه المونودراما الجميلة، المرة، الملتبسة، الجارية بلا جري، والساكنة بلا سكنات. الغربة عن نفس خوف من النفس أم من الغربة؟ لكن أين المفر؟ أنها القوقعة القارعة بين الغرف، وعلى الدروب. أطلب البعيد.
الخروج، الهجرة إلى الكتب، أم التاريخ، أم السياسة؟ السياسة بدعة، أم إليك المقيمة على الحدود بين الألفاظ ومعانيها، أم أهلي: أهل الله من دون زاوية وشيخ؟: أهلي جياد تعدو في طريق الله، لكنها كثيراً، ما تكبو حين يشتد السواد... لكن الأولويات المنشطرة على مراتبها؟: ينبغي أن تقرأ أكثر حتى ينزف البياض قليل من الهواء، فلا يحسبوا أن رصيدك قد جف... أهنا للتذكر وللماضي والحنين أمكنة... في أرذل العمر، في نضوج التناقضات، وتشوش الأولويات، ونفاد الوقت والحاضر والمستقبل؟
فمن وجدت، وسبيلي فإلى البحث حتى الآن ركام تاريخ، وتذكر، ومراوحة بين المعنى والفكرة والدلالة والنص، وتداخل السرد والخطاب، والصرخة، والمرارة، ونظن أن كل ذلك لم يكن سوى مجرد بحث ضروري بلا طائل. أو فلنقل جرح البحث أو نزفه داخل الزمن، والعمر والخيبات، والغربة. فإلى مَ يؤدي بحث مشهور على يافطات بلقزيز: هنا عن الأثر، عندما نفد ما في الأيدي وما في الروح، وحتى ما في الذاكرة. فالذاكرة محدودة والبحث لا نهائي، الذاكرة حمالة أوقات، والبحث يصبح أحياناً بلا زمن. هو تجريد الزمن من زمنيته. والتذكر من مخابئه، والصوت من عروقه. العري المطلق أمام الحقائق المتبدلة. الحصان المنهك أمام المساحات المتحركة. بحثت في دمي عن ملامح أهلي فوجدت في الميراث غير ما تركوه على قارعة الرحيل. وبرغم من أن البحث مصوب إليك (بحثت عنك)، فإنه يتحرك في ضباب كثيف، وفي تعلات مسنونة، وفي رحاب مشدودة إلى غموضها، الغامض أفق حامض في الطريق إلى البعيد، مستودعات للمبهمات، ولهذا يرى إلى الواقع اللامرئي، غير المنظور، غير المحسوس، غير الممسوس... وهنا بالذات يسترسل بلقزيز (صفحة 62-63) في تداعيات مونولوغية شعرية، فيها من الجماليات ما يُبرد كثافة الأشياء وأثقالها... وهنا أيضاً يلتبس الخيالي بالواقعي، والملموس باللامرئي: تشوش البدن والفكر وطيش المرساة... بحث في كل ما امتلكت يده ومخازن نفسه، وأفكاره، ومسيرته، ليغلب عليه شعور الخيبة وانتحيت في الغرفة أبني عش عوالمي مثلما شئت... لينتقل إلى الشعر والقوافي وعن سر القصيدة، ليسرع في التوقف عند مفاهيم في البلاغة وأنماطها. لكن أي بلاغة! خزينة القلب أم في الخيال، أم في اللغة، أم في الألفة؟
ونظن ان عبدالاله بلقزيز في رحلته الدائرية هذه، وفي اكتشافاته ما في الكائن، من خلال استنزاف التاريخ بالكلام، أو بالسيرة، او بما يجمعهما، وينقصهما، كأنه وقع، في بحثه على هوياته الكُثرى، منذ الطفولة وحتى أرذل العمر، ان الهويات المتراكمة ـ الرائدة في القعر، هي ما كان ليس الى البحث عنها من العائلة: والعائلة هوية. والى امكنته، والأمكنة هوية، والى الأهل، والأهل هوية، وإلى الوصول وجدت ان...، والوصول هوية، ثم الى التمرد والتمرد هوية، ثم إلى القبول، والقبول، والاستلاب، والغربة، والشعر والأفكار، والقراءة، واليقين وعدمه، والحقائق ويومياتها.. والعشق ومفاهيمه والبحث ومطاياه.. انها هويات تتكدس، في الوعي اللاوعي، ثم يأتي من يحركها، فتطفو كما تطفو المنامات، هشيماً هنا، وجروحاً، وإحباطاً، وخوفاً، وتردداً. ها هو بلقزيز في مواجهته مراياه المدببة على صفاء، والمهمشمة على كسور، يجمع من لمامها، ومن أطرافها، ومن ملامحها الهشة ما يكون كلامه، انه على صهوة الكلام يعبر هذه المنامات بدونيكشوتية المغامر سابر الاغوار، ومحرك السادر، ومخلخل اليقين، والحقائق، وما يستتبعها من ارثها، وقوالبها، وعوالمها، واشتاتها.
