8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

150 عاماً من العيش المشترك

شعار ذهبي يكاد يُصبح تراثاً أبدياً، في مصاف التقديس، أو التابوهات: هذا الشعار المصيري القَدَري هو العيش المشترك الذي يفترض انه مفتاح السلم الأهلي. أو أمر اليوم ينزل علينا، منذ ولادتنا وحتى جنازاتنا، من كل الأمكنة. من الخطب، والتلفزيونات والأغاني والصحافة والراديو والاحتفالات الوطنية والدينية والطائفية والأعراس والمآتم. يلازمنا في الشوارع ونحن نمشي، ويأسر أبصارنا على الجدران ويصم آذاننا بصراخ كلماته الحُسنى وفي كوابيسنا وفي كتاباتنا وفي حروبنا وفي سلمنا وأزماتنا. انه المفتاح الذهبي الذي يفتح كل الأبواب والصناديق السود والمغاليق... انه السحر الذي اعتدنا ممارساته بلا سؤال، ولا جواب ولا أفكار ولا رؤى... ولا مشاريع ولا مستقبل. سواء شئنا أم أبينا يطاردنا هذا الشعار. انه سر التاريخ، والحقائق الكبرى، واليقين والاطمئنان الروحي الجسدي. فالعيش المشترك يجب ان نفترضه دائماَ، كما افترضه أجدادنا قبل 150 عاماً تقريباً على كل منعطف وفي كل منزلق وفي كل حرب وفي كل استراحة... وفي كل مجزرة!
انه شعار. يحمل كل محمولات الشعار. لكن، إذا راجعنا تواريخه وحتى مآلاته، فماذا عنى ويعني؟ يتنكّبه الشعب كرؤيا للعالم والأخلاق والوطنية والدين والعائلة.... أهو مشروع يجمع عليه اللبنانيون من خلال مضامينه... أم هو ذريعة؟ أو طريقة تفكير أو بناء بلد؟ لكن نكرر ماذا يعني هذا الشعار، إذا فككنا عناصره وتجسيداته وتعابيره: لا شيء! لا يقول شيئاً مع انه يفترض ان يقول كل شيء.
لكن هناك من يرد: وكيف؟ وكيف لا يقول شيئاً وقد قال الكثير الكثير. وعلى هذا الأساس علينا أن نناضل ككل، وكحزمة واحدة من اجل العيش المشترك باعتباره ترجمة للتسامح والغفران والتراحم والتعدد والوحدة الوطنية والدفاع عن الحدود والارتباط بالقيم... وصولاً إلى محاربة الارهاب... اليوم. وهو في هذا الإطار التعبير الأقصى عن المشاعر النبيلة والحوار والنيات الصافية وصولاً إلى هندسات المدن وانماء القرى والعائلة. فهو واجب إذاً. نعم! لأنه يربط الأفراد والجماعات بأسلاك مكهربة ويرفع بنى يوتوبية. وعليك ولكي تؤمن ايماناً سرياً ومعلناً به ان تأخذ بالحسبان كل طارئة ونادرة وظاهرة وفكرة وسلوك... انما بحذر المجرب.

[ المراعاة المطلوبة

فلكي تمارس العيش المشترك عليك أولاً وأخيراً ان تراعي مجموعة من الاعتبارات الدقيقة منها والصغيرة والكبرى في كل خطوة وهاجس حفاظاً على قوة الروابط في المجتمع. قلت المجتمع عفواً! الجماعات المجتمعة او الصلابة في وشائج الشعب. قلت الشعب؟ عفواً. الشعوب التي تتعايش بسلام وطمأنينة وأمان. فعليك انت ان تراعي اذاً كل واردة هاتفة بفكرك لكي لا تغضب أحداً، مما يجعل من هذا الشعار رمزاً للتسامح والتآخي... الذي يعزز الوفاق بين المواطنين (قلت المواطنين؟ عفواً: أقصد الموجودين والموجودات!).
وهنا يستحضر قول توكفيل الذي يصب في هذا الاتجاه انت حر في ألا تفكر مثلي لكن انتبه، فأنت غريب من اللحظة التي لا تفكر فيها مثلي. (تماماً كما قال طرفة: وأُفردت إفراد البعير المُعبّد (أي تنبذ كبعير مصاب بالجرب). قد تكون لك الحرية (وإن أحياناً)، بملكياتك وموجوداتك لكنك عندما تخالف هذا الشعار تصبح بلا نفع! لأنك اذا عارضت ما يتفق عليه محيطك الصغير والكبير، وعشيرتك (وصولاً إلى اهل السلطة) فانهم يدمغونك بعلامة ملعونة، كتلك التي تدمغ بها الماشية المريضة. فأنت قد تبقى أو لا تبقى بين ناسك المتعايشين (دائماً ومؤقتاً) لكنك تفقد حقوق العيش المشترك وحتى أحياناً حقوقك البشرية!
يعني، لكي تظل على وفاق، آمناً، مأموناً، عليك بسحق التمايزات وتمليس الزوايا وتجنب كل فكرة أو جدال أو حتى تعارض طفيف تأميناً لشعار العيش المشترك.

