8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لبنان يكون عربياً أو لا يكون

ما ارتكبه الوزير جبران باسيل بخروجه على الإجماع العربي سبق أن فعله ميشال عون وحزب الله و8 آذار على امتداد سنوات. فالمسألة لا هي جديدة، ولا هي مجهولة الهدف. وما وجود حزب سليماني محارباً في سوريا والبحرين واليمن والعراق.... ولبنان، سوى التعبير الدال على ان جمهورية الفرس ورثت دور اسرائيل ومخططاتها في زرع الفتن في بلاد العرب وفي ساحات الاسلام الأكثري وتفكيك دولتها وتقسيم أرضها وتدمير مدنها وتخريب حضارتها وتاريخها. وما نقول اليوم عن ايران سبق ان قيل عن اسرائيل على امتداد مئة عام. الدولة العبرية فشلت في قيام اسرائيلها الكبرى لكنها سلمت الراية ذاتها إلى حليفتها الخالدة ايران تحت مسمى لا يختلف في عنصريته ومذهبيته عن اهداف اسرائيل الهلال الشيعي والذي يعني في جوهره ان أميركا (بوش ثم أوباما) واسرائيل وايران الملالي وضعت كلها العرب والعروبة والاسلام السني الأكثري في عين العاصفة.
فكل ما يمت إلى هذين العنصرين مستهدف ضمن مناخ ارهابي فكري واعلامي وسياسي وحضاري وثقافي... وعسكري. أبلسة العرب في تاريخهم من الجاهلية حتى الاسلام... ومن يقارن تصريحات بعض القيادات الاسرائيلية عن العرب: حشرات يجب سحقها بتصريحات حسن نصرالله تنابل وسواه من الفرس رعاة وحفاة وأكلة جراد... يعرف ما وراء هذا الكلام العِرقي.
وبعد محاولة استيعاب لبنان العربي ثم تدمير سوريا قلب العروبة النابض وتخريب اليمن الأخضر وتهديد البحرين ذات التنوع الثقافي والفكري وتسليم الأميركيين العراق لإيران لقمة سائغة... كأنما جاء دور المملكة العربية السعودية ذات الانتماء المركزي المزدوج: الاسلام والعروبة. وهكذا تحاول ايران (عبر عملائها: حزب سليماني و8 آذار) واسرائيل ان تفعل في هذا البلد الشقيق ما فعلته في بلاد الاشقاء الآخرين... فحزب الله يحمل كل المواصفات والممارسات العدوانية الإيرانية على كل ما هو عربي. ولأن السعودية ما زالت متماسكة فها هو بتكليف من الولي الفقيه (أو الشيطان الأكبر) يمعن في تكثيف الهجوم عليها وابتذالها وشيطنتها وشتمها وتهديد من يساندها او تسانده. ذلك ان الحزب يمثل أقصى الانعزالية بالنسبة للعلاقات العربية. حزب انعزالي، كانتوني، مذهبي، عنصري، يريد أن يقيم جدراناً مثل أسوار الصين والستار السوياتي الحديد وجدار اسرائيل بين لبنان والعالم العربي لاستفراده واستفراسه واضعاف وحدته وضرب وشائجه العروبية والتاريخية بالعرب وبالمملكة. فتصريح باسيل ليس سوى رأس جبل الجليد علامة من علامات كثيرة ولحظة من زمن طويل. ونظن ان لا 14 آذار ولا أكثرية اللبنانيين راضية عن هذا الوزير لا في موقفه الأخير ولا في وجوده في الحكومات