8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بدأت الاحتفالات بمئوية المغني الفرنسي الكبير

ليو فيري، المغني الفرنسي المتعدد في شغفه وكلماته وموسيقاه وصوته، احتل المكانة المرموقة في الأغنية الفرنسية، مع كبار مثل جورج براسنيز، إديث بياف وجاك بريل... أخذ الأغنية إلى بقاع أخرى، وبلاد أخرى، وانتقل من العمل المستفز، القاسي، إلى الشفافية، وإلى عمق العزلة، وإلى الثورة. أكثر من مطرب عاطفي، وأكثر من صوت حنون، وأكثر من نبرة متمردة، ليبني عالماً خاصاً به، سواء على الخشبة عندما يطل بشعره الأبيض، وكاريزماه، وسطوته، وقوته، أم في تسجيلاته. كان دائماً يأتي من أمكنة ما كنت تنتظره أن يأتي منها، ويمضي إلى عوالم الحلم، والمشاعر القوية. صاحب الشعر الأبيض، الشعر الثلج السائل على رأسه، كأنه نجم العام 2016، وهو مناسبة مرور مئة عام على ولادته، يتهيأ كثر من النقاد والشعراء للاحتفال به، إما بإصدار كتب عنه، أو بأفلام، أو بإعادة إصدار مجموعاته الغنائية. نجم الستينات والسبعينات، ها هو يتألق اليوم من جديد طازجاً، نضراً، مليء بالأسرار والكنوز.
أما الباحث سيدريك فيلاتي، فقد أعد، بدراية كبيرة، مختاراته الشخصية من أعمال صاحب ريح الشمال، وقسمها إلى قسمين، الأول: ليو فيري مغني الميوزيك هول، الهادر، الحساس بنقده، الساخر من الجنود والمؤسسات، مغنياً الشعراء والكوميديا الإنسانية، من دون أن يوفر الوزراء والجزارين. ليو فيري المؤيد للجمهوريين الإسبان، والمتعاطف معهم، والصارخ بلغته الإبداعية الفوضى. في مواجهة الأعراف السائدة.
أما القسم الثاني، كما صنّفه سيدريك فيلاتي، فيتناول فيه المغني المتنبئ السري، الغامض، الذي يبدأ بـمن صور 51 ليو فيري الذي قارب التناقضات، والقضايا، والمقدس، والأفكار، والشيطان، والرب، والمجهول. الليل والنهار، العزلة، والمنبعثين، بسخرية وشعر لا ينفصلان أحياناً. فهو أولاً شاعر كبير، فقد جسّد في شعره الحساب أكثر من أي آخر، منذ لوتريامون، ويذكر له جملته الرائعة البحر حساب أزرق، ورمى اقليدس في الزبالة.
إلى ذلك، كان فيري ميلودياً كبيراً، وإيقاعياً كبيراً، رائعاً في عزفه الحميم على البيانو، ورائعاً مع الأوركسترات الكبرى، بحيث التبس الأمر على بعضهم: من يفضلون ليو العازف أو الشاعر والمغني.
ولعل أهم ما حققه فيري، وضعه الموسيقى الكلاسيكية، وحتى الموسيقى المقدسة، في حلبة الأغنية الشعبية: فمناخاته القاتمة والحالمة، المصنوعة من موجة المنفى، وتمرده الشامل وذكرياته التي ترسم الزمن، مهدت الطريق لكبار جاؤوا بعده مثل ألان باشنغ وكريستيان أوليفييه.. مع هذا فقد كان ليو فيري مكتظاً بالتناقضات: معاد للبورجوازية ويعيش في قصر، ساخراً من الزواج وينتهي به المطاف إلى الزواج من حبيبته.. والصارخ بأن أهم شيء هو المستقبل، ثم الباكي على الزمن الذي يمر أو المتأسف في انفعال عابر.
ليو فيري حافظ على صوت المتمرد بعناد، وعرف كيف يورثه الآخرين.
ليو فيري في ذكرى مئويته الأولى، يبقى كبيراً، على مستوى النصوص الكبيرة وريبرتواره الفرنسي، مثل الزورق السكران لرامبو، أو أغانيه المأخوذة من قصائد بودلير وايلديار... والعديد من الشعراء.
نحن جيل عشنا على كلماته الصارخة، المدوية، وعلى نبرته الثورية الخاصة، وعلى هامشيته المضيئة وعلى شعره العالي، سواء عندما غنى الحب، أو الحالات الرومانسية، أو سخر من كل البورجوازيات، والحكام، والقوانين.
إنه الفوضوي، الذي أسس لنمط جديد في الغناء الفرنسي والعالمي. غنى كلماته وألحانه جيل كامل، في فرنسا، وبلاد الفرانكوفونية، وأوروبا، ولبنان... إنه الأيقونة التي خرقت المقدس، والعلامة التي طمست كل العلامات، والسري الذي أفشى كل صرخاته الاجتماعية والسياسية والإنسانية والنضالية.
ليو فيري في مئويته الأولى ما زال ممتزجاً بكل الإيقاعات التي صنعت أحلاماً، وحركت مخيلات، ونبشت مكامن من أقصى الحميمية إلى أقصى السخرية إلى أقصى الرفض.
لكن ما تجدر الإشارة إليه أن فيري يتميّز عن سواه من المطربين الذين كتبوا بأنفسهم قصائدهم مثل شارل أزنافور، وجاك بريل، وجورج براسنيز، إن لنصوصه الغنائية قيمة شعرية مستقلة، أي قصائد تقرأ في كتاب أو في أمسية، خارج سطوة الصوت، والجسد، والموسيقى والأوركسترا. أي لها قيمة أدبية؛ وعلى هذا الأساس صدرت مجموعة ليو فيري الكاملة في مجلد قبل بضع سنوات، واستقبلها النقد بحرارة وحفاوة. وفي بعض أنطولولوجيات الشعر الفرنسي، أدرج ليو فيري مع الكبار، في القرن العشرين، أمثال بول ايلديار، وأراغون وبول كلوديك وسان جون برس وجول سوبرفيال وأندره بريتون وقبلهم فاليري وصولاً إلى روبرت ديسنوس، وماكس جاكوب وغيفيك...
ظاهرة مميزة هذا الساحر الذي غنى وكتب بكل مشاعره الحميمية، وهواجسه حول الموت، وكلماته الاحتجاجية... كلها في فضاء شاسع من الحرية... والفوضى، والتمرد على كل ما هو مؤسسة جامدة، ومنظومات أمنية، وعسكرية، وديكتاتورية.
كان ليو فيري في الستينات والسبعينات رمز جيل كامل، من يسار وليبراليين وفوضويين، أي كل مجانين الحرية.
إنه مجنون الحرية بامتياز.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00