[ الهواجس

وعلى هذا الأساس، فاذا كان المجتمع ذا تعددية مذهبية أو اثنية أو دينية أو أيديولوجية أو ثقافية فعلينا، ومن باب الحفاظ على الأمانة الوطنية كما هي الحال في لبنان ان نترك كل مجموعة تفعل ما تشاء. وحدها في حدودها الجغرافية وفي مشاريعها السياسية وفي ارتباطاتها الخارجية وفي علاقاتها البعيدة.
إذاً مجموعة محكومة بهواجسها وشروطها: المسيحي والمسلم والاثني والشيعي والماروني والدرزي... وهي الهواجس هذه التي لا يمكن ان نمّسها. لأنها هواجس مصيرية يعني اذا اقدمت طائفة على الخروج من كل هذه الشروط (اي العيش المشترك) فعليك ان تستمر في ايمانك لا التعرض لها أو فانتقاد حزبها يهدد هذا العيش المشترك. واذا ارتكبت أحزاب الطائفة جرائم من كل نوع. (سواء انتميت اليها أو لم تنتم)، كالاغتيالات والفوضى والفساد والنهب والمتاجرة بالمخدرات والارتهان بقوة خارجية، فعليك انت ان تمارس الرقابة على فكرك وتعبيرك وحريتك وموقفك لكي لا يتسمم العيش المشترك او السلم الأهلي أو تتسبب بحرب أهلية! وعليك إذاً، ان تتفوه (إذا تفوهت) بما يحسب لهذه المخاطر المصيرية حسباناً. وإذا خرجت على هذا الاجماع التاريخي فأنت مهدد بالخطر أو بالإدانة، أو بتهديد كل شيء، أو برمي مفتاح التعايش في البحر! فالسلم هو القاعدة والتعايش أساسه ولا خروج عليه، أو تمرد على ظواهره أو نفي لممارساته.

[ خائن

حتى إذا كنت تعايش مجتمعاً طائفياً تنتمي إليه (بالهوية) فعليك عندها ان تجانب كل خروج على الاجماع أو على رئيس القبيلة أو الطائفة لأنه رمز التعايش! وإذا خالفت وأبرزت نواتئ في المواقف فأنت خائن ضمن جماعتك لأنك تخدم بموقفك خصومها واعداءها: أي الطائفة الأخرى ومن يمثلها! ويمكن أن تدفع حياتك ثمناً لخيانتك.. لأنك بهذا الموقف تتجاوز الهواجس والمخاوف والأصول. خصوصاً إذا كان هناك ضمن الطائفة الواحدة مفاهيم وتنافسات متناقضة تصل حتى الإلغاء المتبادل: فأنت متهم عندها بتهديد وحدة الطائفة وعزتها وصمودها وتصديها وعنفوانها (هذا ما تعرض له الزعيم الكبير ريمون إده). هذا اذا كنت تعايش مجموعة تنتمي إليها في الهوية فما بالك إذا تجاوزت حدك وتطلعت إلى التعبير النقدي المخالف لتعايش الطوائف وانتقدت حزباً آخر من الضفة الأخرى. فهذا يعني انك تتدخل في شؤون غيرك. وتتجاوز حدود غيرك وخصوصية غيرك، وفي المحصلة يعني أنك ستدفع الثمن مُضاعفاً: أولاً من ذوي مذهبك... وكذلك من ذوي المذاهب الأخرى، المستقل كل واحد منها عن الآخر. والكل مستقل عن الكل من دون دساتير، وقوانين، ومؤسسات، وأعراف، ذلك أن كل دويلة من هذه الدويلات، وعبر قائدها المقدس، لها سياستها ومشاريعها، وانتماءاتها المستقلة تشكل خصوصياتها وتمايزاتها وحضاريتها، وإذا واجهت خروج هؤلاء عن قيم الجمهورية والسيادة، والاستقلال والقوانين، فإنك تمسّ سيادة هؤلاء وحرياتهم. حتى في أشد الحروب المذهبية، عليك أن تؤمن إيماناً كبيراً بحرية شعوب بلدك بتقرير مصيرها، بمساعدة هذا الاحتلال أو هذه الوصاية أو تلك الهيمنة الخارجية. وشعار التعايش القدري الفوقي ينعكس على التحتي: فالفوق يسري كالخَدَر المريح في التحت، يتحول كل ما يجري حولك، وحتى في الأمور اليومية، الصغرى والكبرى، مجرد أمر واقع، لأنه نزول من الحقائق الكبرى العالية إلى الحقائق الصغرى العادية. وعليك، في مثل هذه المجريات، أن تراعي ما تراعي من الظروف، وتتحكم بغضبك ومخاوفك، أو بصرختك، أو باحتجاجك. فقد يصيب ذلك بنيان الحياة السياسية، والأمنية والقدسية..

