8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

عندما يرحل المخرج الكبير ايتوري سكولا بهدوء

ايتوري سكولا مخرج الروائع الإيطالي، التي لا تنسى، رحل عن 85 عاماً (مواليد 1931)، تاركاً وراءه إرث الكبار، ذلك الفن الرفيع الذي ينبذ كل خضوع للمدارس، أو لمتطلبات السوق، وكل تنازل، إنه من طينة أورسون ويلز وإيليا كازان وكوبولا وشارلي شابلن... وصولاً إلى سكورسيزي وفلليني وأنطونيوني...
إنه أحد المعبرين الكبار عن اعتمالات المجتمع الإيطالي، وتناقضاتها، وجوانبه الملتبسة القاسية، من دون ماكياج، ولا رحمة مثل فيلمه مخيفون، قذرون وأشرار ويوم خاص والعائلة... التي خلبتا، وهزتنا بواقعيتها الصارخة، وبلغتها السينمائية المجردة من الجماليات التزويقية، والمؤثرات الفضفاضة، والأداءات البرانية.
كأنه آخر كبار جيل الزمن الكبير للسينما الإيطالية، وعلى خط المبدعين المجانين الذين اختطوه لأنفسهم، والذي جعل من السينما فن الكشف، والاحتجاج، وتعرية كل الظواهر من قشورها. أفلامه يشهرها كسيف هنا، وكصرخة هناك، وكأنشودة حنان هنالك.
على خطوط متقابلة، ومتباعدة، ومتقاطعة، مع الذين صنعوا مجد السينما الإيطالية في النصف الثاني من القرن العشرين، أمثال بازوليني وفيلليني ومونيشيلي وريزي وكونشيني، إضافة إلى الممثلين (اشتغل مع معظمهم) كمارسيلو ماستروياني وألبرتو سوردي ونيتو مانفريدي، مروراً بكتاب السيناريو مثل إيجي وسكاربلي. وقد ألفهم سكولا وصادقهم وها هو يعبر عن علاقته بهم كنا نلتقي في المقاهي، ونتبادل النصائح، ونحضر أفلام في نوادي السينما. ولم نكن نتكلم فقط عن السينما بل عن النساء أيضاً، والسياسة. إن هذه الكلمات تحفظ سر ذلك الجيل المزيج الفريد من العبقرية والصداقة.
وكل المتابعين للسينما العالمية، يعرف أن إيطاليا بكبارها، من مخرجين وممثلين، كانت في الخمسينات والستينات وحتى الثمانينات، جوهرة الفن السابع، وساحة المغامرة والاقتحام من أنطونيوني (Blow up) (انفجار)، إلى نقطة زامبروسكي... المتميز بأسلوبه الناري، المجرد من الإضافات والتأثيرات، وفيلليني فنان الملحمية الساخرة، وبازوليني رابط الفن بالالتزام الإيديولوجي لكن على رحابة غير مقيدة بالدوغماتية، وسكولا، صاحب التجربة المتقاطعة مع الصورة الموحية، والحوار الكثيف، والكادرات المضبوطة، والأداء العارم...
إنه سكولا إذاً الذي فارقنا قبل أيام، بعدما ملّ مما آلت إليه اولاً السينما الإيطالية التي فقدت موقعها الطليعي، ثم السينما الأميركية التي سقطت في الانتاجات الضخمة، وتغليب التكنولوجيا والتقنيات والحيل السينمائية على المضمون، بحيث ابتلعت المخرج، والنص والممثل. ووراء هذه الذهنية أنجزت هوليوود منجبة كبار السينمائيين والممثلين أمثال غاري كوبر ومارلون براندو وبول نيومن وجيمس ستيوارت وغاري غرانت وبرت لانكستر ويول براينر... وناتالي وود وجاك نيكلسون...
كأنما باتت السينما، بحسب ما رأى سكولا، يتيمة كـالملك لير، خانت جوهرها، بخضوعها للاستهلاك، والخفة، والسطحية، والأفقية، همها الأساسي شباك التذاكر وجوائز الأوسكار (التي أدت ذهنيتها التجارية إلى إقصاء الملونين السود وسواهم من ترشيحات عام 2016).