السابقة. يعني ذلك ان تصريح باسيل هو جزء من مخططات حزب الله وإيران في محاولة دق اسفين بين الشعب اللبناني والعرب وخصوصاً السعودية. أي إعادة لبنان إلى مواويل الانعزالية التي سادت أيام الميليشيات المذهبية السابقة. فلبنان، بالنسبة إلى باسيل يجب أن يكون إيرانياً بانتسابه، وبانتمائه وبدولته وجيشه وبحكوماته ونوابه واقتصاده وسلاحه وبمواقفه أي الانفصال عن أرومته العربية وتبني مخططات حسن نصرالله المُنزلة عليه من لَدُن الولي الفقيه. ونظن ان مجمل مواقف تابعناها لحزب الشيطان الالهي تُجسد هذه النيات التي باتت معروفة ومكشوفة: فتعطيل الانتخاب الرئاسي جزء من تعطيل لبنان العربي؛ بل ان وجود رئيس جمهورية بات يعني بالنسبة إلى هؤلاء وجوداً عربياً. حتى ان مسار الحكومة الراهنة والسابقة يعني بالنسبة إلى حزب ايران استمراراً للعروبة بل ان تنامي الجيش اللبناني واسترداد عافيته وحضوره يعني استرداد العروبة المصادرة من ميليشيات الكانتون الفارسي. أكثر: بل ان وجود هذا الكانتون نفسه ليس سوى خروج على السيادة والاستقلال والاجماع اللبناني- والعربي بل ان حزب الله الذي عقد مع اسرائيل سِلماً شبيهاً بما عقده حافظ الأسد مع الدولة العبرية، أي سلم يخبئ بنوداً سرية تقضي بتحييده التام في مواجهة اسرائيل وتوجيهه ضد لبنان والعرب...
على هذا الأساس. كأنما سلاح الحزب بات يشبه السلاح الاسرائيلي سواء في دوره في فلسطين أو في الجولان، وغزه والضفة العربية، سلاحاً استيطانياً يرى في اللبنانيين والعرب ودولهم وأرضهم ساحة مستباحة ومنتهكة. واذا كانت اسرائيل حاولت في السابق وما زالت زرع الفتن في لبنان وتدمير اقتصاده وتقسيمه فقد تولى الحزب هذه المهمة النبيلة عنها في تنسيق باطني بين ايران واسرائيل. واذا كانت بلاد حزب الله أي لبنان قد وضعت في سياق الالغاء والتهميش والتخريب والتقسيم والالحاق فما بالك بالسعودية؟ فهي فريسة اثمن بكثير من لبنان.
[حزب السلاح
ولهذا، فحزب ايران حامل السلاح الملتبس يُطِّبق على السعودية في اعلامه ومواقفه ولغته السفيهة واشكال فوبياه العربية ما سبق ان طبقه في لبنان وسوريا واليمن ومصر والكويت والبحرين والعراق. فحيثما هناك عرب وعروبة ومسلمون سنة، نجد حزب الله (مكلفاً تكليفاً شرعياً والهياً من شيطانها الأكبر) يمارس جنونه وعدائيته ويعبّر عن مخططاته التخريبية... بل أكثر: حيثما هناك عرب فإيران موجودة لتكمل ما بدأه الكيان الصهيوني. وتشبه علاقة حزب الله (وايران) بإسرائيل، المسلسلات التلفزيونية بحلقاتها المتوالية والمتتابعة: مسلسل أميركي صهيوني إيراني متكامل السيناريو والحوار والمشاهد والإخراج.
من هنا بالذات، لا تختلف تصريحات حزب الله عن تصريحات بعض القياديين الاسرائيليين حول العرب والاسلام.
