عادوا من بواطن الماضي ومن قبوره ومن ظلماته، ليغزوا الحاضر والمستقبل بقسمات أنظمة العتمة واسترجاع الموتى بتواريخهم، وأَطَلّتْ كائنات دراكولا، من رمادهم المسموم، متعطشين للثأر والدم، ليتغذوا بهما وينخرطوا بين الأحياء. من اللازمن إلى الزمن. من الظلال والكوابيس إلى الضوء وأحلام الآخرين. عادوا بلباس العسكر والميليشيات والأطقم القديمة والملامح الجُثَثية ليقيموا امبراطوريات الموتى. موتى الأفكار والحرية والمستقبل، يخرجون دراكولاتهم من أسافل الأرض ليسترجعوا سطوتهم وأمجادهم ويسودوا الأحياء. لعبة الموتى الذين يريدون ان ينبعثوا بدم الأحياء. لعبة الظلمة التي تطفئ السبل والأفكار والحيوات. امبراطوريات الأمس الآفلة وحروب المذاهب والعنصريات والأعراق، اقتحمت المنازل والمدن بأنيابها المسننة لتمتص دماء الشعب العربي وتستلذه وتبني على أضرحته، وركامه جمهورياتها وترفع مرشديها وخلفاءها وطغاتها. انه الدم يستنزف لحيوات هؤلاء: إيران خامنئي، روسيا بوتين، اسرائيل بيغن وشارون ونتنياهو،... ودواعشهم.
ها هم يسطعون بظلمتهم في ضوء النهار، ها هم بأشباحهم الجوفاء يغادرون الحاضر بناسه ويطلون بسيماء دراكولا، ونابيه وساديته وجنونه وكراهيته لكل حي عربي. اجتمعوا في عوداتهم في الديار العربية وكلّ بأمراضه وفتكه يسعى إلى امتصاص دماء شعوبها وتدمير تاريخها وسحق أحلامها؛ العرب فرائس لهذا الدراكولا أو ذاك. هذا بأبهة السلطان العثماني، وذاك بتاج القيصر الروسي، والآخر بأسفار التوراة الإلهية اليهودية، والآخر بأبهة داريوس الفارسي (هزمه الاسكندر شر هزيمة).
دراكولا الأسطورة صار واقعاً. دراكولا المتخيل صار كائناً؛ حاملاً كل الإرث القاتل في تاريخه وتواريخ الآخرين. بل كأنه امتداد لهذا النوع من الكائنات التي لا تُخصبها وتحييها سوى الدماء العربية. نتذكر جمال باشا السفاح وحصاره لبنان وسوريا وتجويعهما، واعدام احرارهما في بداية القرن الماضي ونهايات السلطنة العثمانية. ونتذكر اسرائيل وقيام كيانها على دماء الشعب الفلسطيني وغزوها لبنان وحصاره خصوصاً بيروت عام 1982. من حصار بيروت على أيدي جمال باشا إلى حصارها بأيدي الصهاينة: قطع الماء والهواء والكهرباء والطعام... ولا يفوتنا حصار النظام السوري (بعد مصالحته الكيان الصهيوني في 1974) لزحلة والأشرفية وطرابلس وكذلك حصاره تل الزعتر (عبر ميليشيات محلية) ثم للمخيمات (عبر ميليشيات محلية) وكذلك تطويقه حماة وحمص جواً وبراَ وبحراً وذبح أهلهما وتدميرهما ليسقط 40 ألف قتيل في ظرف اسبوعين! يا لتدفق الدماء، ويا لمتعة حافظ الأسد وهو يستسقي الدم ويتجرعه بنشوة الاسرائيليين وجمال باشا... وشارون. انه استرجاع لدراكولا النازية في الأربعينات والبوتينية، ثم بعدها ولاية الفقيه...
