8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الصحافة الفرنسية

كأنما صارت فرنسا اليوم بلاد العجائب والغرائب، بعدما كانت منارة الحرية والديموقراطية والعدالة والمساواة وأفكار ثورتها التي شعت على القرن العشرين. فكأنها باتت على تشرذم تحفيري عمودي باطني لا مجرد تشرذم افقي. وهذا بالذات ما يجعلها هشة اليوم، مترددة، وَجِسة، خائفة، أرهبها حزب ارهابي هو داعش بمجزرتيه المُبينتين المُدانتين، بكل لغة ولسان وفكر وانسانية.
لكن، جزء من هذا الواقع يعود إلى ما أسماه الروائي الكبير هولبيك الخضوع (عنوان روايته الأخيرة) فمن ناحية، ها هي فرنسا متهيبة من ضربتين موجعتين اصابتاها، لتعلن حالة الطوارئ التي ارتفعت أصوات كثيرة ضدها، لأنها تمس أسس الجمهورية وقيمها والحريات الشخصية وصولاً إلى السياسية. ضربتان كادتا تحطان بلاد ديغول أرضاً، لتشده وتفقده ذاكرتها وماضيها وسط انهيار فكري فلسفي لا سابق له، وكذلك في خضم وقوع الجسم السياسي (والثقافي) في ثقافة الخوف ولا سيما في مستنقع العنصرية والكانتونية الدينية والاثنية لتحول كل ما يجري فيها إلى جهة واحدة ضد الاسلام . صحيح اننا ندين ما ارتكبه داعش (وهو لا يوفر لا سوريا ولا العراق ولا لبنان ولا السعودية ولا أي مسلم يعارض جنونه) لكن لا أحد من المكونات الاجتماعية العربية الليبرالية واليسارية والمدنية خلط بين الإسلام كدين وتعاليم وقيم وبين داعش. هناك تنظيم ارهابي اسمه داعش شارك في انجابه النظام السوري وغزو أميركا للعراق وولاية الفقيه وصولاً إلى روسيا بوتين.
ففرنسا ليست وحدها المستهدفة، وليست هي التي قدمت وحدها ضحايا هذا التنظيم؛ فهو حالة شبيهة بالقاعدة وبحزب الشاي في أميركا، وبالمرشحين للرئاسة ترامب وكروز والجبهة الوطنية (لوبان) وبكُتّاب وسياسيين ومفكرين كرئيس الحكومة الس وهنري ليي (الصهيوني العنصري). والفيلسوف فانكافروت والصحافي التافه ايريك زيمور وبروكنر بأفكارهم التقسيمية وتبنيهم حرب الهويات وتنزيههم اسرائيل من جرائمها ليصوّبوا كلهم على الاسلام كتاريخ ونص وكلمة ومفهوم وكدين وكحضارة. فوبيا مرضية معلنة. وكم يبدون جهلاء في أموره ونصوصه.
لكن هؤلاء وسواهم من اعلاميين والذين يرفعون شعار مكافحة الارهاب باتوا يرون كل شيء عربياً واسلامياً بعين واحدة والمتابع للصحافة الفرنسية لا بد من أن يلاحظ ان معظم هؤلاء (أو بعضهم) ومنذ مدة بدأوا يغيرون وجهتهم النقدية واستهدافاتهم وهواجسهم بحيث حذفوا اسم بشار الأسد من لائحة الارهاب بعدما كانوا يصرون على كتابتها بأحرف كبيرة. بل راح بعضهم يطالب الحكومة الفرنسية بالتنسيق مع النظام السوري لمكافحة الارهاب. يا للعجب! ويبررون ذلك بقولهم: ما دمنا تعاونا سابقاً مع ستالين لمواجهة هتلر فلماذا لا نتعاون مع النظام السوري لمواجهة داعش: وقد مهّد النظام السوري لذلك بإدانته مجزرتي داعش في باريس! (رائع)، وبأنه جاهز لتسليم فرنسا وثائق ومعلومات استخبارية تفيدهم في مكافحتهم، لكن لقاء انسحاب القوة الفرنسية من سوريا والموافقة على بقائه في السلطة. جيد! انها سياسة التنكر والخضوع (التي اتبعها اوباما) للارهاب نفسه: ومتى كان الارهاب يُكافح الارهاب؟ او متى كان القاتل يقاضي القاتل؟ ونظن انه من خلال ما استشففنا فان لغة المسؤولين تغيرت! امتثلوا لابتزاز أكبر نظام وحشي في المنتصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم.