[ أمر واقع

فالوصاية، كل وصاية، أي القوة الطاغية الغازية بلادك من الخارج، تتحول مع الأيام أمراً واقعاً، بل حاجة دائمة إحداثية مكرسة، أو نمط عيش، لأنها بمفهوم بعض المتحالفين معها، من هذه الطائفة أو تلك، أو من ذاك الحزب، أو الحركة، تتحول ضرورة أساسية لإدارة هذا العيش المشترك، والنزاعات، وأحجام الحريات، ومقاس الكلام؛ وأن تُصبح قوة سلام بعشرات ألوف الجنود والمخابرات والقمع والقتل والنهب. وعندها بالذات أن تراعي وجود هذه الوصاية الأخوية (أو الاحتلال الصديق) بشرح وتقديم أفضالها على حماية السلم الأهلي، ليس فقط تبجيلاً لها، ولدورها القومي والوطني، بل إكبار لهذا الحزب المذهبي اللبناني الذي يجد فيها مآله، ووسائط غلبته، وقوته، وتفوقه على أحزاب طوائف أخرى. وعندها يصبح كل نقد مفترض يوجه إلى هذه الوصاية هو نقد لأحد مكوّنات التعايش الوطني، والعيش المشترك. إنها قواعد التماهي المطلق الذي يؤمن هيمنة على مقدرات السلطة الشرعية، وضغطاً، وإخضاعاً لكل من تسول نفسه التشكيك بهذا الأمر الواقع، بل أن كل محاولة خروج على هذا الواقع المفروض، يخدم كل عدو مفترض. سواء كانت إسرائيل، أو خصوم الوصاية هذه من أهل الوصايات الأخرى. وهنا بالذات يعاد إنتاج كائنات (سبق أن تم إنتاجها على امتداد 150 عاماً من تاريخ هذا البلد)، لا حول ولا صلة لها بالوطن، أو الانتماء، أو الارتباط بوشائج، وقيم سارية، أو مستجدة، أو أفكار، أو رؤى: وقد يكون كثير من هذه الكائنات الغريبة عملاء أو جواسيس، أو طوابير خامسة أو مرتزقة... أو خونة (وكل يخوّن على ليلاه).