ان هذه المحطات السوداء في تاريخنا كأنها مسلسل متناسل بحلقات متصلة، تجتمع كلها اليوم في ديارنا منذ اندلاع ثورة الشعب العربي الديموقراطية في ربيعها، الذي حوله هؤلاء ساحة للقتل والخراب والتهجير والترنسفير والفتك واهراق الدماء... تحت شعارات ماضوية وجروح كادت تندمل: المذهبيىة والعنصرية والاثنية، عودة مظفرة لديناصورات الماضي بأنياب دراكولا، وبتعطشه للدم الطازج ليعيش به في موته، ويتقدم به من عالم الظلال إلى عالم الأحياء.
ها هو خامنئي بفارسيته وبوتين بعنصريته الدينية اللغوية واسرائيل بقدسيتها التوراتية اجتمعوا كلهم، اليوم، في سوريا وكلّ يمارس حصاره، واختيار ضحاياه، وقصفه ومجازره في حق الشعب السوري. فبوتين يمارس حصاراً جوياً ويرتكب المجازر الأرضية في المدنيين لاستعادة مجد القيصر أو ستالين أو الاثنين معاً: مصاص دماء متعطش، لم تروه لا دماء الشيشانيين ولا الجيورجيين ولا الأوكرانيين... فجاء يبحث عن دماء طازجة في الجسم العربي، بأطفاله ونسائه ورجاله. وها هو حزب الله (عميل خامنئي والحرس الثوري) يمارس منذ دخوله إلى سوريا دور دراكولا في امتصاص دماء السوريين كأنما لم تكفه دماء الشباب الشيعي أو اللبناني والعربي ولا اغتيالاته... بل استزاد ومارس ما مارست اسرائيل وادهى (طبعاً بالتنسيق معها) وما اقترف بوتين، وما سبق ان فعله الخميني من تكفير وإبادة لحلفائه في اسقاط الشاه، وما يفعله خامنئي حالياً في الشعب الإيراني: ألوف الاعدامات لا توفر لا القُصّر، ولا القاصرات، ولا الكُتاب ولا السياسيين ولا الشباب. جميع هؤلاء اليوم موجودون في سوريا: بدأ حزب الله سياسة ابادة وتهجير في القصير: سرق المنازل ونهب المحال... ثم دمرها! ترانسفير مشهود!
[ تدمير الديموغرافيا
بهذه السياسة التهجيرية، بحس عرقي، وعنصري ومذهبي لتدمير الديموغرافيا السورية! واخلاء البلد من سكانه. ورث دماءهم، فامتصها امتصاص دراكولا لضحاياه. وقد مارس هذه الجرائم الانسانية، في أكثر من منطقة حتى وصل به الأمر كحليف لسفاح سوريا، إلى محاصرة أربعين ألف سوري في مضايا. فلتكن عبرة. صحيح نحن ننتحل لقب حزب الله لكن الجهاد يمكن أن يتجاوز حتى الأسماء الحُسنى: فنحن الأسماء الحسنى، ونحن نعاقب التكفيريين من الأطفال والنساء والمرضى بمنع كل شيء عنهم: الدواء والماء والطعام والكهرباء لنقتلهم ببطء بسادية شهوانية.
حصار وحشي لا يقل جنوناً عن ارتكابات اسرائيل ولا بوتين ولا هتلر. يجوّعون مضايا بقوة الكراهية ودينامية المذهبية! فليتحولوا هياكل عظمية. ولا فارق بين طفل ورضيع وامرأة ورجل عجوز... كلهم مذنب لكونهم عرباً في سوريا. وهل هناك أطيب مذاقاَ من الدم العربي عندما يمتصه فارسي أو صهيوني. فالأفواه ذاتها والزلاعيم ذاتها والمخوخ ذاتها والعروق ذاتها والعنصرية ذاتها! فذنب الضحايا الأول والأخير انهم عرب سُنة. وهذا هو قِبلة المطاف. تصفية أجسامهم من كل ماء ودم. وقطع الهواء عنهم ونهش احشائهم والاغتذاء من لحومهم: حزب ايران من أكلة لحوم البشر. وما الفارق بين دراكولا يمتص الدماء، وبين حزب يلتهم لحوم الحيوانات والناس. فهم متساوون: الحيوانات مخلوقة للأكل والبشر العرب باتوا أيضاً مخلوقين للذبح، وبهم يغتذي هذا الحزب: فلنحسب عدد الذين قتلتهم ميليشيا سليماني في لبنان والعراق واليمن والبحرين وسوريا... نجد كأنه عاش على دماء هؤلاء (بمن فيهم الشيعة اللبنانيون بل ان هؤلاء في مقدمة من التهم الحزب أرواحهم وأعمارهم).