[السجاد لروحاني
واستمراراً في تأكيد هذا النمط الجديد في مقاربة فرنسا للنزاعات في الشرق الأوسط (وحتى في افريقيا سابقاً ونتذكر دورها المتواطئ في رواندا الذي أدى إلى مجازر أودت بمليوني روندي) فها هي تفرش السجاد الأحمر للرئيس الإيراني روحاني في زيارته الأخيرة لها. كان حدثاً احتفل به الاعلام الفرنسي وبعض السياسيين. والطريف المؤلم انه خلال زيارة الرئيس الايراني متحف الكابيتول غطى المسؤولون كل المنحوتات العارية لكي لا يجرح عُري هذه الروائع الفنية عيني ذي التُقى والورع. تنازلوا عن ارثهم كُرمى لإيران ولخامنئي الذي اعدم نحو 200 ألف إيراني منهم قُصّر خلال السنوات الماضية. احتفلوا بهذا التيوقراطي الفاشي، كما لم تحتفل الضاحية الجنوبية في لبنان بزيارة الرئيس الأسبق أحمدي نجاد. فاذا كان حزب الله، ذو النزعة الاستبدادية المذهبية، رحب بذلك الرئيس المختل، فلأنه مجرد أجير ومملوك عند دولته ومرشده.
فالحزب المرهون للفرس يقدم فرائض طاعته لرئيس ارهابي موصوف. واذا كان حزب الله هو أصلاً ظاهرة خضوع ايديولوجي مذهبي فماذا عن بلاد العلمانية؟ فلماذا لا يشيح الرئيس الفارسي مثلاً بنظره عن المنحوتات العارية بنفسه، بدلاً من ان تغطى وكأن فرنسا باتت خجولة بها، وتقدم آيات الاعتذار.
[رجال الأعمال
وإذا كان علينا أن نفهم ما وراء هذا السلوك المشين المعلن فيجب ان نذكر ان رجال الأعمال الفرنسيين، وبعدما اسقطت العقوبات عن ايران وباتت جاهزة للانفتاح تراكضوا وتهافتوا وتسابقوا على زيارتها، باعتبارها باتت سوقاً جديدة للاستثمار: انه الخضوع الآخر الذي يفسّر عدم احراج الرئيس المؤمن روحاني بمرأى المنحوتات العارية. فالموقفان مرتبطان وهذا يوضح الأسافل التي وصلت إليها انواع التكالب الاقتصادي الذي تعانيه فرنسا وأوروبا. (وقد كافأ الإيرانيون فرنسا بصفقة طائرات). رموا بعض فُتات للحكومة الفرنسية.