من هنا نتلمس حسرة سكولا، ومن هنا نفهم زهده بالسينما، وبالحالة التي آل إليها الجمهور، والنتاجات، وخلوده إلى الصمت قبل خمس أو ست سنوات، قرفاً من عالم جديد خاو يفترس ملحمة السينما الماضية، منهم سكولا، كما عرفناه، تمثل في شغفه بالسينما: إنها شِعر القرن العشرين وجوهره المغامر. فسكولا منذ بداية أفلامه احتل موقعه الفسيح بين ماريو مونيشيلي المنكب أكثر على القضايا الاجتماعية، ودينو ريزي أحد كبار الأعمال الكوميدية النقدية. فمن النقد النافذ نجح أبطالنا في بناء عالم جديد مرتبط بالحياة والناس. وهو من فيلمه مخيفون، قذرون وأشرار إلى الوحوش الجديدة فإلى أجمل سهرة في حياتي إلى التراجيديات الكوميدية أحب الجمهور الشرفة العائلة، فإلى الغنائية الحميمة (دراما الغيرة)، إلى التقاط كسر التاريخ (يوم خاص، ليلة فارينا بل). فريبورتوار سكولا متسع بشكل رائع، لكنه يمزج بدقة نادرة رهافة الإحساس الفردي، وحركات المجتمع العميقة.
وإن ما جعله جامعاً هذا الاتساع والعمق هي ثقافته العميقة، فهو سينمائي سياسي، ليس على طريقة روزي الذي يركز على الوقائع، يحلل ويطلق حكماً، وإنما في غوصه على الشخصيات التي تتلقى وتحس بتيارات العالم، وصدمات السلطة، وإن أهم ما ورث من الشيوعية تلك الرهافة الجماعية اي (الايديولوجية المعقمة). ففي موقفه من الفاشية التي وضع عنها سيناريو السير نحو روما لريزي وقدم عنها فيلم يوم عادي (1977)، أو منافسة غير وفية (2001) يشرح موقفه السياسي بالمعنى السينمائي الخالص: وضع الكاميرا وبالنسبة الى مخرج شيوعي، افضل الكلام على انخراط الناس العاديين في النظام الفاشي اكثر من وصف النظام نفسه فالمواطنون البسطاء هم الذين يهمونني ـ ففي يوم عادي لا نرى موسوليني ولكن اوامر النظام على الناس. وفي ليلة فارين لا نرى من الملك لويس السادس عشر، سوى قدميه.. فالملوك والمستبدون يرحلون ويبقى الشعب: انه نهر يستمر في جريه.
على هذا الاساس لا يغرق سكولا لا في الشعارات، ولا في المباشرة، ولا التبشير، يترك المشهد والصورة وحركة الكاميرا والممثلين يوحون الحالات والمواقف. وهذه هي فرادته. وذلك ما يجعله ذا اناقة في القلب الذي يختار ان يخفي الاخطاء وفشل النفس. متفائل بإرادة أقوى من تشاؤم الذكاء.
وقوله الشهير كما الناس مصنوعة لتعيش، فالكاميرات مصنوعة لتدور. فقد كان في داخله قوة انخراط عميق في الوجود تحول دون يأسه حتى عند زوال الأوهام. وقد ناضل بعنف ضد برلوسكوني، مما خلفه من خراب في المجتمع، وفي السينما. لكن العالم ليس في زمان برلوسكوني وها هو يستمر في تذوق اعمال سكولا.
فالابداع يبقى والاستبداديون يرحلون. سكولا شاعر الكاميرا، والزمن الذي يمضي، والعلاقات بين الناس العاديين، والنضال بشراسة ضد الظلم والطغاة... انه بكلمة واحدة كان يريد تغيير العالم، وفي حين غير العالم من كانوا يسعون الى تغييره، فقد بقي سكولا حتى نفسه الأخير يرى في السينما اداة ابداعية، هدفها تغيير العالم حتى في هذا الزمن الملتبس.


من أعماله


[ ـ ولد ايتوري سكولا عام 1931 في تريفيكو في الريف.
[ ـ 1947: اول رسومه كاريكاتورية تنشر في الجريدة الساخرة مارك ـ اوريليو
[ ـ 1964: فيلمه فلنتكلم كنساء (اولى شريط طويل) مع الممثل الايطالي فيتوريو غاسمان.
[ ـ 1974 : أحببنا بعضنا كثيراً
[ ـ 1976 : مخيفون، قذرون واشرار (جائزة مهرجان) كان للاخراج.
[ ـ 1977: يوم خاص
[ ـ 1980 : الشرفة
[ ـ 1982: ليلة ماريثيا
[ ـ 1983: البال، ذئب المال
[ ـ 1987: العائلة
[ ـ 2001: منافسة غير وفية

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00