وأرهب ما يتمتع به هؤلاء ليس الاستمتاع بالقتل كفعل جهادي مزعوم، ولا الاستلذاذ بطعم الدم، ولزوجته وسيلانه (كأنه طريق الجنة) وجاذبية لونه الأحمر، وكأنه وليمتهم المشتهاة بل ما يتمتعون به من نباهة (المجرمين) ومهارة التلفيق ويسّر نسج الأكاذيب ورد التهم حتى إلى الضحايا وربما إلى إرادة المولى القدير والقضاء والقدر والمصادفة... وصولاً إلى نفي الحدث كله. وهكذا استنفرت محطة المنار (تشبه منارات دراكولا الطالع من قبره) لتنفي كل حصار لمضايا... فهذه القرية في ألف خير وان اعداء المقاومة هم الذين يلفقون هذه الأكاذيب. ثم، اين التجويع: فسكان مضايا متخمون بالطعام والماء والأدوية ويمارسون حياة عادية: فلا النظام بمرتزقته ومجرميه هناك، ولا الحزب بميليشياته المهزومة، ولا أحد. وكل هذه الصور التي تنشر عن المجاعة هي مفبركة، (طبيعي أن يكرر هذا الحزب عبارة كذبة ومفبركة فهو اصلاً كذبة إيرانية وفبركة فارسية).
[ قوة الإعلام
لكن قوة الاعلام الصافع وأثر الصورة ومشاهد المرض وآثار الجوع دحضت أكاذيب المقاومة الكذبة فغيرت المنار وأبواق الفرس والنظام الأسدي هذا الانكار. انهم المسلحون والارهابيون يسرقون الطعام والماء والمساعدات... كعادتهم غيروا الاسطوانة: وما أنكروه أكدوه بصيغة تلفيقية أخرى... وقد اعتدنا موت أحاسيس هؤلاء وضمائرهم واخلاقهم ونزعتهم إلى الشر، والكراهية. ولهذا، بات اعلامهم (يشبههم أكثر): كوميديا دموية. نوعاً من الهزل القاتل. بل باتوا عندما يظهرون على التلفزيونات وكأنهم مهرجون من الدرجات السفلى ولا نظن ان شغفهم بالقتل والتعذيب والتجويع جديد. فهو جزء من عقيدتهم :الدم! الدم، حتى عندما يدرجون انفسهم تاريخياً في عداد المظلومين. فالدم القديم الذي سال في الحروب المذهبية بطاقة للاستنفار والتحريض والتبرير والانتقام وتخطي كل القيم الانسانية والدينية. المتاجرة بدماء بعض الأئمة تعين استسقاء الدم بالدم، وقطع الرؤوس والثأر بالثأر، لكن كل هذا تتخطاه ايران (وحزبها العميل) بتوسيع ثأرها ليمتد إلى العنصر العربي: فهؤلاء العرب بالنسبة إلى بني فارس كما هم بالنسبة إلى الصهاينة مجرد حيوانات وكائنات لا تستحق ان تجري في عروقها الدماء وفي أرماقها الحياة، وفي ابدانها البقاء. انها نزعة ثأرية لا تختلف عن عودة دراكولات التاريخ للثأر من الأحياء. اما مضايا فلم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة. وها هو أحد جنرالات إيران يصرح بأنه كون جيشاً من 200 ألف مصاص دماء، جاهزين للقتل، واهدار ارواح العرب. فكأنه يذكرنا بجيش الدفاع الاسرائيلي أو بالغستابو النازية، أو الجيش الأحمر، أو الخمير الحمر. انه الاصرار على اعلان حرب ضروس على العرب. لا على اسرائيل. ولا على أي عدو آخر. عدوهم الوحيد كل عربي بدمه وبلحمه ووجوده وأرضه وتاريخه....