[السعودية
لكن لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد تغلغلت ظاهرة الخضوع في الاعلام المرئي والمكتوب. واذا استثنينا بعض التعليقات المنتقدة لزيارة روحاني، فإن من اطلع على الصحافة الفرنسية في الأشهر الماضية يكتشف انها ركزت في المقابل، على مهاجمة المملكة السعودية، وتراجعت عن مواجهة إيران (باستثناء بعضها مثل(لوموند ديبلوماتيك في عددها الأخير). نبشوا فجأة، في بواطن النظام السعودي، ووضع المرأة ثم فتحوا ملفات الأصوليات المتعاقبة، وصولاً إلى داعش والربيع العربي وتخصيصاً سوريا ليُحملوا المملكة مجمل المسؤوليات. لكن ان يُشطب كل نقد لدور ايران الارهابي في العالم العربي- الاسلامي وما ارتكبته من جرائم في الداخل، وتخريب في الخارج وتكفير وتخوين وضرب الحياة السياسية وسجن مؤسسي الجمهورية الاسلامية ككروبي وموسوي، فهذا خارج منظور الصحافة الديموقراطية في فرنسا. وان يحذف النظام الاستبدادي اسم المرشح حسن الخميني (حفيد مفجر الثورة) ومعه مئات بتدخل من الحرس الثوري المرتبط مباشرة بمرشد الخراب، فهذا لا يستحق ان يتوقف عنده أحد من عباقرة الصحافة والاعلام! لكن يُسلط الضوء وبطريقة سخيفة على اعدام ارهابي عميل لإيران في السعودية ويحجب كل مساوئ نظام الملالي (كالإعدامات اليومية حتى لقُصّر ودون سن الرشد) وكذلك للجرائم التي يرتكبها في سوريا والعراق واليمن وصولاً إلى لبنان وتذكيراً باتهام ربيبه حزب الله باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورموز 14 آذار فهذه مسائل أقل من عادية، ولا ترقى إلى مسميات الجريمة وان تحاول ايران عبر عصابتها اللبنانية تدمير الدولة وتهديد الكيان وممارسة الترهيب والارهاب بسلاح الدولة الفارسية فهذه الأمور يمكن أن تؤجل ربما إلى ما بعد هرولة رجال الأعمال إلى جنة الاستثمار الإيرانية!
[اسرائيل
أكثر: في غيبوبتها المقصودة تحاول وسائل الاعلام الفرنسية وبعض السياسيين ان تتجاهل قصورها في استيعاب الدور الإيراني في تنسيقها مع اسرائيل نتنياهو وروسيا بوتين واستراتيجيتهما في تدمير المكونات الأساسية لركائز هذه الدولة وتقسيمها وتهجير مكون اساسي هم السنة العرب في لعبة ديموغرافية خطرة (في سوريا) لم نشهد لها مثيلاً منذ الحرب العالمية الثانية. تهجير الأكثريات الشعبية من سوريا من خلال تدمير المدن والقرى وايقاع مئات ألوف الضحايا. كأنه بيت القصيد في مخططات اسرائيل ايران روسيا، ويعني ذلك تغيير وجه المنطقة كلها بالقوة الخارجية وبالعنف والمجازر والكيماوي والبراميل المتفجرة والسوخوي.....
اذاً قالوا فلنركز على السعودية لأنها الدولة العربية الاسلامية الكبرى التي ما زالت صامدة وموحدة ومواجهة. فلنصوب اليها سهامنا وسلاحنا واعلامنا لتبرير كل ما تهيء له اسرائيل وبلاد فارس. فالحوثيون يرتكبون يومياً اعتداءات على الحدود السعودية وتفجيرات ارهابية داخلها. وهذا ما يفعله الحرس الثوري وحزب الله وروسيا في سوريا! كأن الاعلام الفرنسي بات في آخر المطاف، لعبة سياسية صغيرة لا تخطئ صغارته في مواقفه فقط بل تطاول المستويات المهنية والفكرية إلى درجة بات فيها القارئ المطلع يضحك من تحاليل هؤلاء الجَهَلة بالأمور ويسخر من مجافاتهم الأصول الحرفية والاخلاقية وانحيازاتهم الساخرة.
[الارهاب الصهيوني
ففي الوقت الذي نرى ان اغلفة المجلات وصفحات الجرائد الأولى تمتلئ بالملفات والتحاليل والمقالات المركزة ضد السعودية فها هي، والى احتفالها بمجيء المخلص المنتظر روحاني تتواطأ مع الارهاب الصهيوني الذي لا يكف عن قتل المدنيين واعتقال المناضلين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. لقد تناسى هؤلاء الذين اصيبوا بالزهايمر السياسية ان فلسطين أرض محتلة وتقر لها القوانين الدولية مقاومة المحتل. قرأنا في السابق بعض الانتقادات الموجهة إلى الارهابي نتنياهو، لكن بعد حين، توقف هؤلاء. وعمدوا في الوقت نفسه إلى اتخاذ مواقف مشينة تدين شباب الهبة الفلسطينية احتجاجاً على مصادرة أراضيهم وهدم بيوتهم وبناء المستوطنات عليها وتصفهم بالإرهابيين. فالدفاع عن الأرض المحتلة ارهاب مدان والعدوان الصهيوني على المتظاهرين دفاع مشروع عن النفس.