وخاض هذه المشقات، بكتابة شاقة، ليس له معين فيها غير تفكيكها الى امتدادات هنا، او شذرات هناك، أو التماعات، او تأملات، أو تفكير، أو تفلسف، أو نثر، أو إشراقيته، أو نص وتلاوينه، أو شعر وغريمه. الكتابة هنا على مستويات عدة، اي على حالات عدة... أو على تجاذبات عدة. انه نص التجاذبات والعودات الابدية، والتكرار الذي يمتّن ايقاع الكلام، ولا يجمده، أو يفرغه من طلاوته، ومن تلاوينه.
امتدادات غنائية مصفاة حتى الصمت المبكر، خصوصاً بحثت عنك. هنا، كمن يتسلق قمة وبعينين نقيتين يستعرض شرائط عمره، ومحطاته، وتداخلها في حواسه ونفسه. هنا، وفي أمكنة أخرى، يلعب بلقزيز على احتمالات الكلام، ليردم المسافة بين ما هو متقادم وحديث. وصال الينابيع. لقاء الهواء بالهواء. لعب ما هو خطر في الاستخدامات والألفاظ، عندما اشتفها، واشتفّها وانتزعها من مخزوناتها الالفية، ليبني بها نصه الجديد، نزعها من عتمتها، ليضيء بها مشاعره، وافكاره المتوالية، والمتعاقبة، انه يطرب اللغة، يطرب المفردات، بطيوبها، وشميمها القديم، وبذاكرتها الخجلى، ليصهرها في نص، يكسر كثيراً من تابوهات السير الذاتية، ومن مراجعة الذات ومن الوعي القاسي، والتذكر المليء.
وأظن ان نص بلقزيز ليس سيرة كما السير، السردية الملول التي تفوح منها النرجسية المتخيلة عن الذات. انه لا يصنع له تاريخاً جديداً في سيرته، ولا قسمات مقولبة، ولا يعيد انتاج كليشيهات... بل هو اقرب الى تقديم ذاته عارية، عارية، بلا ماكياج، ولا تجميل، ولا اكسسوارات ولا أقنعة، ولا متخيلات. لم يكتب بلقزيز هذه السيرة طمعاً بإعجاب ما هو سائد.. بل كان كلامه هو محاولة كشف الذات من كل اطرافها وكواهلها وزواياها.. بل انه في بعضها محاسبة الذات. ولهذا يمكن ان تكون هذه السيرة اعترافاً حميماً لا تنكراً، ولا تملصاً، ولا تبريراً، وهذا بالذات ما يجعلها شفافة ومؤثرة وقريبة من صبابة القلب، والغاز الفكر، وغموض ما في داخلنا، ومواجع ضعفنا، ومراتب عجزنا، ومرارة خيباتنا.. وألفة جروحنا. في عمق هذا النص شعر ونثر.. ونثر وكثير، لكن الاثنين يذوبان في نشيد غنائي طويل.
[ مقدمة الكتاب الذي صدر عن دار منتدى المعارف في بيروت.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.