واذا كان الاسلام مستهدفاً اليوم بعقيدته الأكثرية وعروبته ووضعه في مراتب الإرهاب، دون سواه، فهذا يعبر عن أصفى نيات طهران العنصرية. نظام عنصري رجعي، قمعي، مجرم، فاسد، يدمغ بالإرهاب مليار مسلم وعربي. هذا ما عملت عليه أميركا في قياداتها المتعاقبة: فتسلم حزب البعث الأسدي ذي القيادة المذهبية سوريا بعد الانقلاب في السبعينات، ليحكم أكثرية سنية (80 في المئة من نسبة السكان)، كان أول الغيث (تماماً كما حصل في فلسطين عندما احتلت إسرائيل كأقلية هذا البلد وتحكمه بقوة السلاح). وعندما أسقط بوش أول نظام عربي سني منذ ألف عام في العراق وأهداه إلى إيران، فذلك أيضاً علامة أخرى. وعندما كوفئ النظام الأسدي (بعد تسليمه الجولان لإسرائيل كصفقة)، بتصفية المقاومة الفلسطينية، بالسيطرة على لبنان، فهذه أيضاً إشارة مضافة. ونظن أن من يريد أن يدرس المراحل التي مهدت للوضع الحالي، فعليه أن يتوقف عند هذه المحطات. والغريب أن حسن نصرالله تكلم طويلاً (بلسان إيران طبعاً)، مؤخراً في متلفزاته التي باتت مملة، عن علاقة المملكة بإسرائيل وتآمرها ضد فلسطين: غريب! كأنه يقذف المملكة بكل ما فيه وما يفعله ويفكره: ونسأل السيد حسن من صفّى المقاومة الفلسطينية في لبنان؟ من صفى المقاومة الوطنية؟ من كان وراء معارك تل الزعتر (طبعاً سوريا وإسرائيل)، وحرب المخيمات (طبعاً سوريا وإسرائيل)، وترحيل عرفات من طرابلس؟ (طبعاً سوريا وإسرائيل)، وهذا معروف يا سيد العارفين. فليست السعودية هي التي ارتكبت هذه الجرائم بحق الفلسطينيين والعرب... بل حليفك يا سيد حسن... وأنتم أكملتم المشوار في غزة والضفة عندما دُبجت في قم إيران (وراءها إسرائيل) خطب تخوين رمز القضية الفلسطينية ياسر عرفات. ومن دمّر مخيم اليرموك يا سيد حسن: السعودية؟ الإمارات؟ الجزائر؟ تونس؟ بل حليفك ووراءه أنتم المرتبطين بإيران وطبعاً إسرائيل الساهرة على تنفيذ مخططاتها بأيديكم الملوثة بالعار والدم والتي صرح بعض قيادييها ان سقوط الأسد كارثة على اسرائيل!
[السعودية
أما رد فعل السعودية على خيانة باسيل العروبية، وكذلك لبنان، فجاءت بعد تحمّل وصبر طويلين، حتى بدا لها أن لبنان بات إيرانياً، لا عربياً ولا لبنانياً، في حكومته، وفي مواقفه. أكبر من عتب. فـحزب الله إيراني بقضه وقضيضه وعضيضه. والمملكة دولة عربية، نشأت بينها وبين شقيقها الأصغر لبنان علاقات تاريخية، كأن هذا الأخير تحوّل إلى الوطن الثاني لشعبها. ساعدته في ملماته، ككل، غير مميزة بين لون ولون وبين حزب وحزب وبين طائفة وطائفة، دعمت دولته لتستمر في الصمود أمام دويلة إيران، عوّمت اقتصاده في اللحظات القاسية، ساهمت في إعمار مدنه وقراه بعد حرب تموز التي غامر بها الحزب بكل لبنان وأرضه وناسه كرمى للتكليف الفارسي، وأخيراً لا آخراً أن السعودية وبلدان الخليج كأنها الملاذ الأخير لمئات ألوف اللبنانيين الذين يشتغلون فيها، ويرسلون تحويلات مالية إلى أهاليهم بمليارات الدولارات. وأخيراً جاءت الهبة السعودية للجيش لتعزيزه، وجعله حامياً للدولة والحدود والناس؛ وهذا بالذات ما أفقد حزب الملالي عقله. أتعملون على تقوية الجيش، يعني أنها مؤامرة على المقاومة (لا رحمة عليها)، وتهديد للوصاية الإيرانية. وبدأ العزف الكانتوني من الإعلام الكانتوني، ليبث