[العالم المتحضر
وعلى الرغم من ارهابهم المدوي، الذي تمارسه ايران والنظام السوري فالعالم المتحضر الديموقراطي، استثناهما، ووضعهما في مرتبة المفاوضين لتقرير مصير سوريا. بل ان هذا العالم نفسه، يكاد يقصر ما يجري في العالم العربي وأبعد، بين داعش والمعارضة المدنية والنظام. داعش الارهابي يحاربه شكلياً نظام أكثر ارهاباً؛ وحزب ينتمي إلى جمهورية أرعب. وكأنه اختزل الحرب في سوريا بين داعش الارهابي والنظام المدني برئيسه السفاح والأغرب انه ما جرى في مضايا وهزّ العالم، بوحشيته لم يغير لا مسار مصاصي الدماء في سوريا (بوتين، اسرائيل ، أوباما) ولا أوروبا. بل ان هؤلاء الأخيرين لم يدرجوا حصار مضايا وتجويع اهلها لا في باب الارهاب، ولا في باب جرائم الابادة... لا شيء من ذلك: اكتفوا بالتفرج على صور الأطفال والنساء وهي كهياكل عظمية، ثم اسفوا ثم ابدو قلقهم ثم أكملوا: فهناك ارهاب واحد اليوم بالنسبة اليهم هو داعش، وقد غاب عن بلبالهم ان هذا التنظيم الداعشي من صُنع هؤلاء المجرمين، تربى افراده في أقبية المخابرات وفي السجون ثم زودوا سلاحاً وافلتوا لتغيير المعادلة: جيش حر ضد النظام، إلى نظام ضد داعش.
سكت العالم بعلامات من القبول والتواطؤ مع الأمر الواقع: ربما لأن داعش يخدم اسرائيل وايران، اللتين لن يرشقهما داعش بوردة تماماً كنظام آل الأسد. كأنه اليأس الصارم، الفادح من عالم يتباهى بحقوق الانسان والديموقراطية، عالم يصغر امام القتلة ويكبر على الضعفاء ولماذا لا يكون هذا العالم (كما نعرفه) جزءاً من حصار مصاصي الدماء لمضايا، وجزءاً من المؤامرة على العرب والسنة والعلمانيين والديموقراطيين. وإلاّ كيف يكون ان يطنطن العالم بمجزرة باريس (ونحن معه) ويتداعى امام مجازر الكيماوي والأسلحة المحرمة التي تستخدمها ايران وروسيا والنظام المذهبي في سوريا.
نعم! العالم يلحس المبرد، اليوم، ويستلذ ربما بدماء المسلمين والعرب. لكن فرنكشتاين داعش سينضم إلى دراكولا هذه الأنظمة الأشباح التي تمعن في منهجة تدمير العالم العربي، وكأنهم تنين برؤوس عدة وبأطراف كثيرة!
وهنا تأتي أهمية ما اسميناه الصحوة العربية والاسلامية التي تقودها دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، لمواجهة هذا النزف التاريخي للدم العربي على أيدي هؤلاء الدراكوليين المكرسين انفسهم ارهابيين دول وصولاً إلى مخلوقهم المسخ داعش.
ذلك لأنه آن لنا، نحن العرب، ان نتكل على انفسنا. على مخزوننا. على قدراتنا. للدفاع عن وجودنا ومصيرنا... لأن العالم الذي ننتظر ان يأتي لمساعدتنا بات في مكان آخر.
كأنه عائد بمعية دراكولا!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.