[ كائنات مقتلعة

أي كائنات مقتلعة من كل رابط بأرضها، ومصائر ناسها: قضيتها أنها بلا قضية سوى السعي إلى سلطة، أو مركز، أو منصب، أو ثراء. وهذه الكائنات، ومع تطور وسائل الصمود وأشكال المقاومة والوصايات، ومع انحدار مستويات الخطاب السياسي، وتجوف العقلانية، والانتماء، تلقى آذاناً مصغية، لدى الفئة الشعبية أو المذهبية التي تؤيدها وتبايع زعيمها وقائدها ومرشدها.
من هنا، المشاعر الفياضة لهؤلاء العملاء والكتبة بأنهم ذوو شأن، بل ذوو قضية، بل هم المدافعون (عبر القوى الأجنبية) عن العيش المشترك، وإن والوا نوازع التقسيم، والكانتونات، وتهديم كل ما حولهم: من الدولة، إلى الدستور، إلى المواثيق، وحتى الكيان اللبناني. كل هذا يزايدون به خدمة للعيش المشترك، وللقضية، وموقع لبنان، وصولاً إلى التنكر لكل رابط على امتداد ما يجاورنا من العرب، والعروبة. ولا حرج إن استخدموا كل ما يشعل حرباً أهلية، أو تخريباً للدولة، أو انحيازاً إلى كل دويلة، منذ 1975 وحتى اليوم... وقد لا يعدمون وسيلة لكي يخضعوا الآخرين: فالقتل بات جزءاً من الأمر الواقع. وإذا كان لك، وأنت في الضفة الأخرى المناهضة لهؤلاء وأحزابهم أن، تنقدهم، وتكشف نياتهم، ومؤامراتهم وارتكاباتهم، فهنا الطامة الكبرى. يتهمونك مباشرة بتهديد العيش المشترك. فإذا عدت مثلاً لتقارب غزوة 7 أيار فيعني أنك تهدد السلم الأهلي، وإذا طالبت مثلاً (مع غيرك) بسحب سلاح حزب ميليشيا حزب الله، فيعني أنك تلعب بنار الوحدة الوطنية. وإذا ارتفعت مطالبات بتسليم المتهمين باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والموجودين في كانتون حزب الله، فيعني أنك لا تمزق التعايش فقط، بل تخدم العدو الإسرائيلي... وسائر أعدائهم!
إذاً، حذار!
إذاً الويل لكل الذين يرفضون الخضوع لهذا المنطق، وهذا القمع الذاتي والخارجي، لأنهم يجدون أمامهم أن القوة، هي التي في النهاية تصنع الوحدة، وليس العكس.

[ القوة

ففي بلاد العيش المشترك (ومنذ 150 عاماً)، فالقوة هي التي تصنع جنة هذا العيش، والقمع، والترهيب. وكلما علت نبرة هذا الشعار ازدادت ضغوط القوة. تصبح المجتمعات شمولية (توتاليتارية)، وتظن أنها التعددية، يصبح كل مكون مغلقاً على مكوناته، ويصبح مقسماً، ويظن نفسه أنه موحد. بل أكثر يصبح الانغلاق الاقتلاعي، في مجتمعات تكثر فيها الطوائف، حماية للتعايش والانفتاح والتسامح. فلنا قِيَمنا ولهم قيمهم. ولنا اختياراتنا ولهم مثلها. فدعهم يعيشوا وحدهم ويمارسوا ما يشاؤون ضد البلد ومؤسساتهم، فهذا ما يسلِّح البلد بالوحدة والاندماج، والانتماء... بل يصبح التعايش نوعاً من الانعزالية، لتحمي هذه الانعزالية التعايش نفسه.
كل ذلك يجب أن تحميه مشاعر الخوف، والفتنة الداخلية، والقوة الخارجية، وهواجس الحرب الأهلية الدائمة. أوليس غريباً أن الوصايات المتعاقبة على لبنان، كانت هي التي تحمي هذا الشعار العيش المشترك لأنها بذلك تتحكم بشروط السلم والحروب والتناحر؟ فكيف إذاً تؤمن بهذه اللعبة الجهنمية، وأنت تعرف جيداً أنها لعبة الاستعمار، أو الاحتلالات أو الوصايات!
هكذا كنا عام 1860... وما زلنا!
ومع هذا ما عليك أن تفكر لا بأسس مدنية، ولا عقلانية، أو شعبية، أو ثقافية تضع وطنك ودولتك وقيمك، بل عليك أن تكتفي بشعار التعايش، الذي يمحو الوطن، وحرياته، واستقلاله، ووحدته، ومصيره وفردياته ومستقبله.
وأخيراً: استلهمت هذه المقالة من الجدل القائم منذ مدة بين المثقفين والسياسيين الفرنسيين حول شعارهم الجديد Le vivre ensenble وترجمته اللبنانية العيش المشترك. من هنا قلت في نفسي ألف سلام على الثورة الفرنسية، والجمهورية الخامسة، والديموقراطية التي تحوّلت وهماً في الغيتوات الاثنية والدينية... والعنصرية في فرنسا.
إنه من بوادر الانحطاط السياسي والاهتراء الفكري والتقهقر الانساني.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00