[الاحتفال بكتاب ليي
إذاً الاعلام الفرنسي، يترك جانباً، جرائم اسرائيل وايران والنظام السوري وبوتين ويصوب على السعودية من ناحية، وعلى المقاومين الفلسطينيين من ناحية أخرى. وبين هذا التمييز السياسي واكاد أقول العنصري ها هو يحتفل بطريقة قل نظيرها بكتاب الفيلسوف الصهيوني ليي الجديد روح اليهودية (عن كراسيه). وقد افردت الصحافة المكتوبة عشرات الصفحات وبضعة ملفات ومقابلات لهذا الكتاب الذي وصل بمؤلفه الحد الى اعتبار اليهود جزءاً أساسياً من تكوين أميركا، ومن اقرار دستور فرنسا ومن حيوية العالم ومن سلامه بل وانهم أي اليهود هم الذين صنعوا فرنسا. هذيان، اعاد الكاتب إلى التوراة باعتبارها كعنصر هي الأساس الأولى في الأديان. (وهو من جوقة مهاجمي الاسلام كجوهر موجود) متوقفاً عند موسى وعند بعض رموز ملمومات هذا الكتاب. ومتوغلاً في بواطن التوراة مختاراً ما يخدم فكرة شعب الله المختار ليؤكد علمانيته وعقلانيته ومفاهيمه النقدية الوضعية! هذا التهليل المفرط بكتاب برنار هنري ليي يقابله نوع من العنصرية تجاه القرآن (وحتى الانجيل والكاثوليك عند بعضهم) والاسلام عموماً على امتداد تاريخهم. ولم نقرأ تعليقا نقدياً على هذا الكتاب سوى آيات التكريم العلمية ولا ملاحظة ولا لكن... ولا أي تفكيك لخطابه الخرافي الذي يراد منه اعطاء معنويات ليهود فرنسا الذين اعلنوا ان فرنسا لم تعد بلداً آمناً لهم اشارة إلى الارهاب الاسلامي. بل ولا احالة أو سؤال عن علاقة الصهيونية اليوم بالوضع الأيديولوجي والسياسي والاجتماعي والارهاب في ظل تنامي التطرف الديني وصعود المتطرفين وانحسار اليسار. كأنه مديح الخراب الفكري في بلاد ديكارت والتعصب المذهبي في بلاد ولتير (المعروف بمقاومته للتعصب) والكانتونية الاثنية في بلاد فكتور هيغو. وهذا لم يفاجئنا كثيراً: فالمثقفون الفرنسيون سبق ان وقعوا في مثل هذه الترهات عندما أيدت طلائعهم الثورة الثقافية لماوتسي تونغ (سارتر، سيمون دي بووار ، باديو ، فيليب سولرز...) ودكتاتورية ستالين (اراغون مجده بقصائده وكذلك بول ايلوار ولا ننسى جورج مارشيه والشيوعيين) وصفقوا لوحشية الخمير والجنرال بول بوت... وصولاً إلى الثورة الخمينية التي احتفل بها الفيلسوف الكبير ميشال فوكو وتبعه أو قلده في ذلك بعض المثقفين اللبنانيين والعرب!
حاولنا في هذا الحيز المحدود تقديم الصورة الراهنة لفرنسا والسياسة والثقافة والصحافة. انها لم تعد فرنسا التي عهدناها. بل باتت رديفاً لصحافة العالم الثالث، واشكال خضوعه وامتثاله وتخلفه.
الصحافة الفرنسية، كما نتابعها، هي اليوم صحافة واقعة بين الامتثال والتخلف.. والشيزوفرانيا!
ويا للأسف!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00