الدسائس، ويشكك بالهبة، ويرميها بكل ما يملك من نعوت وصفات. فالهبة تخدم إسرائيل. وراح بكل جوارحه يسعى إلى مهاجمة السعودية، لدورها عبر عاصفة الحزم وكذلك في سوريا ولبنان والبحرين، إلى أن وصل به الأمر إلى تجاوز كل خط أحمر، وكل حدود في مهاجمة المملكة، خصوصاً موقف باسيل في اختراقه الإجماع العربي والمرتبط بالمملكة نفسها! هنا طفح كيل المملكة، وكان ردها المباشر والفوري، وقف مفعول الهبة للجيش، ثم منع رعاياها من المجيء إلى لبنان، وهذا ما فعلته دول مجلس التعاون الخليجي. عال! ترحرح حسن نصرالله واطمأن، واغتبط وكأنه فهم أن موقف السعودية هو تخل عن لبنان، وعن شعبه، وعن نضاله ضد هيمنة الكانتون. أوليس هذا ما ارتضته إيران: اقتلاع لبنان من أرومته العروبية والإسلامية، لتفترسه لقمة سائغة، وتحوله ولاية من ولاياتها. حتى تخوف اللبنانيون من تصعيد رد الفعل السعودي إلى وجود اللبنانيين العاملين في المملكة والخليج (600 ألف)، لم يؤثر في حزب الله! فهذا من شأنه أن يضيف إلى الخراب الاقتصادي الذي ارتكبه، خراباً أفدح. عال! فالطغاة لا ينجحون إلاّ في مثل هذه الظروف. حتى عشرات ألوف اللبنانيين الشيعة الذين يعملون في الخليج، من ضمن الجاليات اللبنانية، لم يأخذها حسن نصرالله بالحسبان. وهذا طبيعي، ومن قال إن المقاومة صُنعت أصلاً لحماية الشيعة، بل صُنعت لقتلهم وتشريدهم وإذلالهم. فالذي يسوق ألوف الشبان الشيعة إلى المحرقة السورية، واليمنية، ويهدر دماء ثلاثة آلاف منهم، كرمى لإيران، لا نظن أن إخراجهم من السعودية والخليج وكل العالم من همومه لا الخاصة، ولا العامة.
[يقظة اللبنانيين
على هذا الأساس، استفاق اللبنانيون ذات يوم، وظنوا أنهم فعلاً إيرانيون في بلاد الأرز، ومُقتلعون من جذورهم العربية، بل كأنهم حُوّلوا بإرهاب الحزب إلى شعب معاد للسعودية والخليج والعرب. لا! هبوا! لا! نحن عرب: انتماؤنا عربي. أرومتنا عربية. نحن قلب العروبة؛ فلا لبنان موجود من دونها، ولا هي موجودة من دون لبنان. فلا نؤخذن بجريرة العملاء والشعوبيين والقتلة والفرس. نعم! هبوا! ولسنا كلبنانيين، نخون العهود، ونجحد بعدم وفائنا للعرب، والمملكة، مغرباً ومشرقاً وخليجاً...
بل كأن هذه اليقظة الحية، جعلت اللبنانيين يستفتون أنفسهم عبر العريضة التي يتوقع أن تحمل تواقيع مئات ألوف اللبنانيين، لتظهر أن حزب الكانتون، وعلى الرغم من أسلحته، وإرهابه، لا يمثل سوى أقلية الأقلية في لبنان. وما توافد الألوف ومن كل المناطق إلى مراكز توقيع العريضة، وإلى السفارة السعودية، للتعبير عن اشمئزازهم من موقف باسيل، وأربابه من حزب إيران، وإعلان التضامن مع عروبة المملكة، واعترافاً بأفضالها على لبنان، شعباً، ودولة وجيشاً!
من هنا نقول إن اللبنانيين قالوا كلمتهم: لا لإيران! ولا لحزبها العميل. ولا لفرسنة بلادهم. ولا لاعتداءات إيران على الشعب اليمني، والسوري، والعراقي والبحريني!
إنها صرخة وفاء للعروبة أولاً وأخيراً، والتي يعبر عنها العديد من الدول والأحزاب، لا سيما السعودية وبلدان الخليج، في تصديهم للزحف الفارسي على الأرض العربية!
إنها صرخة تقول للسعودية: نحن جوهر العروبة، فلا تتركوا هذه الجوهرة في براثن البربرية الفارسية!

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00